المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

كِتْابُ اللعان   ‌ ‌الحديث الأول 317 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ - رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام - جـ ٥

[تاج الدين الفاكهاني]

فهرس الكتاب

- ‌باب العدة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كِتْابُ اللعَانِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌كِتْابُ الرَّضَاع

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌كِتْابُ الْقَصَاص

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌كِتْابُ الْحُدُودِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌باب حد السرقة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌باب حد الخمر

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌كِتْابُ الْأَيْمَان وَالنُّذُورِ

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌الحديث السابع

- ‌باب النذور

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌باب القضاء

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كِتْابُ الْأَطْعِمَة

- ‌الحديث الأول

- ‌ باب:

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث والرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌باب الصيد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌باب الأضاحي

- ‌كِتْابُ الْأَشْرِبَة

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌كِتْابُ اللبَاسِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس

- ‌الحديث السادس

- ‌كِتْابُ الْجِهَاد

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

- ‌الحديث الرابع

- ‌الحديث الخامس والسادس

- ‌الحديث السابع

- ‌الحديث الثامن

- ‌الحديث التاسع

- ‌الحديث العاشر

- ‌الحديث الحادي عشر

- ‌الحديث الثاني عشر

- ‌الحديث الثالث عشر

- ‌الحديث الرابع عشر

- ‌الحديث الخامس عشر

- ‌الحديث السادس عشر

- ‌الحديث السابع عشر

- ‌الحديث الثامن عشر

- ‌الحديث التاسع عشر

- ‌كِتْابُ الْعِتْقِ

- ‌الحديث الأول

- ‌الحديث الثاني

- ‌الحديث الثالث

الفصل: كِتْابُ اللعان   ‌ ‌الحديث الأول 317 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ

كِتْابُ اللعان

‌الحديث الأول

317 -

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ فُلَانَ بنَ فُلَانٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ، تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيم، وإنْ سَكَتَ، سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُجبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ (1) ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- هَؤُلَاءَ (2) الآيَاتِ في سُورَةِ النُّورِ:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} [النور: 6]، فتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْونُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ (3): لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ

(1)"قد" ليس في "ت".

(2)

في "ت": "هذه".

(3)

في "ت": "قالت".

ص: 37

الصَّادِقِينَ، وَالخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِبِينَ، وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثَلَاثًا (1) "(2).

وَفي لَفْظٍ: "لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا". قَالَ: يَا رَسُولِ اللَّهِ! مَالِي. قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وإنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا"(3).

(1) في "ت": "ثلاث مرات".

(2)

* تَخْرِيج الحَدِيث:

رواه مسلم (1493/ 4)، كتاب: اللعان، والنسائي (3473)، كتاب: الطلاق، باب: عظة الإمام الرجل والمرأة عند اللعان، والترمذي (3178)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النور.

(3)

رواه البخاري (5005)، كتاب: الطلاق، باب: صداق الملاعنة، و (5006)، باب: قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ و (5034)، باب: المهر للمدخول عليها، و (5035)، باب: المتعة للتي لم يفرض لها، ومسلم (1493/ 5)، كتاب: اللعان، واللفظ له، وأبو داود (2257)، كتاب: الطلاق، باب: في اللعان، والنسائي (3476)، كتاب: الطلاق، باب: اجتماع المتلاعنين.

* مصَادر شرح الحَدِيث:

"معالم السنن" للخطابي (3/ 271)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 80)، و"المفهم" للقرطبي (4/ 294)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 124)، و"شرح عمدة الأحكام" لابن دقيق (4/ 65)، و"العدة في شرح العمدة" لابن العطار (3/ 1352)، و"التوضيح" لابن الملقن (25/ 480)، و"فتح الباري" لابن حجر (9/ 447)، =

ص: 38

* مقدمة في حقيقة اللعان ومعناه:

اللِّعانُ، والمُلَاعَنَةُ، والتَّلَاعُنُ، والالْتِعَانُ: أصلُه (1): اللَّعْنَةُ، وهي (2) الإبعادُ والطردُ، وسُمي هذا لعانًا؛ لما يعقب من اللعنةِ والغضبِ على الكاذب من الزوجين، يقال: لاعَنَ امرأَتَهُ مُلَاعَنَةً ولِعانًا، وقد تَلَاعَنَا، والْتَعَنَا، بمعنى واحد، ولاعَنَ الحاكمُ بينهما، فتلَاعَنَا (3).

