الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وتزاحف الْفَرِيقَانِ بوادي تلاغ وعبأ كل مِنْهُمَا كتائبه ورتب مصافه وبرز النِّسَاء فِي القباب سافرات على سَبِيل التحريش والتحريض والتحم الْقِتَال وَطَالَ القراع والنزال وَلما فَاء الْفَيْء وَمَال النَّهَار وَكَثُرت حشود بني مرين جموع بني عبد الواد وَمن إِلَيْهِم انكشفوا ومنحوا الْعَدو أكتافهم وَهلك فِي الحومة أَبُو حَفْص عمر بن يغمراسن بن زيان وَكَانَ كَبِير أَوْلَاده وَولي عَهده وَهلك مَعَه جمَاعَة من عشيرته وَلما انهزم بَنو عبد الواد بَقِي يغمراسن فِي ساقتهم حاميا لَهُم من بني مرين أَن تركبهم من خَلفهم فَكَانَ ردْءًا لَهُم إِلَى أَن وصلوا إِلَى بِلَادهمْ وَكَانَت وقْعَة تلاغ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عشر من جُمَادَى الْأَخِيرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَرجع السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى مَكَانَهُ من حِصَار مراكش وَالله غَالب على أمره
فتح حَضْرَة مراكش ومقتل أبي دبوس وانقراض دولة الْمُوَحِّدين بهَا
لما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من حَرْب يغمراسن صرف عزمه إِلَى غَزْو مراكش وَالْعود إِلَى حصارها كَمَا كَانَ أول مرّة فَنَهَضَ إِلَيْهَا من فاس فِي شعْبَان سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَلما عبروا وَادي أم الرّبيع بَث السَّرَايَا وَشن الغارات وَأطلق الأعنة وَالْأَيْدِي للنهب والعيث فحطموا زروعها وانتسفوا آثارها وتقرى نَوَاحِيهَا كَذَلِك بَقِيَّة عَامه ثمَّ غزا عرب الْخَلْط من جشم بتادلا فأثخن فيهم واستباحهم ثمَّ نزل وَادي العبيد فَأَقَامَ هُنَالك أَيَّامًا ثمَّ غزا بِلَاد صنهاجة فاستباحها وَلم يزل ينْقل ركابه فِي أحواز مراكش ويجوس خلالها إِلَى آخر ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فَاجْتمع أَشْيَاخ الْقَبَائِل من الْعَرَب والمصامدة عِنْد أبي دبوس وَقَالُوا لَهُ يَا مَوْلَانَا كم تقعد عَن حَرْب بني مرين وَقد ترى مَا نزل بِنَا فِي حريمنا وَأَمْوَالنَا مِنْهُم فَاخْرُج بِنَا إِلَيْهِم لَعَلَّ الله يَجعله سَبَب الْفَتْح فَإِنَّهُم قَلِيلُونَ وجمهورهم وذوو الشَّوْكَة مِنْهُم قد بقوا
وعادت إِلَى فاس ثمَّ ذهبت إِلَى زِيَارَة الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رضي الله عنه فصحبها فِي ركابهَا أَعْيَان فاس وأشرافها وعلماؤها وَلما كَانَت بأثناء الطَّرِيق اعترضها قواد الغرب بهداياهم وبشاراتهم وزيهم ووافاها قواد الثغور بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام فِي مواكبهم وخيلهم ورجلهم وَذَلِكَ عَن أَمر من السُّلْطَان رحمه الله
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَكنت يَوْمئِذٍ واليا على العرائش فَحَضَرت فِي جُمْلَتهمْ وَلما قَضَت أرب الزِّيَارَة فرقت الْأَمْوَال على الْأَشْرَاف من أهل جبل الْعلم وغمرت النَّاس بالعطايا ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْقصر وَمِنْه سَارَتْ إِلَى العرائش فأقامت بهَا ثَلَاثَة أَيَّام وانفض قواد الثغور كل إِلَى مَحَله وسافرت المولاة الْمَذْكُورَة إِلَى مراكش فِي ألف فَارس من العبيد كَانُوا قد قدمُوا مَعهَا من مراكش عَلَيْهِم الْقَائِد مِصْبَاح وَكَانَ فعلهَا هَذَا من الْآثَار الْعَظِيمَة والمناقب الفخيمة رَحمهَا الله
