الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[بَاب فِي الْإِيمَانِ]
57 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَهُ
ــ
قَوْلُهُ: (بِضْعٌ وَسِتُّونْ إِلَخْ) الْبِضْعُ وَالْبِضْعَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ وَهُوَ فِي الْعَدَدِ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَدَدِ وَالْمُرَادُ مِنَ الْأَبْوَابِ الْخِصَالُ وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ فَإِنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَثِيرًا مَا يَجِيءُ كَذَلِكَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْعَدَدَ قَدْ جَاءَ فِي بَيَانِ الْأَبْوَابِ مُخْتَلِفٌ قَوْلُهُ: (أَدْنَاهَا) أَيْ دُونَهَا مِقْدَارًا وَإِمَاطَةُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ إِزَالَتُهُ عَنْهُ وَإِذْهَابُهُ وَالْمُرَادُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَجْمُوعُ الشَّهَادَتَيْنِ عَنْ صِدْقِ قَلْبٍ أَوِ الشَّهَادَةُ بِالتَّوْحِيدِ فَقَطْ لَكِنْ عَنْ صِدْقٍ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالرِّسَالَةِ بَابٌ آخَرُ قَوْلُهُ: (وَالْحَيَاءُ) بِالْمَدِّ لُغَةً: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْمُؤْمِنَ خَوْفَ مَا يُعَابُ بِهِ وَفِي الشَّرْعِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَالْمُرَادُ هُنَا اسْتِعْمَالُ هَذَا الْخُلُقِ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّرْعِ وَقِيلَ: الْحَيَاءُ نَوْعَانِ نَفْسَانِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ فَالنَّفْسَانِيُّ الْجِبِلِّيُّ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِي النُّفُوسِ كَالْحَيَاءِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى نُفُوسِ الْكَفَرَةِ، وَالْإِيمَانِيُّ مَا يَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ بِسَبَبِ الْإِيمَانِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ، وَالشُّعْبَةُ غُصْنُ الشَّجَرَةِ وَفَرْعُ كُلِّ أَصْلٍ وَالتَّنْكِيرُ فِيهَا لِلتَّعْظِيمِ أَيْ شُعْبَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الْمَعَاصِي.
58 -
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ»
ــ
قَوْلُهُ: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ) أَيْ يُعَاتِبُ عَلَيْهِ فِي شَأْنِهِ وَيَحُثُّهُ عَلَى تَرْكِهِ إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ أَيْ فَلَا تَمْنَعْهُ مِنْهُ.
59 -
حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ»
ــ
قَوْلُهُ: (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَاحِدَةُ الذَّرِّ وَهُوَ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَسُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنْهَا فَقَالَ:
إِنَّ مِائَةَ نَمْلَةٍ وَزْنُ حَبَّةٍ وَقِيلَ: الذَّرَّةُ لَا وَزْنَ لَهَا وَيُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ فِي الْكُوَّةِ النَّافِذَةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ قَوْلُهُ: (مِنْ كِبْرٍ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ ظَاهِرُهُ يُوَافِقُ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] وَلَعَلَّ الْمُرَادَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوَّلًا وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِبْرِ التَّرَفُّعُ وَالتَّأَنِّي عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانُ فَيَكُونُ كُفْرًا فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِالْإِيمَانْ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَخْرُجُ مِنْ قَلْبِهِ الْكِبْرُ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] قِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي التَّثَبُّتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّشْدِيدُ عَلَى الْكِبْرِ.
