الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنشد بعده:
"ليسوا مصلحين"
هو قطعة من بيت وأصله:
مشائم ليسوا مصلحين عشيرة
…
ولا ناعب إلا ببين غرابها
وتقدم قريبا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد السبعمائة:
(791)
ولا ذاكر الله إلا قليلا
على أن التنوين قد حذف من ذاكر المنصوب لالتقاء الساكنين، فإن التنوين نون ساكنة ولام الجلالة ساكنة، وكان يمكن دفع التقاء الساكنين بتحريك نون التنوين بالكسر، لكل حذف التنوين لضرورة الشعر.
والمصراع من شعر لأبي الأسود الدؤلي، وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن أبي عوانه قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت له يا أبا الأسود هل لك أن اتزوجك؟ فإني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور. قال: نعم، فجمعت أهلها، وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجه إياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أربت أمرا كنت لم أبله
…
أتأنى فقال اتخذني خليلا
فخاللته ثم أكرمته
…
فلم استفد من لديه فتيلا
وألفيته حين جربته
…
كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكرته ثم عاتبته
…
عتابا رفيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب
…
ولا ذاكر الله إلا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه
…
وإتباع ذلك صرما طويلا
فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود، فقال: تلك صاحبتكم وقد طلقتها، وأنا أحب أن أسر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم، انتهى.
وقوله: أريت أمرا إلى آخره، سلك أبو الاسود بهذا الكلام طريقة التعمية على مخاطبة ليتم ما يريد، ولو نسب هذه العيوب إليها مصرحا بها، لربما دافعوا عنها: وأريت بمعنى أخبرني، وأصل الهمزة فيه للاستفهام، وريت أصله رأيت حذفت الهمزة، وهي عين الفعل تخفيفا، قال صاحب "الصحاح": وربما جاء ماضيه بلا همزة، قال الشاعر:
صاح هل ربت أو سمعت براع
…
رد في الضرع ما قرى في الحلاب
قال الكرماني في "شرح البخاري": أربت بمعنى أخبرني، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. انتهى.
والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر، ولهذا تعدت لمفعل واحد، وزعم المصنف
في بحث التاء أن أرأيتك منقولة من الرؤية العلمية، فتقتضي مفعولين، فيقدر الثاني إذا لم يوجد وهو تكلف. ولك أبله من بلاه ببلوه بلوا: إذا جربه واختبره، وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشيء الحقير، وأصله ما يوجد في شق النواة، والرفيق: من الرفق ضد العنف، وقوله: فالفيته غير مستعتب، ألفي: بمعنى وجد، يتعدى لمفعولين، وعند بعضهم المفعول الثاني حال، ومستعتب: اسم فاعل الراجع بالعتاب، واستعتب واعتب بمعنى، وعناهما: أزال الشكوى، فالهمزة في اعتب للسلب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبي اسم للأعتاب، والمعنى ذكرته ما كان بيننا من العهود، وعاتبته على تركها، فوجدته غير طالب رضاي.
وقوله: ولا ذاكر الله، روى بنصب ذاكر ووجره، فالنصب للعطف على غير، والجر للعطف على مستعتب، ولا لتأكيد النفي المستفاد من غير، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن الشجري، فقال: عطف نكرة على نكرة مجرورة بإضافة غير إليها وانتصاب غير على الحال. انتهى. والتوديع هنا الفراق، والصرم بالضم: الهجر، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد التسعمائة من شواهد الرضي، وترجمة أبي الاسود تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.