وهو في الشرع: يمينُ الزوجِ على زوجته بِزِنى، أو نفيِ نسب، ويمينُ الزوجةِ على تكذيبه، وليس شهادةً (4)؛ خلافًا لمن قال ذلك من الشافعية، فيصحُّ مع الرقِّ والفسقِ.

قال العلماء: ولا يتعدَّدُ يمينٌ إلا في اللعان، والقَسامة، ولا يكون اليمينُ في جانب المدَّعِي إلا فيهما.

وشرطُ الملاعِنِ: أن يكون زوجًا، مسلِمًا، مكلَّفًا، فيلاعن الحرُّ الحرةَ، والأمةَ، والكتابيةَ، وكذلك العبدُ في هذه الثلاث، والنكاحُ

= و"عمدة القاري" للعيني (20/ 300)، و"إرشاد الساري" للقسطلاني (8/ 177)، و"كشف اللثام" للسفاريني (5/ 522)، و"سبل السلام" للصنعاني (3/ 193)، و"نيل الأوطار" للشوكاني (7/ 65).

(1)

في "ت" زيادة: "من".

(2)

في "ت": "وهو".

(3)

انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (2/ 396)، (مادة: لعن).

(4)

في "ت": "بشهادة".

ص: 39

الفاسدُ بالنسبة إلى المتلاعنينِ كالصحيح (1).

قالوا: والحكمةُ في شرعيته: حفظُ الأنسابِ، ونفيُ المعرَّةِ عن الأزواج.

وقد أُجمع على صحته في الجملة.

* ثم الكلام على الحديث من وجوه:

الأول: قوله: "أَنَّ فلانَ بنَ فلانٍ":

اعلم: أن فلانَ وفلانةَ كناياتٌ (2) عن الأعلام، وهما مما لا يُثنى، ولا يُجمع، وإذا وقع (ابن) بين فلان وفلان (3)؛ كقوله (4): هذا فلانُ بنُ فلان، عوملا معاملة العَلَمين في حذف تنوينِ الأول، وحذفِ ألف الوصل من (ابن)، كما تقول: هذا زيدُ بنُ عمرو سواء، ومما يجري مجرى الأعلام -أيضًا- في هذا (5): قولهم: طامرُ بنُ طامر لمن يُجهل نسبُه، ولا يُعلم أبوه، ويقال ذلك أيضًا: لمن لا قرابةَ بينَك وبينه، ومعناه بعيدُ بنُ بعيد، قال الشاعر:

أَزَعَمْتُمُ أَنِّي سَأَتْرُكُ أَرْضَكُمْ

خَلْفِي وَأَذْهَبُ طَامِرًا عَنْ طَامِرِ

(1) انظر: "جامع الأمهات" لابن الحاجب (ص: 314).

(2)

في "ت": "كناية".

(3)

في "ت": "فلانة".

(4)

في "ت": "كقولك".

(5)

في "ت": "في هذا أيضًا".

ص: 40

ويجري هذا المجرى -أيضًا- أسماءُ الأعلام الموضوعةُ لما لا يعقل؛ كقولك: هذا أبو (1) مهدي بنُ حفصة، وأبو مهدي: الديك، وحفصةُ: الدجاجة، وهذا سمسمُ بنُ ثعالة، وسمسمٌ، وثعالةُ: من أسماء الثعلب (2)، وكقولهم: للخبزِ: جابرُ بنُ حَبَّةَ، سُمي جابرًا؛ لأنه يجبر الجائعَ، وهو متَّخذ من حَبِّ الطعام، قال الشاعر:

أَبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنَا في الظَّهَائِرِ

يَجِيءُ فَيُلْقِيَ رَحْلَهُ عِنْدَ جَابِرِ

وأبو مالك كنية للجوع (3)، واللَّه أعلم.

وانظر لم قال الراوي: أن (4) فلانَ بنَ فلان، فكنَّى عنه، ولم يُعَينه (5)، وهو عُوَيمِرُ بنُ أبيضَ العجلانيُّ، الأنصاريُّ، المشهورُ بصاحب اللِّعان.