60 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَلَّصَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّارِ وَأَمِنُوا فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرَجْنَا مَنْ قَدْ أَمَرْتَنَا ثُمَّ يَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا فَلْيَقْرَأْ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]
ــ
قَوْلُهُ: (إِذَا خَلَّصَ) مِنَ التَّخْلِيصِ وَأَمِنُوا بِكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْأَمْنِ قَوْلُهُ: (فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ) الْجُمْلَةُ صِفَةُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْجِنْسِ مِثْلُ قَوْلِهِ {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5] قَوْلُهُ: (أَشَدَّ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مَا الْحِجَازِيَّةِ قَوْلُهُ: (مُجَادَلَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ حَيْثُ جَعَلَ الْمُجَادَلَةَ ذَاتَ مُجَادَلَةٍ فَوُصِفَتْ بِكَوْنِهَا أَشَدَّ مُجَادَلَةٍ وَلَا يُمْكِنُ جَرُّ مُجَادَلَةٍ بِإِضَافَةِ أَشَدَّ إِلَيْهَا لِأَنَّ التَّنْكِيرَ يَأْبَاهُ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَمِنْ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يُسْتَعْمَلُ بِأَحَدِهِمَا وَاللَّامُ لَا بِهِمَا قَوْلُهُ: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ مِنْ مُجَادَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانِهِمْ أَيْ فِي شَأْنِ إِخْوَانِهِمْ أَوْ لِأَجْلِ إِخْوَانِهِمْ قَوْلُهُ: (الَّذِينَ أُدْخِلُوا) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ رَبَّنَا بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النِّدَاءِ أَيْ يَا رَبَّنَا إِخْوَانُنَا أَيْ هُمْ إِخْوَانُنَا أَوْ هُمْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ كَانُوا إِلَخْ وَقَوْلُهُ بِصُوَرِهِمْ فَإِنَّ الْوَجْهَ لَا يَتَغَيَّرُ بِالنَّارِ لِأَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ أَعْضَاءَ السُّجُودِ فَانْظُرْ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقُلُوبِ لَهُ مَحَبَّةٌ فِي الدُّنْيَا فَلَعَلَّ مَنْ لَا يَتَحَابُّونَ لَا يَشْفَعُونَ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ أَوِ اللَّهُ تَعَالَى
يُدْخِلُ الْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
61 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ نَجِيحٍ وَكَانَ ثِقَةً عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا
ــ
قَوْلُهُ: (وَنَحْنُ فِتْيَانٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فَتًى (حَزَاوِرَةٌ) جَمْعُ الْحَزْوَرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ زَايٍ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ وَاوٍ ثُمَّ رَاءِ وَيُقَالُ لَهُ: الْحَزَوَّرُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ هُوَ الْغُلَامُ إِذَا اشْتَدَّ وَقَوِيَ وَحَزَمَ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغَ قَوْلُهُ: (فَازْدَدْنَا بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ الْقُرْآنِ وَفِي الزَّائِدِ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
62 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ نِزَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صِنْفَانِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ»
ــ
قَوْلُهُ: (صِنْفَانِ) الصِّنْفُ النَّوْعُ وَالصِّنْفَانِ مُبْتَدَأٌ قَوْلُهُ: (مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ) صِفَةٌ قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ) خَبَرُهُ وَرُبَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يُكَفِّرُ الْفَرِيقَيْنِ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يُسَارَعَ إِلَى تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الْمُتَأَوِّلِينَ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ اخْتِيَارَ الْكُفْرِ وَقَدْ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ غَيْرُ مَا زَعَمُوا فَهُمْ إِذَنْ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ وَالْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ نَظَرًا وَاحْتِيَاطًا فَيَجْرِي قَوْلُهُ لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ مَجْرَى الْإِشَاعَةِ فِي بَيَانِ سُوءِ حَظِّهِمْ وَقِلَّةِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ نَحْوَ قَوْلِكِ: لَيْسَ لِلْبَخِيلِ مِنْ مَالِهِ نَصِيبٌ انْتَهَى
