الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموحدون ابْنه يُوسُف الْمُنْتَصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ صبي حدث لَا يحسن التَّدْبِير وشغلته مَعَ ذَلِك أَحْوَال الصِّبَا ولذات الْملك عَن الْقيام بِأَمْر الرّعية فتضافرت هَذِه الْأَسْبَاب على الدولة الموحدية فأضعفتها لحينها وأمرضتها الْمَرَض الَّذِي كَانَ سَببا لحينها وَكَانَ بَنو مرين يَوْمئِذٍ موطنين بِبِلَاد الْقبْلَة من زاب إفريقية إِلَى سجلماسة يتنقلون فِي تِلْكَ القفار والصحارى لَا يدْخلُونَ تَحت حكم سُلْطَان وَلَا تنالهم الدولة بهضيمة وَلَا يؤدون إِلَيْهَا ضريبة كَثِيرَة وَلَا قَليلَة وَلَا يعْرفُونَ تِجَارَة وَلَا حرثا إِنَّمَا شغلهمْ الصَّيْد وطراد الْخَيل والغارات على أَطْرَاف الْبِلَاد
وَكَانَت طَائِفَة مِنْهُم ينتجعون تخوم الْمغرب وتلوله زمَان الرّبيع والصيف فيكتالون من أَطْرَاف الْبِلَاد مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْميرَة ويرعون فِيهَا تِلْكَ الْمدَّة أنعامهم وشاءهم حَتَّى إِذا أقبل فصل الشتَاء اجْتمع نجعهم بأكرسيف ثمَّ شدوا الرحلة إِلَى بِلَادهمْ فَكَانَ ذَلِك دأبهم على مر السنين
فَلَمَّا كَانَت سنة عشر وسِتمِائَة أقبل نجعهم على عَادَته للارتفاق والمبرة حَتَّى إِذا أطلوا على الْمغرب من ثناياه ألفوه قد تبدلت أَحْوَاله وبادت خيله وَرِجَاله وفنيت حماته وأبطاله وعريت من أَهله أوطانه وخف مِنْهَا سكانه وقطانه ووجدوا الْبِلَاد مَعَ ذَلِك طيبَة المنبت خصيبة المرعى غزيرة المَاء وَاسِعَة الأكناف فسيحة الْمزَارِع متوفرة العشب لقلَّة راعيها مخضرة التلول والربى لعدم غاشيها فأقاموا بمكانهم وبعثوا إِلَى إخْوَانهمْ فَأَخْبرُوهُمْ بِحَال الْبِلَاد وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الخصب والأمن وَعدم المحامي والمدافع فاغتنموا الفرصة وَأَقْبلُوا مُسْرِعين بنجعهم وحللهم وانتشروا فِي نواحي الْمغرب وأوجفوا عَلَيْهَا بخيلهم وركابهم واكتسحوا بالغارات والنهب بسيطها ولجأت الرعايا إِلَى حصونها ومعاقلها وَتمّ لَهُم مَا أَرَادوا من الِاسْتِيلَاء على بسيط الْمغرب وسهله وانتجاع مواقع طله ووبله
الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن محيو المريني رحمه الله
لما دخل بَنو مرين الْمغرب كَانَ الْأَمِير عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ عبد الْحق بن
محبو بن أبي بكر بن حمامة بن مُحَمَّد المريني فَكثر عيثهم وضررهم بالمغرب وأعضل داؤهم وتضاعف على الرّعية بلاؤهم فَرفعت الشكايات بهم إِلَى الْخَلِيفَة بمراكش وَهُوَ يَوْمئِذٍ يُوسُف الْمُنْتَصر بن النَّاصِر بن الْمَنْصُور فَجهز لَهُم جَيْشًا كثيفا من عشْرين ألفا وَعقد عَلَيْهِ لأبي عَليّ بن وانودين وَكتب لَهُ إِلَى صَاحب فاس السَّيِّد أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ مَعَه لغزو بني مرين والإثخان فيهم وَعدم الْإِبْقَاء عَلَيْهِم مهما قدر على ذَلِك