الثاني: قوله: "أرأيتَ لو أَنَّ أحدنا": ظاهره:

أنه سؤالٌ عما لم (6) يقع، ويحتمل أن يكون قد وقع، فعلى الأول: ينطبق قوله: "إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُليتُ به"، وعلى الثاني: وهو أن يكونَ الأمرُ قد وقعَ قبلَ السؤال؛ لكن لما تأخَّر جوابه، بينَ ضرورَته

(1)"أبو" ليس في "ت".

(2)

في "ت": "الكلب".

(3)

في "ت": "الجوع".

(4)

"أن" ليس في "ت".

(5)

في "ت": "يبينه".

(6)

"لم" ليست في"خ" و"ز".

ص: 41

ليستجرَّ (1) بذلك الجواب، ليعرف الحكم، فيعمل (2) بمقتضاه.

الثالث: قوله: "فأنزل اللَّه -تعالى- هؤلاء (3) الآياتِ" يقتضي أن سؤالَه سببُ نزولها، وقد صحح ابنُ عطيةَ أن سببَ نزولها هلالُ بنُ أميةَ، فقال (4): إنه الصحيحُ المشهور (5)، وأبى ذلك الطبريُّ وغيرُه، وهذا الحديث يدلُّ لهم، كما تقدَّم.

وقد أُجيب عنه: بأن قولَه لعويمر: "قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفي صَاحِبَتِكَ قُرْآنًا"، معناه: ما نزلَ في هلالِ؛ لأن ذلك حكم عامٌّ لجميع المسلمين.

قال ع، وتبعه (6) ح (7): ويحتمل أن تكون الآية نزلتْ فيهما، فلعلَّهما سألا في (8) وقتين متقاربين، فنزلت الآيةُ فيهما، وسبقَ هلالٌ باللعان، واللَّه أعلم.

قلت: وكلُّ هذا محتمَل، واللَّه أعلم.

(1) في "ت": "ليستخبر".

(2)

في الأصل: "فيعلم"، وهو خطأ.

(3)

في "ت": "هذه".

(4)

في "ت": "وقال".

(5)

انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (4/ 166).

(6)

في"ت": "وتابعه".

(7)

"خ" ليس في "ت".

(8)

في "خ": "عن".

ص: 42

قالوا: وكانت قصةُ (1) اللعان في سنة تسعٍ من الهجرة (2)، وتلاوتُه عليه الصلاة والسلام الآياتِ؛ ليُعرف حكمُها، ويُعمل بها.

الرابع: قوله: "ووعَظَه وذَكَّرَه":

قال الجوهري: الوَعْظ: النُّصْحُ، والتذكيرُ بالعواقبِ، تقول: وَعَظْتُهُ وَعْظًا وعِظَةً، فاتَّعَظَ؛ أي (3): قَبِلَ المواعِظَ (4)(5).

قلت: فعلى هذا التفسير يكون قولُه: "وذَكَّرَه" من باب: أقوى وأقفر؛ إذ التذكيرُ مدلولُ الوعظِ؛ كما أن الإقفارَ من مدلولُ الإقواء، واللَّه أعلم، فيكون الوعظُ سُنَّةً للمتلاعِنَيْنِ، وكذلك تخويفُهما من وَبال اليمين الكاذبةِ، وأن (6) الصبرَ على عذابِ الدنيا وهو الحدُّ، أهونُ من عذاب الآخرة.

ع: وذهب الشافعيُّ إلى أن الإمام يَعِظُ كلَّ واحدٍ بعدَ تمام الرابعةِ، وقبلَ الخامسة، وقال الطبري فيه: إنه يجبُ للإمام (7) أن يعظَ

(1) في "ت": "قضية".

(2)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 86)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 120).

(3)

"أي" ليس في "ت".

(4)

في "ت": "بالمواعظ".

(5)

انظر: "الصحاح" للجوهري (3/ 1181)، (مادة: وعظ).

(6)

في "ت": "فإن".

(7)

في "ت": "على الإمام".

ص: 43

كُلَّ مَنْ يحلِّفه (1).

قلت: وفيه نظر.