قُلْتُ فِي صَلَاحِيَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الْفُرُوعِ نَظَرٌ كَمَا سَتَعْرِفُ فَضْلًا عَنِ الْأُصُولِ وَالْمَطْلُوبُ فِيهَا الْقَطْعُ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي التَّكْفِيرِ قَوْلُهُ: (الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا وَجَعْلُهُ بَدَلًا مِنْ صِنْفَانِ يُؤَدِّي إِلَى الْفَصْلِ بِأَجْنَبِيٍّ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرٍ لَهُمَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ الْبَدَلَ مِنَ الرَّابِطِ وَالنَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي مَشْهُورٌ فِي مِثْلِهِ بَيْنَ الطَّلَبَةِ
وَالْمُرْجِئَةُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرْجَأْتُ الْأَمْرَ بِالْهَمْزَةِ وَأَرْجَيْتُ بِالْيَاءِ أَيْ أَخَّرْتُ وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْإِسْلَامِ يَعْتَقِدُونْ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ مَعْصِيَةٌ كَمَا أَنَّهُ
لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْجَأَ تَعْذِيبَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَيْ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ وَبَعَّدَهُ وَقِيلَ: هُمُ الْجَبْرِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَبْدَ كَالْجَمَادِ سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونْ إِلَى اللَّهِ
وَالْقَدَرِيَّةُ بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ سُكُونِ الدَّالِ اشْتَهَرَ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مَنْ يَقُولُ بِالْقَدَرِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي الْقَدَرِ وَأَقَامُوا الْأَدِلَّةَ بِزَعْمِهِمْ عَلَى نَفْيِهِ وَتَوَغَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى اشْتُهِرُوا بِهَذَا الِاسْمِ وَبِسَبَبِ تَوَغُّلِهِمْ وَكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِمْ صَارُوا هُمْ أَحَقَّ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمُثْبِتَ أَحَقُّ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ مِنَ النَّافِي عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا النَّافِي فَانْدَفَعَ تَوَهُّمُ الْقَدَرِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُثْبِتُ لِلْقَدَرِ لَا النَّافِي ثُمَّ الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَطَرِيقٍ آخَرَ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَسَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِطَرِيقٍ آخَرَ وَزَعَمَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ بُعْدَهُ وَبَيَّنْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ ثُمَّ الْحَافِظُ بْنُ حَجَرٍ بِمَا يُبْعِدُهُ عَنِ الْوَضْعِ وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْحُسْنِ وَجَعَلَ نَظَرَهُمَا هُوَ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ وَالْحَدِيثُ جَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ بِطَرِيقِ مُعَاذِ وَكَثْرَةُ الطُّرُقِ تُفِيدُ بِأَنَّ لَهُ أَصْلًا وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْفَعُ فِي الِاسْتِدْلَالِ فِي الْأُصُولِ.
63 -
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ كَهْمَسِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ شَعَرِ الرَّأْسِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ سَفَرٍ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِسْلَامُ قَالَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ فَقَالَ صَدَقْتَ فَعَجِبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِيمَانُ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ فَعَجِبْنَا مِنْهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَمَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَمَا أَمَارَتُهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا قَالَ وَكِيعٌ يَعْنِي تَلِدُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبِنَاءِ قَالَ ثُمَّ قَالَ فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ أَتَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ مَعَالِمَ دِينِكُمْ»
ــ
قَوْلُهُ: (لَا يُرَى) ضُبِطَ بِالتَّحْتِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ أَوْ بِالنُّونِ الْمَفْتُوحَةِ قَوْلُهُ: (وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) أَيْ فَخِذَيْ نَفْسِهِ جَالِسًا عَلَى هَيْئَةِ الْمُتَعَلِّمِ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَاخْتَارَهُ التُّورْبَشْتِيُّ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوْقِيرِ مِنْ سَمَاعِ ذَوِي الْأَدَبِ أَوْ فَخِذِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُؤَيِّدُهُ الْمُوَافَقَةُ لِقَوْلِهِ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَعْمِيَةِ أَمْرِهِ لِيَقْوَى الظَّنُّ بِأَنَّهُ مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي نُقِلَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ هُوَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْوَاقِعَةُ مُتَّحِدَةٌ قَوْلُهُ: (يَا مُحَمَّدُ) كَرَاهَةُ النِّدَاءِ بِاسْمِهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ النَّاسِ لَا فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ فَلَا إِشْكَالَ فِي نِدَاءِ جِبْرِيلَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّعْمِيَةَ
