الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النفقة
قاعدة واحدة (144).
إعلم أن مالكا أوجب النفقة لأولاد الصلب والأبوَيْنِ خاصة، وأوجبها الشافعي لكلِ من هو بعضٌ من الآباء والأمهات، وإنْ علَوْا، وللأولاد وإن سفلوا، لقوله تعالى:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (145)، ولِقوله عليه السلام في البخاري:"يقول لكَ ولدك: إلَى من تَكِلُني"، قال: والابن يصدق على ابْن الابن كما يصدق على الابن وإن سَفُل، وكذا الأب يصدق على الأبِ وعلى أبيه وان عَلَا. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة لِكلِ ذي رحِمٍ مَحْرَمٍ، لقوله تعالى:{وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (146) -أجمعنا (147) على تخصيص من ليس بِمَحْرَم، بقي ما عداه على مقتضى العموم، ولقول تعالى:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} (148).
(144) في نسخة ع النفقات بالجمع، وهي موضوع الفرق التاسع والخمسين والمائة بين قاعدة أولاد الصلب والأبوين في إيجاب النفقة لهم خاصة، وبين قاعدة غيرهم من القَرابات" جـ 3. ص. 146. قال ابن الشاط في أوله: ما قاله القرافي حكاية أقوال ومستَنَدِها، ولا كلام في ذلك.
(145)
سورة النساء: الآية 36، وسورة الإسراء، الآية:23.
(146)
سورة الإسراء: الآية 26.
(147)
كذا في جميع النسخ المخطوطة من هذا الكتاب، وعند القرافي: "وأجمعنا بالواو. والعطف هنا بالواو، والوصلُ به أظهرُ من الفصل بعدمه، فليْنُظَر وليُتأمل، فإن باب الفصل والوصل من أدق ابواب البلاغة في علم المعاني، حتى قال بعضهم في ذلك: البلاغة معرفة الفصل والوصل، أي معرفة مواقع كل منهما ومكان استعماله. والله أعلم.
(148)
سورة الأنفال: الآيةُ الاخيرة منها 75، وسورة الأحزاب: الآية 6، وأولها قوله سبحانه:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} . قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: "أي إن القرابات أولَى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحِلْفِ والمواخَاة التي كانت بينهم كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجر يَرِث الانصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخُوة التي آخى بينهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ابن كثير في قوله تعالى:{إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا} ، اى ذهب الميراث وبقي النصرُ والبِر والصلة والاحسان والوصية. اهـ.
قال شهاب الدين: والجوابُ عَمّا قال الشافعي ألَّا نُسَلِّم أن لفظ الأب والأم يتناول غير الأدْنى، ويدل على ذلك أن الله فرض الأم الثلث، ولم تستحقّهُ الجدة، وحجَبَ الإِخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد، وأن بنت الابن لَهَا السدس مع بنتِ الصُّلْبِ، بخلاف بنتِ الصلب مع أختها، فلو كانتْ هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم الأحكام فيها على السواءِ، وإلَّا يلزمْ تركُ العمل بالدليل، وهو خلافُ الاصل، فإذاً، اللفظ إنما يتناول ما قال الشافعي بطريق المجاز، والْأصْلُ عَدَمُهُ حتى يدل دليل عليه. (149)
والجواب عمَّا قال أبو حنيفة ان يقال: الله تعالى أمَرَ بِمَا هو حق لذَوي القُرْبَي، وكلامُنا في النفقة هَل هي حقٌّ لهم أم لا؟ ، فذلك محل النزاع، وأمّا قول تعالى:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} ، فحَمَلَهُ علَى أن المراد بالأولوية في النكاح أو في باب النُّصْرَة. وإذا حملنا الأولوية على ذلك وهي نكِرةٌ، سقط الاستدلال بمقتضاها، لأن المطْلَق يكفي في صِدْقِه صورةٌ واحدة مِنْ صُوَره. (150)
(149)
قال الفقيه المحقق ابن الشاط رحمه الله، معقِبا على جواب الإِمام القرافي رحمه الله:
قلت: لا دليل له فيما استدل به على مراده منْ أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنيْن إلا مجازاً، لاحتمال أن يكون الامر في تلك الالفاظ بعكس دعواه، وذلك أن يكون يتناول الأدنَينَ وغيرَهم، لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنَيْنَ، فيحتاج إذاك إلى قرينة تخصها بالأدنين، أو إلى دليل يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا"
(150)
قال ابن الشاط رحمه الله: ما قاله القرافي رحمه الله من الجواب عما قاله أبو حنيفة رحمه الله، مُسَلَّم صحيح. اهـ.
قلت: وقد ختم شهاب الدين القرافي رحمه الله هذا الفرق بقوله:
"فظهر من هذه الاستدلالات وهذه الاجوبة صحةُ مذهب مالك، وتفضيلُه على غيره في هذه المسألة، وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا"
غير أن الشيخ ابن الشاط رحمه الله لم يُسَلم للقرافي بذلك فقال معقبا عليه: قلت: لم يظهر ما قاله، لاحتمال أن تكون تلك الالفاظ تتناول غير الأدنيْن بالوضع الاصلي، ووقع التجوز بقصرها على الأدنَيْن، واللهُ أعلمُ.
قلت: والذي يظهر عند التأمل في أجوبة القرافي على قول الشافعي وأبي حنيفة في الموضوع أنها ذات حظ من النظر، وأنها أقربُ إلى القبول والصواب، والى استساغَتِها نقلا ومنطقا، وبالتالي صحة مذهب مالك، وتفضيله على غيره في هذه المسألة كما قال القرافي، والله أعلم، فرحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، وجزاهم خيرا عن العلم وخدمة الدين والمسلمين.