الخامس: قوله: "فبدأ بالرجل": (2) -مهموز-؛ لأنه بمعنى: شَرَعَ، بخلاف ما إذا كان بمعنى: ظهرَ، فإنه لا يُهمز.

وابتداؤُه بالزوج؛ لابتداء اللَّه -تعالى- به في الآية، ولأنه الذي يدرأ (3) حَدَّ القذف عن نفسه، وأَيمانُه كالشهودِ على دعواه، ويثبت عليها هي الحد ما لم تلتعنْ، ولا خلاف في ذلك.

ولكن اختلف العلماء في زياداتٍ وبيانات في هذه اليمين بحسب دعوى الزوج؛ من رؤية، أو مجردِ قذفٍ، أو نفي حملٍ، اختلافًا لا يؤول إلى تنافُر؛ وإنما هو (4) حكم بالتمام والكمال، والأمر المتقارب مما هو معروف. وفي مذهبنا مشهورٌ.

وفي مذهب غيرنا: هل يقول: أشهدُ باللَّه، أو يعلمُ اللَّه؟

وهل يزيدُ بعد قوله: أشهد باللَّه الذي لا إله إلا هو، أم لا؟

وهل يزيد في (5) دعوى الرؤية بعدَ قوله: إني لمن الصادقين: لرأيتُها تزني كالمِرْوَدِ في المكحلة؛ كما يقول الشهود، أو يقتصرُ على

(1) انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 84).

(2)

في "ت" زيادة: "بدأ".

(3)

في"ت": "أخر".

(4)

"هو" ليس في "خ".

(5)

"في" ليست في "ت".

ص: 44

قوله: رأيتُها (1) تزني فقط؟

وهل قوله: إني لمن الصادقين، لازمٌ، أم يكفيه الحلفُ على نصِّ دعواه، الذي فيه تصديقه؟

وكذلك هل يقتصر في الحمل على قوله: لزنَتْ (2)، أو يزيدُ (3): وما هذا الحملُ مني؟

وهل يزيد: لقد استبرأت، أم لا؟

ويكون يمين (4) المرأة على تكذيبه بحسب هذا.

وكلُّ هذا مختلَف فيه في مذهبنا.

وهل يجزىء المرأةَ اللعنةُ من الغضب، أم لا؟

وهل يقوم قولُه: ما كذبتُ عليها في الخامسة، مقامَ قوله: إني لمن الصادقين؟ وهي أيضًا في الخامسة، أم لا يجزىء (5) إلا ما نصَّ اللَّه تعالى عليه (6)؟

وذهب الشافعيُّ، ونحوُه مذهبُ الليثِ، والثوريِّ، وأبي حنيفة:

(1)"كالمرود في المكحلة كما يقول الشهود، أو يقتصر على قوله: رأيتها" ليس في "ت".

(2)

في "ت": "أزنت".

(3)

في "ت": "يزيده".

(4)

في "ت": "تكذيب".

(5)

في "ت": "لا تجزىء".

(6)

"عليه" ليس في "خ".

ص: 45

أنه يقول: أشهد باللَّه إني لمن الصادقين فيما رميتُها به من الزنا، وُيشير إليها، وإن كان نفيَ حملٍ، زاد: وما هذا الحملُ مني.

وقال زفرُ مثلَ هذا، إلا أنه قال: يخاطبها وتخاطبُه، بقوله (1): فيما رميتُكِ به، وتقول هي: فيما رميتَني به.

ع: واختُلف عندنا إذا ابتدأت المرأةُ باللعان، ثم لاعنَ الزوجُ، هل يجزئها؟ وهو قول أبي حنيفة، أم (2) تعيدُ اللعان (3)؟

قلت: والمشهورُ عندنا أنه لا يُعيد (4) عليها بعدَ لعانِ الزوج.

وقال أشهب: يُعاد، واستحبه ابنُ الكاتب.

وقال الشافعيُّ وطائفة: لا يصحُّ لعانُها ابتداءً.

السادس: قوله: "ثم فرق بينهما": ظاهره يدلُّ لأبي حنيفةَ القائلِ: إنه (5) لا تقعُ الفرقةُ بين المتلاعنين حتى يقضيَ القاضي بالفراق (6)، وهذه (7) إشارةٌ للحكم عنده، وعندَنا: لا يفتقرُ إلى حاكم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في طريق أخرى: "أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"،

(1) في "خ": "بقولها".