كَانَتْ مَطْلُوبَةً قَوْلُهُ: (قَالَ: شَهَادَةِ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ هَذِهِ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ الظَّاهِرُةُ قَوْلُهُ: (يَسْأَلُهُ) وَالسُّؤَالُ يَقْتَضِي الْجَهْلَ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ قَوْلُهُ: (وَيُصَدِّقُهُ) وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْخَبَرُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ وَهَذَا فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْوَاقِعِ وَالْعِلْمُ بِهِ لِيَعْرِفَ مُطَابَقَةَ هَذَا لَهُ قَوْلُهُ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ) أَيْ تُصَدِّقَ بِهِ فَالْمُرَادُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَالْإِيمَانُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ الشَّرْعِيُّ فَلَا دَوْرَ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ بِخُصُوصِ الْمُتَعَلِّقِ فِي الشَّرْعِيِّ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الِاعْتِقَادُ الْبَاطِنِيُّ قَوْلُهُ: (مَا الْإِحْسَانُ) أَيِ الْإِحْسَانُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْإِحْسَانُ الَّذِي حَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قَوْلُهُ: (كَأَنَّكَ تَرَاهُ) صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ عِبَادَةً كَأَنَّكَ فِيهَا تَرَاهُ أَوْ حَالًا أَيْ وَالْحَالُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَالِيَّةِ أَنْ يَنْتَظِرَ بِالْعِبَادَةِ تِلْكَ الْحَالَ فَلَا يَعْبُدُ قَبْلَ تِلْكَ الْحَالِ بَلِ الْمَقْصُودُ تَحْصِيلُ تِلْكَ الْحَالِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِحْسَانَ هُوَ مُرَاعَاةُ الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا فِي الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ رَاعَاهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَائِيًا حَالَ الْعِبَادَةِ لَمَا تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْخُشُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا مَنْشَأَ لِتِلْكَ الْمُرَاعَاةِ حَالَ كَوْنِهِ رَائِيًا إِلَّا كَوْنَهُ تَعَالَى رَقِيبًا عَالِمًا مُطَّلِعًا عَلَى حَالِهِ وَهَذَا مَوْجُودٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ يَرَاهُ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْلِيلِهِ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ أَيْ وَهُوَ يَكْفِي فِي مُرَاعَاةِ الْخُشُوعِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ (فَإِنْ) عَلَى هَذَا وَصْلِيَّةٌ اسْتُعْمِلَتْ بِدُونِ الْوَاوِ تَشْبِيهًا لَهَا بِلَوْ كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] لَا شَرْطِيَّةٌ وَكَأَنَّهُ لِهَذَا أُلْغِيَتْ عَنِ الْعَمَلِ وَإِنْ قُلْنَا الْوَصْلِيَّةُ شَرْطِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ يُعْطَى الْمُعْتَلُّ حُكْمَ الصَّحِيحِ أَوْ هُوَ أَلِفُ الْإِشْبَاعِ فَلْيُفْهَمْ قَوْلُهُ: (أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا) أَيْ أَنْ تَحْكُمَ الْبِنْتُ عَلَى الْأُمِّ مِنْ كَثْرَةِ الْعُقُوقِ حُكْمَ السَّيِّدَةِ عَلَى أَمَتِهَا وَلَمَّا كَانَ
الْعُقُوقُ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرَ خُصَّتِ الْبِنْتُ وَالْأَمَةُ بِالذِّكْرِ وَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ فِي مَعْنَاهُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ وَكِيعٍ وَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ السَّبَايَا قَوْلُهُ: (الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ) كُلٌّ مِنْهُمَا بِضَمِّ الْأَوَّلِ الْعَالَةَ جَمْعُ عَائِلٍ بِمَعْنَى الْفَقِيرِ رِعَاءَ الشَّاءِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْمَدِّ وَالْأَوَّلُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمُرَادُ الْأَعْرَابُ وَأَصْحَابُ الْبَوَادِي يَتَطَاوَلُونَ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ قَوْلُهُ: (بَعْدَ ثَلَاثٍ) أَيْ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَهَذَا بَيَانُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا أَيْ زَمَانًا طَوِيلًا قَوْلُهُ: (مَعَالِمَ دِينِكُمْ) أَيْ دَلَائِلَهُ أَيْ مَسَائِلَهُ.