واتصل الْخَبَر ببني مرين وهم فِي جِهَات الرِّيف وبلاد بطوية فتركوا أثقالهم وعيالهم بحصن تازوطا من أَرض الرِّيف وصمدوا إِلَى الْمُوَحِّدين فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي نكور فَكَانَ الظُّهُور لبني مرين على الْمُوَحِّدين فهزموهم وقتلوهم وامتلأت الْأَيْدِي من أسلابهم وأمتعتهم وَرجع الموحدون إِلَى فاس يخصفون عَلَيْهِم من ورق النَّبَات الْمَعْرُوف عِنْد أهل الْمغرب بالمشعلة لِكَثْرَة الخصب يَوْمئِذٍ واعتمار الفدن بالزرع وأصناف الباقلي فسميت تِلْكَ السّنة يَوْمئِذٍ بعام المشعلة وَهِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة ثمَّ زحف الْأَمِير عبد الْحق فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة بجموع بني مرين إِلَى رِبَاط تازة حَتَّى وقف بِإِزَاءِ زيتونها فَخرج عاملها لحربه فِي جَيش كثيف من الْمُوَحِّدين وَالْعرب والحشد من قبائل تسول ومكناسة وَغَيرهم فقتلت بَنو مرين الْعَامِل الْمَذْكُور وهزموا جيوشه
وَجمع عبد الْحق الأسلاب وَالْخَيْل وَالسِّلَاح وَقسم ذَلِك كُله فِي قبائل بني مرين وَلم يمسك مِنْهَا لنَفسِهِ شَيْئا وَقَالَ لِبَنِيهِ إيَّاكُمْ أَن تَأْخُذُوا من هَذِه الْغَنَائِم شَيْئا فَإِنَّهُ يكفيكم مِنْهَا الثَّنَاء والظهور على أعدائكم
(أعدت للدّين وَالدُّنْيَا جمالهما
…
فأصبحا فِي حلى من حسن مغناكا)
(وزادك الْغَيْث غوثا فِي سحائبه
…
فجاد بالقطر قطرا فِيهِ مأواكا)
ثمَّ وَردت على السُّلْطَان تهنئة عَالم إفريقية ومفتيها وأديبها الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر الريَاحي بقصيدة يَقُول فِيهَا
(نصر من الرَّحْمَن جلّ لعَبْدِهِ
…
أيروم خلق نقض مبرم عقده)
(وعدت بِهِ الأقدار وَهِي نوافذ
…
لَا تحسبن الله مخلف وعده)
(وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل نَصره
…
فِي الشَّاكِرِينَ لَهُ سوابغ رفده)
(فلتبسم ثغر الهنا مُسْتَبْشِرًا
…
فالوقت ينْطق عَن سَعَادَة جده)
(أَن يمض مَوْلَانَا سُلَيْمَان الرِّضَا
…
وَعَلِيهِ تبْكي الباكيات لفقده)
(الْعلم وَالتَّقوى وكل فَضِيلَة
…
منشورة طويت بِهِ فِي لحده)
(فَلَقَد أَقَامَ لنا أَبَا زيد هدى
…
نورا مُبينًا يستضاء برشده)
(لَو لم يكن كفئا لما أوصى بِهِ
…
وَبَنوهُ ترفل فِي ملابس مجده)
(سعدت بِهِ الْأَيَّام ثمَّ أَرَادَ أَن
…
تبقى السَّعَادَة للورى من بعده)
(أعظم بِهِ نصرا يَدُوم سروره
…
للخافقين سرى تضوع رنده)
(أهْدى إِلَى الْأَعْدَاء أقتل غُصَّة
…
والأوليا متنعمون بشهده)
(فاستبشروا بِالْيمن من مرضاته
…
واستمطروا نيل المنى من وده)
(مَا هُوَ إِلَّا ابْن الرَّسُول وَهل فَتى
…
فِي النَّاس يعدل عَن مَكَارِم جده)
