الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فبتنا بين ذاك وبين مسك
…
فيا عجبا لعيش لو يدوم
وفينا مسمعات عند شرب
…
وغزلان يعد لها الحميم
قوله: بين ذاك، قال ابو الفضل الطبرسي في شرحه للحماسة، إشارة إلى ما وصفه من الحصب وطيب العيش والترفه والتعطروالتمتع فيا عجبا! إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، وكيف سمح الزمان به، والمسمعات: المغنيات، والسماع الغناء، والحميم: الماء المغلي يسمط به الغزلان، يريد: أنا صدنا فأغلينا الماء للصيد، ويريد بالحفر: القبور، أي: آخر أمر ذي المال، والعديم وهو من لا شيء له، الموت، والصفاح: الحجارة العراض. انتهى كلامه. ونطوف، بالتشديد للتكثير في الفعل، وما مصدرية زمانية، أي نطوف مدة تطوافنا، وقوله: إلى حفر متعلق بنأوي، وفيه العيب المسمى بالتضمين، وهو أن يتوقف معنى البيت الأول عن الثاني، والحفر: جمع حفرة، وأراد بها حفرة القبر، وجوف: جمع أجوف، بمعنى ذي جوف، والصفاح بصم الصاد وتشديد الفاء: الحجر العريض، وصف الحفر بأنها جوف الأافل لحدودها، وأن أعليها نصبت عليها الحجارة العراض كالسقوف بها، وهي دائمة على هذه الصفة.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثالث عشر بعد الثمانمائة:
(813)
ما للجمال مشيها وئيدا
…
أجندلا يحملن أم حديدا
على أن الكوفيين استدلوا به على جواز تقدم الفاعل، قالوا: إن مشيها روي مرفوعا، ولا جائز أن يكون مبتدئا إذ لا خبر له غي اللفظ إلا وثيدا، وهو منصوب
على الحال، فتعين أن يكون فاعلا بوثيدا مقدما عليه، واجاب البصريون بما ذكره المصنف، وروي مشيها بالحفض، واقتصر عليها الجواليقي في شرح "أدب الكتاب" في باب معرفة جواهر الأرض، قال: ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال، والتقدير: ما المشي الجمال وثيدا، والوثيد من المشي: الرويد، ونصبه على الحال، و"ما" استفهام على سبيل الانكار، والجندل: الحجارة، وبعده:
أم صرفانا باردا شديدا
…
أم الرجال قبضا قعودا
والصرفان، قيل: الرصاص، وقيل جنس من التمر، والقبض: جمع قابض وهو المجتمع، ومن روي "جثما" فهو جمع جاثم.
والابيات للزباء قالتها لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة، وكان قد احتال عليها، وجعل الرجال في توابيت، وجعل التوابيت في جوالقات، فرأتها تسير مثقلة، فأنكرت ثقلها، وقالت هذه الابيات، والقصة مشهورة. أنتهى كلامه.
وقال ابن السيد في شرح "أدب الكاتب" هذا الرجز للزباء قالته حين جاءها قصير اللخمي بالجمال، وعليها صاجيق فيها رجال عمرو بن عمدي، وتقدم إليها وقال: قد جئتك [بما صأى وصمت] فاشرفت، فنظرت إلى الجمالتمشي مشيا ضعيفا لثقل ما على ظهورهها، فقالت هذا الرجز، وخبرها مشهور، وكان أبو حاتم يقول: هي الزبي بالقصر، ويجعلها تأنيث زبان مثل كران وسكرى، وقال غيره: إنما هي الزباء بالمد تأنيث الأزب، وفي الصرفان ثلاثة أقول، قيل: هو الرصاص وقيل: هو الموت، لأنه انصراف عن الحياة، وقيل: هو نوه من التمر ذكر ذلك أبو حنيفة. وروي الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض، قالوا:
فمن رفع أراد: ما للجمال وثيدا مشيها، فقدم الفاعل ضرورة، ومن نصب، فعلى المصدر بفعل مضمر، أراد تمشي مشيها، ومن خفض فعلى البدل من الجمال، والبصريون لا يجيزون تقديم الفاعل قبل الفعل، قال أبو علي: من روى مشيها بالرفع أبدله من الضمير الذي في قوله: للجمال المرفوع، قال: وإن شئت جعلته مبتدأ، ووئيدا منتصب به وفي وصلته، والخبر مضمر، والجملة في موضع نصب، قال: ويجوز أن يكون وثيدا حالا سد مسد الخبر، وهذه حال غريبة في الأحوال السادة مسد الأخبار، لأن النحويين يقدرون الحال السادة مسد الخبر بإذا وإذا، ويضمرون معمهما كان التامة لتكون عاملة في الحال، فإذا قلت: ضربي زيدا قائما، فتقديره عندهم: إذا كان قائما، أو إذ كان قائما، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدرا أو في تأويل المصدر، كما أن الزمان لا يكون خبرا إلا عن المصدر، أو ما يسد مسده، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء، ألا ترى أنك إذا قلت: ما للجمال مشيها إذا كان وئيدا أو إذ كانت وثيدا كان ذلك خطأ؟ لأن الزباء إنما قالت هذا القول في حال تشاهدها، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل، فلا يصح دخول كان ها هنا، ولا دخول إذ وإذا، ومع ذلك فإن وثيدا على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إلا بعد من التأويل فلأجل هذا الذي قلناه صار كثير من النحويين ينكرون قول ابي علي هذا، ويرده لمخالفة المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار. وتلخيص قول أبي علي أن يكون التقدير: مشيها حين أراها المضمر فعل حال، وبحذف ذات، ويقيم الوثيد مقامها، وهذا آخر كلام ابن السيد. والقول الأول، وهو القول بالبدلية، رده المصنف وغيره. ونقل ابن السيد عن ابي حنيفة الدينوري أن الصرفان جنس
من التمر، وهذه عبارته في "كتاب النبات": قال بعض الرواة: الصرفان من أرزن التمر، قال: وكذلك قال الشاعر:
ما للجمال مشيها .. إلى آخره.
والبارد: الذي ذهبت رطوبته وماؤه وحصل جامده، واخبرني بعض العرب قال: الصرفانة: تمر حمراء نحو البرنية إلا أنها صلبة المضغة علكة، وهي ارزن التمر كله، يعده ذوو العيالات وذوو العبيد والأجراء لجزاءته وعظم موقعه، والناس يدخرونه، ومن أمثالهم:"صرفانة ربعية تصرم بالصيف، وتؤكل بالشتية"، وأخبرني النوشانجي قال: الصرفان هي الصيحانية بالحجاز نختها كنخلتها. انتهى كلامه.
وقد ساق الجاحظ قصة ازباء: اسمها هند، ومكت اشام بعد عمها الضيون، وكانت جذيمة الابرش قتل عمها، فبعث إيها جزيمة يخطبها، فكتبت إليه تأمره بالقدوم إيها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، وقالوا: أيها الملك إن تزوجت بها جمعت ملك الشام إلى ملكك بالحيرة، فاستخلف عند ذلك ابن اخته عمرو بن عدي، وسار في الف فارس من خاصته، فما انتهى إلى مكان يسمى بقة وهو حد مملكتها ومملكته، نز في ذلك المكان، واستشار أصحابه ايضا في المصير إيها أو الانصراف، فزينوا له الإلمام بها، وقالوا: إنك إن انصرفت من هاهنا حملوه على جبن ووهن، فدنا منه قصير، وهو مولى له، فقال له: أيها الملك لا تقبل مشورة هؤلاء وانصرف إلى ملكك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر، فلم يحفل بقوله، ومضى حتى أقتحم مملكتها، فقال له قصير: ببقة صرم الأمر، ثم أرسلها مثلا، فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك، فقال له قصير: أيها الملك إن جنودها لم يرتجلوا لك كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب العصا، فانج بنفسك، والعصا كانت فرسا لجذيمة لا يشق غبارها، فلم يعبأ جذيمة بقوله، وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن
ينزلوا، فأنزلوا، واخذ منهم اسلحتهم ودوابهم، واذنت لجذيمة فدخل عليها وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومت إليهن بأن يأخذنه، قال: فاجتمعن عليه، ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى اثخنه وكتفنه، ثم دعت بنطع، فاجلسته فيه، وكشفت عن عورتها، فنظر جذيمة فإذا لها شعرة وافية، فقالت: كيف ترى عروسك أشوار عرس أم ترى؟ فقا: أرى بظرا ناتئا، ونتنا فاشيا، ولا أعلم ما وراء ذلك، قالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، أو لقلة الأواسي، ولكنها شيمة من أناسي، ثم أمرت به فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: لا يحزنك ما ترى، فإنه دم هراقه أهله، فأرسلتها مثلا، واحتال قصير للعصا حتى وصل إليها فركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح، وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفا على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: لله حزم على رأس العصا، فلم تزل دماؤه تشخي حتى مات، ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا أجمع، وكان عمرو ابن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فيأتي طريق الشام يتجسس على خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره، فبينما هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فارس يقبل على الطريق، فلما دنا منه عرف الفرس، وقال يا خير ما جاءت به العصا، فذهبت مثلا، فلما دنا منه قصير، قال له ما وراءك؟ قال: قتل خالك وجنوده جميعا، فأطلب بثأرك، قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا، وإن قصيرا أمر بأ، ف نفسه، فجدع، ثم ركب وصار نحو الزباء، فاستأذن عليها، فقيل ها: إن موى لجذيمة وقهرمانه وأكرم الناس عيه قد اتاك مجدوعا، فاذنت له، فدخل عيها، قالت: من صنع بك ذا؟ فقال: أيها الملكة، هذا فعل عمرو ابن عدي اتهمني، وتجنى، وزعم أني أشرت على خاله بالمصير اليك حتى فع بي ما ترين. ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هاربا إليك لأكون في خدمتك، ولي جدى
وعندي غناء، قالت: نعم، أقم فعندي لك ما تحب، وولته نفقتها، فخفف لها، ورأت منه الرشاد والرشاقة فيما اسندته إليه، فأقام عندها حولا، ثم قال لها: ايتها الملكة إن لي بالعراق مالا كثيرا، فإذا اذنت لي بالخروج لحمله فافعلي، فدفعت إليه مالا كثيرا وامرته أن يشتري لها ثيابا من الخز والوشي ولآليء ومسكا وعنبرا وياقوتا ولحوخا، فانطلق حتى اتى عمرا، فأمره فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها فاسترخصت ما جاء به وردته الثانية والثالثة، فكان يأخذ كل مرة أضعاف مالها يشتري لها جميع ما تريد، فتسترخصه، ووقع قصير بقلبها، ثم بعثت به في الرابعة بمال عظيم وامرته أن يشتري اثاثا ومتاعا وفرشا وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال قد قضيت ما عي، وبقي ما عليك، قال: ومال الذي تريد؟ قال أخرج معي في ألفي فارس من خدمك، وكونوا في جوف الجوالق على كل بعير رجلان، فانتخب عمرو من اصحابه ألفي فارس فخرج بهم، وخرجوا معه في الجواليق كل رجل بسيفه، وكان يسير إيها انهار، فإذا امسى الليل فتح الجواليق يخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل تقدم حتى دخل عليها، وقال ايتها الملكة أصعدي من اقصر لتنظري ما اتيتك به، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الأجمال، فقالت:
ما للجمال مشيها وثيدا
…
أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
فأجابها قصير سرا، فقال:
بل الرجال جثما قعودا
فقال: لما عليها من المتاع الثقيل النفيس، وأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها وكان وقت المساء، فقالت إذا كان غدا نظرنا إلى ما اتيتنا به، فلما جن عليهم الليل فتحوا الجواليق، وخرجوا فقتلوا جميع من في القصر، وكان لها سرب قد أعدته للفزع والهرب إن حل بها روع يخرج إلى الصحراء، وقد كان قصير عرف ذلك
المكان ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب فاستقبلته الزباء، فولت اربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف [فمصت فصها وكان مسموما]، فقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيد العبد، فقال عمرو يدي ويده سواء، وفي كليهما شفاء، وضربها بسسيفه حتى قتلها، فاقبل قصير حتى وقف عليها فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول
ولو رأوني بسيفي يوم أدخله
…
بفرج زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو واصحابه من مدينتها أموالا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان عمرو الملك بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي هذا آخر كلام الجاحظ.
وانشد بعده
صددت فأطولت الصدود وقلما
…
وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثامن بعد الخمسمائة
وانشد بعده
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة
…
بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وتقدم ما يتعلق به في الانشاد الثامن والخمسين بعد الستمائة.