64 -
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِيمَانُ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِسْلَامُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْإِحْسَانُ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْغَنَمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ فَتَلَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34] الْآيَةَ»
ــ
قَوْلُهُ: (بَارِزًا لِلنَّاسِ) أَيْ ظَاهِرًا لِأَجْلِهِمْ حَتَّى يَسْأَلُوهُ وَيَنْفَعَ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ قَوْلُهُ: (وَلِقَائِهِ) قِيلَ: اللِّقَاءُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُفَسَّرُ بِالثَّوَابِ وَالْحِسَابِ وَالْمَوْتِ وَالرُّؤْيَةِ وَالْبَعْثِ الْآخِرِ وَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى غَيْرِ الْبَعْثِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّهُ مَذْكُورٌ مِنْ بَعْدُ حَيْثُ قَالَ وَتُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ قُلْتُ: إِذًا فُسِّرَ بِالْمَوْتِ فَالظَّاهِرُ أَنْ يُرِيدَ مَوْتَ الْعَالَمِ وَفَنَاءَ الدُّنْيَا بِتَمَامِهَا وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ عَالِمٌ بِمَوْتِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَهُ فَلَا يَحْسُنُ التَّكْلِيفُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالْحِسَابُ فَهُمَا غَيْرُ الْبَعْثِ فَلَا تِكْرَارَ إِذَا أُرِيدَ أَحَدُهُمَا وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَقَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِاللِّقَاءِ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَقْطَعُ لِنَفْسِهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَدْرِي بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ اهـ
قُلْتُ: وَقَدْ يُقَالُ: الْإِيمَانُ بِتَحْقِيقِ هَذَا لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ أَحَدًا بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يُؤْمِنَ كُلُّ شَخْصٍ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَهَذَا مِثْلُ الْإِيمَانِ بِالْحِسَابِ أَوْ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ مَعَ عَدَمِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِلْكُلِّ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَكَمْ مَنْ لَا يُعَاقَبُ أَوْ يُثَابُ قَوْلُهُ: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ) أَيْ تُوَحِّدَهُ بِلِسَانِكَ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ فَيَشْمَلُ الشَّهَادَتَيْنِ فَوَافَقَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ رِوَايَتَهُ ثَمَّ وَكَذَلِكَ
حَدِيثُ بُنِيَ الْإِسْلَامُ وَجُمْلَةُ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا لِلتَّأْكِيدِ قَوْلُهُ: (عَنْ أَشْرَاطِهَا) أَيْ عَلَامَاتِهَا قَوْلُهُ: (فِي خَمْسٍ) أَيْ وَقْتُ السَّاعَةِ فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ وَالْجُمْلَةُ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ وَقِيلَ: فِي خَمْسٍ حَالٌ مِنْ رِعَاءٍ أَيْ مُتَفَكِّرِينَ فِي خَمْسٍ وَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى جَهْلِهِمْ وَحَمَاقَتِهِمْ.
65 -
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ صَالِحٍ أَبُو الصَّلْتِ الْهَرَوِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ» قَالَ أَبُو الصَّلْتِ لَوْ قُرِئَ هَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى مَجْنُونٍ لَبَرَأَ
ــ
قَوْلُهُ: (الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ) أَيِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَقَوْلُهُ: بِاللِّسَانِ هُوَ الشَّهَادَتَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ أَيِ الْجَوَارِحِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَفِيهِ أَنَّ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ لَا يُوجَدُ بِلَا إِسْلَامٍ وَبِهِ حَصَلَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ إِنْ ثَبَتَ وَبَيْنَ حَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ وَالْحَدِيثُ عَدَّهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قَالَ فِيهِ أَبُو الصَّلْتِ مُتَّهَمٌ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بَعْضُ شُرَّاحِ الْكِتَابِ وَفِي الزَّوَائِدِ إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ ضَعِيفٌ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ضَعْفِ أَبِي الصَّلْتِ الرَّاوِي قَالَ السُّيُوطِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ وَأَبُو الصَّلْتِ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَقَالَ: لَيْسَ مِمَّنْ يَكْذِبُ وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ رَجُلٌ صَالِحٌ إِلَّا أَنَّهُ شِيعِيٌّ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ وَقَدْ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ أَحْمَدُ أَرَاهُ صَادِقًا وَقَالَ الْخَطِيبُ كَانَ غَالِيًا فِي التَّشَيُّعِ وَأَمَّا فِي رِوَايَتِهِ فَقَدْ وَصَفُوهُ بِالصِّدْقِ ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ بَعْضُ الْمُتَابَعَاتِ قَوْلُهُ: (لَبَرَأَ مِنْ جُنُونِهِ) لِمَا فِي الْإِسْنَادِ مِنْ خِيَارِ الْعِبَادِ وَهُمْ خُلَاصَةُ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهُوَ مِنْ بَرِئَ الْمَرِيضُ مِنَ الدَّاءِ لَا مِنْ بَرِئْتُ مِنَ الْأَمْرِ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَبَرَّأْتُ فَإِنَّ أَبَا الصَّلْتِ هُوَ الْقَائِلُ لِهَذَا الْقَوْلِ وَلَا يَسْتَقِيمُ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا بِالنَّظَرِ إِلَى نَفْسِهِ وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ.