(2)

في "ت": "أو".

(3)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 85).

(4)

في "خ": "أنه يعاد".

(5)

في "ت": "أنها".

(6)

في "ت": "بالافتراق".

(7)

في "ت": "وهذا".

ص: 46

ولقوله: ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال-عليه الصلاة والسلام:"ذَلِكُمُ (1) الفِرَاقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ"(2)، ولم يعتبر قضيةَ القاضي.

السابع: قوله عليه الصلاة والسلام: "اللَّهُ يعلمُ أَنَّ أَحدَكما كَاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ":

فيه: تغليبُ المذكَّرِ على المؤنث.

وفيه: أخذُ الأحكام على الظاهر، وعرضُ التوبة على المذنبين، وقد أُخذ (3) منه أن الزوجَ لو رجعَ، فأكذبَ نفسَه، كان توبةٌ، ويجوز أن يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلم أرشدَ إلى التوبة فيما بينهما وبين اللَّه تعالى.

تنبيه: قال ع، وتبعه ح: وفيه: ردٌّ على مَنْ ذهبَ من النحاةِ إلى أن (أحدًا) لا تستعمل (4) إلا في النفي، (5) في قوله عليه الصلاة والسلام:"أَنَّ أحدَكما كاذبٌ"، قال: فكذلك قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور: 6](6).

قلت: هذا من أغرب وأعجب ما يُسمع عن ع رحمه اللَّه تعالى، مع براعته

(1)"ذلكم": بياض في "ت".

(2)

تقدم تخريجه عند مسلم برقم (1492)، (2/ 1130).

(3)

في "ت": "يؤخذ".

(4)

في "خ": "يستعمل".

(5)

في "ت" زيادة: "يعني".

(6)

انظر: "إكمال المعلم" للقاضي عياض (5/ 86)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 126).

ص: 47

وحذقه، فإن الذي قاله النحاة رحمهم اللَّه تعالى: أن (1)(أَحَدٌ) التي للعموم، لا تُستعمل (2) إلا في النفي، بهذا القيدِ الذي لابدَّ منه إجماعًا منهم، نحو قولنا: ما في الدار مِنْ أحدٍ، وما جاءني مِنْ أحدٍ، ونحوِ ذلك، أما إذا كانت (أحدٌ) بمعنى: واحد، فلا خلافَ بينهم -أيضًا- في جواز استعمالها في الإيجاب نحو (3) قوله تعالى:{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، و (4) {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور: 6]، وغير ذلك مما كان بمعنى واحد، وكما هي في الحديث، ألا ترى أن المعنى: اللَّه يعلمُ أن واحدًا منكما كاذبٌ؟

وع (5): أطلقَ، ولم يُقَيِّدْ -كما تقدَّم-، وكأنه لم يتبينْ مرادَ النحويين في ذلك، وقد جمع الشاعر بين (أحد) التي للعموم، والأخرى، فقال (6):

لَقَدْ ظَهَرْتَ فَلَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ

إِلَّا عَلَى أَحَدٍ لا يَعْرِفُ القَمَرَا

فاستعملَ الأولى لعمومها في النفي، والثانيةَ التي هي بمعنى واحدٍ في الإيجاب، فليتنبه لذلك، وقد سبق تقريرُنا لهذا المعنى في

(1)"أن" ليست في "خ".

(2)

في "خ": "يستعمل".

(3)

في "خ": "بعد".

(4)

الواو ليست في "ت".

(5)

في "ت": "ق ع".

(6)

في "ت" زيادة: "لذا".

ص: 48

أول الكتاب عندَ قوله عليه السلام: "لا يَقْبَلُ (1) اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ"، الحديث (2)، وباللَّه التوفيقُ والعصمة.

الثامن: قوله عليه الصلاة والسلام: "إن كنت صادقًا" إلى آخر الحديث، دليلٌ على استقرارِ المَهْرِ بالدخول، وثبوتِ الصداقِ للملاعَنَة، واللَّه أعلم.

* * *

(1) في "ت": "لا يتقبل".

(2)

تقدم تخريجه.

ص: 49