(وتناسقت أسلافه كرما كَمَا
…
راق النواظر لُؤْلُؤ فِي عقده)
(لَا غرو أَن جمع المحاسن كلهَا
…
مِنْهُم فإرث الْجمع حق لفرده)
(لَا يأفك الخراص حَيْثُ يَقُول قد
…
ذهب الزَّمَان بعمره وبزيده)
(فبسيف مَا ننسخ يقد أديمه
…
حَتَّى وَلَو وفى العيان برده)
(فلكم وَكم من آخر زَمنا لَهُ
…
فضل عَظِيم لَا يحاط بسرده)
(يَا أهل فاس والمغارب كلهَا
…
والشرق من مصر لغاية حَده)
(يهنيكم هَذَا الزَّمَان فَإِن فِي
…
أَيَّامه للدّين مطلع سعده)
(وَالْعلم وَالتَّقوى وكل مُعظم
…
عِنْد الشَّرِيعَة فَهُوَ بَالغ قَصده)
(النُّور أوقد مِنْهُم أَترَاهُم
…
يرضون إِلَّا باستدامة وقده)
(الله يبقي نوره متوقدا
…
يفنى الزَّمَان وَلَا فنَاء لخلده)
(ويخص مَوْلَانَا الْأَمِير بِنِعْمَة
…
لَا تَنْقَضِي وعناية من عِنْده)
(ويديمه ظلا وريفا كلما
…
حمى الورى هرعوا لجنة برده)
(وحسام فتح كلما نهضت بِهِ
…
عزماته فالنصر شاحذ حَده)
(وَتَمام بدر كلما اقتعد السرى
…
لم يسر إِلَّا فِي منَازِل سعده)
(وَعَلِيهِ تَسْلِيم تأرج نده
…
لكنه فِي الْفضل عادم نده)
(ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله
…
وَالْحَمْد فِي بَدْء الْكَلَام وَعوده)
اجْتِمَاع البربر على بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد تقدم لنا أَن البربر بعد وقْعَة ظيان اتَّفقُوا على مناوأة السُّلْطَان ومنابذته وَأَنَّهُمْ صَارُوا يدا وَاحِدَة عَلَيْهِ وعَلى كل من يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ بالمغرب فَلَمَّا توفّي السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وبويع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن زَاد البربر ذَلِك الْحلف توكيدا وَشدَّة وَأَعدُّوا لعصيانهم واعوجاجهم أكمل عدَّة لَا سِيمَا رئيسهم الْحَاج مُحَمَّد بن الْغَازِي الزموري فَإِنَّهُ لما فعل فعلته فِي وقْعَة ظيان من جرة الْهَزِيمَة على الْمولى سُلَيْمَان ثمَّ عززها بأختها من بيعَته للْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد والإجلاب فِيهَا بالقريب والبعيد خَافَ أَن يَأْخُذهُ بذلك من يَأْتِي بعده من بني أَبِيه وعشيرته فجد فِي صرف وُجُوه البربر عَن السُّلْطَان واستعان فِي ذَلِك بِأبي بكر مهاوش فروض لَهُ رُؤَسَاء البربر حَتَّى اجْتمعت كلمتهم على أَن لَا يتْركُوا بِأَرْض الْمغرب ذكرا للسُّلْطَان وَحزبه وَرُبمَا شايعهم على ذَلِك بعض غواة الْعَرَب مثل الصفافعة والتوازيط من بني حسن وزعير وَجل عرب تادلا فَلَمَّا أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ نقض مَا أبرموا ونثر مَا جمعُوا من ذَلِك ونظموا جعل لذَلِك سَببا وَهُوَ أَن الشَّيْخ أَبَا عبد الله الدرقاوي كَانَ مسجونا عِنْد الودايا كَمَا تقدم فِي أَخْبَار فتْنَة ابْني يزِيد وَاسْتمرّ فِي السجْن