66 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ أَوْ قَالَ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
ــ
قَوْلُهُ: (مَا يُحِبُّ) أَيْ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ لَا الْخُصُوصُ وَقَدْ يَكُونُ خَيْرًا لَا يَقْبَلُ الِاشْتِرَاكَ كَالْوَسِيلَةِ وَلَا لِغَيْرِ مَنْ لَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْغَايَاتِ وَأَمْثَالِهَا أَنَّهُ لَا يَكْمُلُ الْإِيمَانُ بِدُونِهَا لَا أَنَّهَا وَحْدَهَا كَافِيَةٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ الْكَمَالُ بَعْدَ حُصُولِهَا عَلَى شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى يَلْزَمَ التَّعَارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الْغَايَاتِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
67 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»
ــ
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ) هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ: الْمُرَادُ الْمَحَبَّةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لَا الطَّبِيعِيَّةُ وَكَذَا قَالُوا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُؤْمِنُ لَا يَكْمُلُ إِيمَانُهُ.
68 -
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»
ــ
قَوْلُهُ: (لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ نَفْيٌ لَا نَهْيٌ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا فَالْقِيَاسُ ثُبُوتُ النُّونِ فِيهِمَا فَكَأَنَّهَا حُذِفَتْ لِلْمُجَانَسَةِ وَالِازْدِوَاجِ وَقَدْ جَاءَ حَذْفُهَا لِلتَّخْفِيفِ كَثِيرًا ثُمَّ الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّحَابُبِ وَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ لَا تَسْتَحِقُّونَ دُخُولَ الْجَنَّةِ أَوَّلًا حَتَّى تُؤْمِنُوا إِيمَانًا كَامِلًا وَلَا تُؤْمِنُونَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ حَتَّى تَحَابُّوا بِفَتْحِ التَّاءِ وَأَصْلُهُ تَتَحَابُّونْ أَيْ يُحِبُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَأَمَّا حَمْلُ حَتَّى تُؤْمِنُوا عَلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ وَحَمْلُ وَلَا تُؤْمِنُوا عَلَى الْكَمَالِ فَيَأْبَاهُ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْكَالِ الْمَنْطِقِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْبُرْهَانَ وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُحْمَلُ بِهِ الْإِخْلَالُ يُدْفَعُ بِعَدَمِ تَكْرَارِ الْحَدِّ الْأَوْسَطِ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ: (أَفْشُوا السَّلَامَ) مِنَ الْإِفْشَاءِ أَيْ أَظْهِرُوهُ وَالْمُرَادُ نَشْرُ السَّلَامِ بَيْنَ النَّاسِ لِيُحْيُوا سُنَّتَهُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - قَالَ النَّوَوِيُّ أَقَلُّهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي شَرْحِ هَذِهِ اللَّفْظِ قُلْتُ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْإِفْشَاءَ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ وَالْأَقْرَبُ حَمْلُهُ
عَلَى الْإِكْثَارِ.
69 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»
ــ
قَوْلُهُ: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ) بِكَسْرِ السِّينِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ قَرِيبًا.