اعتناء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بثغر العرائش وشحنه بِآلَة الْجِهَاد
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله قدم العرائش عقب وقْعَة الفرنسيس فَوقف عَلَيْهَا واعتنى بأمرها وَبنى بهَا الصقائل والأبراج وصونها ثمَّ كَانَ قدوم ابْنه الْمولى يزِيد فِي هَذَا التَّارِيخ إِلَى فاس وَفِي ركابه جمَاعَة من رُؤَسَاء الْبَحْر والطبجية أهل الإجادة فِي الرَّمْي وَكَانَ قدومه بِأَمْر السُّلْطَان لجر المدافع والمهاريس النحاسية الَّتِي كَانَت بفاس الْجَدِيد ومكناسة ونقلها إِلَى ثغر العرائش فَفَعَلُوا وألزم السُّلْطَان الْقَبَائِل الَّذين بِالطَّرِيقِ أَن يتولوا جرها فَكَانَت كل قَبيلَة تجرها إِلَى الَّتِي تَلِيهَا إِلَى أَن وصلوا إِلَى مشرع مسيعيدة من نهر سبو
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان فورد علينا أَمر السُّلْطَان بالعرائش أَن نخرج إِلَى لقائهم فِي الْجند وقبائل الْحَوْز يَعْنِي حوز العرائش قَالَ فوافيناهم على
البحرية وَصَارَ الْغَزْو فِي الْبَحْر يثير الْخُصُومَة والدفاع والتجادل والنزاع ويهيج الضغن بَين الدولة الْعلية ودول الْأَجْنَاس الموالية لَهَا حَتَّى كَاد عقد المهادنة ينفصم وأكد ذَلِك اتِّفَاق اسْتِيلَاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وَهُوَ مَا هُوَ فَوَجَمَ السُّلْطَان رحمه الله وأعمل فكره ورويته فَظهر لَهُ التَّوَقُّف عَن أَمر الْبَحْر رعيا للْمصْلحَة الوقتية ولقلة الْمَنْفَعَة العائدة من غَزْو المراكب الإسلامية وانضم إِلَى ذَلِك إعلان الدول الْكِبَار من الفرنج مثل النجليز والفرنسيس بِأَن لَا تكون المراكب إِلَّا لمن يقوم بضبط قوانين الْبَحْر الَّتِي يَسْتَقِيم بهَا أمره وتحمد مَعهَا الْعَاقِبَة وتدوم بحفظها الْمَوَدَّة على مُقْتَضى الشُّرُوط وَمن مهمات ذَلِك تَرْتِيب القناصل بالمراسي الَّتِي تُرِيدُ الدولة دُخُول مراكبها إِلَيْهَا وتجارتها فِيهَا أَي دولة كَانَت وَمن هَذِه الْمُهِمَّات مَا قد لَا يساعد عَلَيْهِ الشَّرْع أَو الطَّبْع مثل الكرنتينات وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا إِلَى غير ذَلِك مِمَّا فِيهِ هوس كَبِير فَاشْتَدَّ عزم السُّلْطَان رحمه الله على ترك مَا يُفْضِي إِلَى ذَلِك وتأكد لَدَيْهِ إهماله لتوفر هَذِه الْأَسْبَاب ولعمري أَن تَركه لمصْلحَة كَبِيرَة لمن أمعن النّظر فِيهَا وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَأما فتْنَة النابريال هَذِه فَإِنَّهَا تفاصلت بِوَاسِطَة النجليز حَيْثُ وَجه باشدوره مَعَ باشدور النابريال فَقدما على السُّلْطَان رحمه الله مكناسة فِي شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
اسْتِيلَاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وَمَا ترَتّب على ذَلِك من دُخُول أهل تلمسان فِي بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله
كَانَ اسْتِيلَاء طاغية الفرنسيس على ثغر الجزائر فِي آخر الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن أتراك الجزائر كَانُوا يَوْمئِذٍ مَعَ الفرنسيس على طرفِي نقيض قد تعدّدت بَينهم الوقعات برا وبحرا وَكَثُرت بَينهم الذحول والترات وَكَانَ التّرْك يؤذونهم أَشد الإذاية وأمير