الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسمع عذري، جاءني رسول ابن أبي دواد، فمضيت إليه، فلما رآني بش بي وقربني، ورفعني، وأحفى في المسألة عن أخباري، ثم قال لي: يا أبا يوسف ما لي أرى الكسوة ناقصة؟ يا غلام، دست ثياب كامل من كسوتي، قال: فأحضر، ثم قال: كيس فيه مائتا دينار فأحضر، ثم قال: أراكب أنت؟ قلت: لا بل راجل، قال: حماري الفلاني بسرجه ولجامه فأحضر، قال: يسلم الجميع إلى غلام أبي يوسف، فشكرت له ذلك، ثم قال لي: يا أبا يوسف، أنشدت هذا البيت: أظليم إن مصابكم رجل .. فقال الوزير: إنما هو رجلا، بالنصب، وقد تراضينا بك، فقلت: القول ما قلت، فخرجت من عنده، فإذا رسول محمد ابن عبد الملك، فقال: أجب الوزير، فلما دخلت عليه، بدرلي وأنا واقف، فقال: يا يعقوب أليس الرواية: أظليم إن مصابكم رجلا؟ فقلت: لا بل رجل، فقال: اغرب. قال يعقوب: فكيف كنت تراني أن أقول! ؟ هذا آخر كلامه.
وأنشد بعده:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد السبعمائة:
(781)
وهن وقوف ينتظرن قضاءه
…
بضاحي عذاة أمره وهو ضامز
على أن الباء متعلقة بـ (قضاءه)، ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجري إلى آخره.
أقول: أورده ابن الشجري في المجلس التاسع والعشرين من (أماليه) أنشد البيت، وقال: أي: ينتظران قضاءه: أمره، وهو وروده بهن، والضاحي من الأرض:
الظاهر البارز، والعذاءة: الأرض الطيبة التربة، الكريمة النبت، والضامز: الرجل الساكت، شبهه –في إمساكه عن النهاق- به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرة. وفي البيت فصل بالضرف الأجنبي بين المصدر ومنصوبه، لأ، قوله:(بضاحي عذاة) متعلق بوقوف، أو ينتظران، فهو أجنبي من المصدر الذي هو قضاء، فوجب لذلك حمل المفعول على فعل آخر كأنه لما قال:(ينتظران قضاءه بضاحي عذاة) أضمر (يقضي)، فنصب به أمره. انتهى كلامه.
وقال ابن السيد في (شرح أبيات الجمل) لا يجوز لك أن تحول بين الصلة والموصول، لأن ما بعد القضاء صلة المصدر، فيجب أن يكون ظرفا للقضاء لا لوقوف، ولا لينتظرن انتهى. فالمصنف مسبوق به، وخالف ابن هشام اللخمي في (شرح أبيات الجمل) فقال: والباء من قوله: (بضاحي) متعلقة بـ (ينتظرن) وهو غير جيد منه. قال ابن السيد: وجملة (ينتظرن قضاءه) حال من الضمير في (وقوف)، أو صفة له، وجملة (وهو ضامز) حال أيضا، ووقوف: جمع واقف، وكان يجب أن يقول: واقفات أو وقف، وكأنه حمله على النسب، كناقة ضامز، أو حمل التذكير على معنى الشخص، أو لأن الجمع يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يريد: وهن ذات وقوف، فحذف المضاف، فيكون الوقوف مصدرا. وقال اللخمي: جملة (وهن وقوف) حال من الهاء من عيونها الواقعة في البيت الذي قبله، وجملة (ينتظرن) حال من ضمير وقوف أو صفة له أو خبر بعد خبر. انتهى.
والبيت من قصيدة للشماخ. وقوله: (وهن وقوف) الذي في ديوانه:
لهن صليل ينتظرن قضاءه
قال جامع ديوانه: هذا مثل يقال: جاء بسقائه يصل، أي: قد يبس، فقيل لكل عطشان: يصل. والعذاة، بإهمال العين وإعجام الذال: البعيد من الماء والريف، والضامر: الساكت، ينتظرون قضاءه: أمره ليسرد بهن، أي: ليقضي أمره فيهن. انتهى. والضمير المؤنث للأتن الوحشية، جمع أتان، وهي أنثى الحمار، والضمير المذكور راجع للجأب، وهو الحمار الوحشي، وقضاءه: مصدر مضاف إلى فاعله، وأمره: مفعوله؛ وهو من قضيت حاجتي، أي بلغتها ونلتها. وقد أورد أبن جني هذا البيت في "اعراب الحماسة" وتعرض لمعنى الباء، ولم يتعرض لمتعلقها، قال بعد انشاد البيت، أي: في ضاحي عذاة، وتوهم بعضهم أن الباء لا تقع بمعنى في إلا مع المعرفة كقولنا: كنا بالبصرة وأقمنا بالمدينة، والبيت شاهد عليه، ألا ترى أن ضاحي عذاة نكرة لا معرفة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة للشماخ وهذا بعد أربعة ابيات من أولها:
كأن قتودي فوق جأب مطرد
…
من الحقب لاحته الجداد الغوارز
طوى ظمأها في جمرة القيظ بعدما
…
جرت في عنان الشعريين الأماعز
وظلت بأعراف كأن عيونها
…
إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز
وهن وقوف ينتظرن قضاءه
…
.. البيت.
فلما رأين الورد منه عزيمة
…
مضين ولاقاهن خل مجاوز
قوله: "كأن قتودي فوق إلى آخره": يريد تشبيه راحلته بحمار وحش يطلب ماء من شدة القيظ مع أتنه، والقتود، بالضم جمع قتد، بفتحتين: وهو خشب الرحل، والجأب، بالجيم والهمزة: الحمار الغليظ من حمر الوحش، والمطر: الذي طردته الرماة، أعني: مطاردة الصائد إياه، والحقب جمع أحقب: وهو الحمار الأبيض الحقوين، ولاحته: غيرته، والجداد، بكسر الجيم: جمع جدود، بفتحها: وهي التي قد يبس لونها، والغوارز: التي قلت ألبانها جمع غارز، وقوله: ظمأها: قال جامع ديوانه، أي: زاد فيه؛ أدخل ظمأين في ظمء، حيث اشتد الحر، أي: جعل الظمأين ظمأ واحدا خوفا من النهوض إلى الماء، فهو أشد