الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدهما على الآخر من قوله: "فرفع أبو من، ثم خفض مزمل"، ولا خبراً عن أحدهما، أما الأول، فلعدم المطابقة، إذ لم يقل يبينان، وأما الثاني، فلاشتمال الجملة على قيد لا يصح تعلقه بكل منها، وذلك لأن رفع "أبو من" لا يبين قوله "مغرياً ومحذراً". وإنما يبين وقله: مغرياً فقط، وخفض "مزمل" أيضاً لا يبين في الحالتين وإنما يبين في حالة التحذير، فكيف السبيل إلى تصحيح الكلام؟ قلت: السبيل إليه أن يجعل قوله "مغرياً" قيداً للمحذوف لا للمذكور، ويجعل "يبين قولي" بلا قيد، خبراً عن أحدهما، وخبر الآخر محذوفاً، والتقدير، على أن يكون الحذف من الثاني مثلاً: فرفع "أبومن""يبين قولي"، وخفض "مزمل" كذلك، هما يبينان قولي:"مغرياً ومحذراً". واعلم ان الفاء وثم إذا وقع بعدهما ضمير، فإن كان ذلك الضمير فيما هو من مقام الخبر عن المعطوف بهما مع المعطوف، ففي مطابقته لهما خلاف. قال بعضهم: يجب حذف الخبر من أحدهما نحو: زيد فعمرو قائم، وزيد ثم عمرو قاشم، ولا يجوز المطابقة، فلا يقال في شيء من الصورتين: قاما مثلا، لأن تفاوتهما فيالترتيب يمنع اشتراكهما في الإضمار، وأجاز الباقون مطابقة الضمير هذا هو الحق نحو: زيد ثم عمرو قاما، إذ الاشتراك في الضمير لا يدل على انتقاء الترتيب حتى يناقض الفاء وثم، وهذه الأبيات لأمين الدين المحلي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد السبعمائة:
(756)
كأن أباناً في عرانين وبله
…
كبير أناس في بجاد مزمل
على أن "مزملاً" حقه الرفع، لأنه صفة "كبير"، لكنه خفض بمجاورة المخفوض، وقد صرح المصنف في بعض تعليقاته أنه خفض لمجاورة "بجاد"،
وكذا قال أبو حيان في "تذكرته" وقال المحقق الرضي: لمجاورته "أناساً" تقديراً لا ل"بجاد"، لتأخره عن "مزمل" في الرتبة، فإن قوله "في بجاد" متعلق ب"مزمل" ولم يجعل أبو علي خفضه على المجاورة، بل جعله صفة ل"بجاد" قال: أراد: في بجاد مزمل فيه، ثم حذف حرف الجر، فارتفع الضمير واستر في اسم المفعول.
والبيت من معلقة امرئ القيس، والرواية:
كأن ثبيراً في عرانين وبله
وثبير: جبل بمكة، والعرانين، الأوائل، والأصل في هذا قولهم للأنف: عرنين استعير لأوائل المطر، لأن الأنوف تتقدم الوجوه، والوبل: مصدر وبلت اسماء تبل وبلاً: إذا أتت بالوابل، وهو ما عظم من القطر. وضمير "وبله" راجع للسحاب في بيت قبله، والبجاد بكسر الموحدة بعدها جيم: وهو كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغم، والمزمل: الملتف.
قال الزوزني: يقول: كأن ثبيراً في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس ملتف بكساء مخطط شبه تغطيه بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء. انتهى.
قال الخطيب التبريذي نقلاً عن أبي نصر إن امرأ القيس شبه الجبل وقد غطاه المال والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه بشيخ في كساء مخطط، وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السوداء، والماء حوله أبيض. انتهى. وقال الدينوري: شبه ثبيراً برجل مزمل بالثياب، لأن المطر لما سمح سره. وروى المبرد في "الكامل" تبعاً للأصمعي: كأن أبانا في أفانين ودقه
…
إلى آخره ..
قال: أبان جبل، وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض، وقوله: في أفانين ودقه. يريد ضروباً، والودق: المطر، فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل، وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت، وكلاهما حسن، وذكر