70 -
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَعِبَادَتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ مَاتَ وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ» قَالَ أَنَسٌ وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَبَلَّغُوهُ عَنْ رَبِّهِمْ قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي آخِرِ مَا نَزَلَ يَقُولُ اللَّهُ {فَإِنْ تَابُوا} [التوبة: 5] قَالَ خَلْعُ الْأَوْثَانِ وَعِبَادَتِهَا {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ} [التوبة: 5] وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى الْعَبْسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلَهُ
ــ
قَوْلُهُ: (وَعِبَادَتِهِ) أَيْ تَوْحِيدِهِ فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْإِخْلَاصِ وَطَاعَتِهِ مُطْلَقًا فَذِكْرَ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ بَعْدَهَا تَخْصِيصٌ لِأَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ وَعَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ: مَاتَ وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ ظَاهِرٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ مَبْنِيٌّ أَنَّ مِثْلَهُ يُوَفَّقُ لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ وَلِلتَّوْبَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلُهُ: (قَبْلَ هَرْجِ الْأَحَادِيثِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ كَثْرَتُهَا وَاخْتِلَاطُهَا فِي آخِرِ مَا نَزَّلَ اللَّهُ أَيْ سُورَةِ بَرَاءَةٌ لِأَنَّهَا آخِرُ سُورَةٍ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الزَّوَائِدِ هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ضَعِيفٌ هُنَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: النَّاسُ يَتَّقُونَ حَدِيثَهُ مَا كَانَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ لِأَنَّ فِي أَحَادِيثِهِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ اهـ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ضَعِيفٌ فِي الرَّبِيعِ لَا الرَّبِيعُ ضَعِيفٌ إِذَا رَوَى عَنْهُ أَبُو جَعْفَرٍ فَلْيُتَأَمَّلْ.
71 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»
ــ
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَشْهَدُوا إِلَخْ) قَدْ جَاءَتِ الْغَايَةُ مُخْتَلِفَةً بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى إِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ لَا كَمَنْ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ شَرْعِ الْجِزْيَةِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ مَنْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ.
72 -
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ»
ــ
قَوْلُهُ: (عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ إِلَى قَوْلِهِ: عَنْ مُعَاذٍ) فِي الزَّوَائِدِ هُنَا إِسْنَادٌ
حَسَنٌ وَالْمُكَنَّى رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ اهـ قُلْتُ: كَأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ غَيْرُ مَسْمُوعٍ وَإِلَّا فَقَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ حَتَّى قِيلَ: مَتْرُوكٌ.
73 -
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ الرَّازِيُّ أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ اللَّيْثِيُّ حَدَّثَنَا نِزَارُ بْنُ حَيَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ وَأَهْلُ الْقَدَرِ»
74 -
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ سَعِيدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ
75 -
حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ الْحَارِثِ أَظُنُّهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ الْإِيمَانُ يَزْدَادُ وَيَنْقُصُ
ــ
قَوْلُهُ: (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي) قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ قَرِيبًا قَوْلُهُ: (الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ) بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ وَلِهَذَا الصِّدِّيقُ أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ غَيْرِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى يَكُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا مِنْ بَعْضِهَا وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ صَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمْ وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي عَصْرِهِمْ وَلِذَلِكَ نَقَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَرَوَى بِسَنَدِهِ الصَّحِيحِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَأَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي بَابِ الْإِيمَانِ فِي نَقْلِ ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكُلِّ مَنْ يَدُورُ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَحَكَاهُ ابْنُ عِيَاضٍ وَوَكِيعٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اهـ.
قُلْتُ: وَبِالْجُمْلَةِ تَوَاطَأَتْ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَلِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى جَوَازِ أَنْ يُقَالَ: الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَالنُّقْصَانُ مِنْ لَوَازِمِ الزِّيَادَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ يُوصَفُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ وَصْفًا لَهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْمَاهِيَّةِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ خَارِجِيَّةٍ عَنْهَا إِذِ السَّلَفُ كَانُوا يَتَّبِعُونَ الْوَارِدَ وَلَا يَلْتَفِتُونْ إِلَى نَحْوِ تِلْكَ الْمَبَاحِثِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي اسْتَخْرَجَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ عَدِّ الْقَوْلِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مِنْ كَلِمَاتِ الْكُفْرِ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.