الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي الْحسن على مراكش ثمَّ انهزامه عَنْهَا إِلَى هنتاته أهل جبل درن ووفاته هُنَاكَ
لما أجفل السُّلْطَان أَبُو الْحسن عَن سجلماسة سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة قصد مراكش وَركب إِلَيْهَا الأوعار من جبال المصامدة وَلما شارفها تسارع إِلَيْهِ أهل جهاتها بِالطَّاعَةِ من كل أَوب ونسلوا إِلَيْهِ من كل حدب وفر عَامل مراكش إِلَى أبي عنان وَنزع إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن صَاحب ديوَان الجباية أَبُو الْمجد بن مُحَمَّد بن أبي مَدين بِمَا كَانَ فِي الخزانة من مَال الجباية فاختصه واستكتبه وَجعل إِلَيْهِ علامته واستركب واستلحق وجبى الْأَمْوَال وَبث الْعَطاء وَدخل فِي طَاعَته قبائل الْعَرَب من جشم وَسَائِر المصامدة وثاب لَهُ بمراكش ملك رجى مَعَه أَن يستولي على سُلْطَانه ويرتجع فارط أمره
وَكَانَ أَبُو عنان لما رَجَعَ إِلَى فاس عَسْكَر بساحتها وَشرع فِي الْعَطاء وإزاحة الْعِلَل ثمَّ ارتحل فِي جموع بني مرين إِلَى مراكش وبرز السُّلْطَان أَبُو الْحسن للقائه وانْتهى كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ إِلَى وَادي أم الرّبيع وتربص كل وَاحِد بِصَاحِبِهِ عبور الْوَادي فعبره أَبُو الْحسن وَكَانَ اللِّقَاء بتامد غوست فِي آخر صفر من سنة إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة فاختل مصَاف السُّلْطَان وَانْهَزَمَ عسكره وَلحق بِهِ أبطال بني مرين ثمَّ راجعوا عَنهُ حَيَاء وهيبة وكبى بِهِ فرسه يَوْمئِذٍ فِي مفره فَسقط إِلَى الأَرْض والفرسان تحوم حوله فاعترضهم دونه أَبُو دِينَار سُلَيْمَان بن عَليّ بن أَحْمد أَمِير الذواودة من عرب ريَاح ورديف أَخِيه يَعْقُوب كَانَ هَاجر مَعَ السُّلْطَان من الجزائر وَلم يزل فِي جملَته إِلَى هَذَا الْيَوْم فدافع عَنهُ حَتَّى ركب وَسَار من وَرَائه ردا لَهُ وَأسر حَاجِبه علال بن مُحَمَّد فأودعه أَبُو عنان السجْن ثمَّ امتن عَلَيْهِ بعد وَفَاة أَبِيه
وخلص السُّلْطَان أَبُو الْحسن رحمه الله إِلَى جبل هنتانة من جبال درن وَمَعَهُ كَبِيرهمْ عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عَليّ الهنتاني فَنزل عَلَيْهِ وَأَجَارَهُ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الْمَلأ من قومه هنتانة وَمن انضاف إِلَيْهِم من المصامدة وَتَآمَرُوا
على براح أبي الْجُلُود وَبنى القنطرة على الْوَادي بَينهمَا وجدد قنطرة الرصيف مرَّتَيْنِ وَأصْلح قنطرة وَادي سبو وَأصْلح طرقات فاس الْجَدِيد كلهَا من دَاخل وخارج ورصفها بِالْحِجَارَةِ وَأصْلح أَبْوَاب فاس الْجَدِيد كلهَا ورمم مَا تلثم مِنْهَا وجدد قُصُور الْملك الخربة بهَا وَزَاد غَيرهَا وَأمر بتبييض مَسَاجِد الْخطب وتبليط أرْضهَا وَبنى مَسْجِد صفرو وجدد أسواره وَبنى لأَهله حَماما بِهِ وَبنى مَسْجِد الْمنزل ببني يازغة وَبنى مَسْجِد وَجدّة وحماما بهَا وَأصْلح قلعتها وَدَار إمارتها وَبنى مَسْجِد وازان وَمَسْجِد تطاوين وَأخرج أهل الذِّمَّة من جواره وَبنى لَهُم حارة بطرِيق الْمَدِينَة وَبنى الصقائل والأبراج بطنجة وجدد مَسْجِد آصيلا وأسوارها وجدد قُصُور الْملك بمكناسة بعد تلاشيها وَأصْلح القناطر الَّتِي بَين فاس ومكناسة وَبنى قنطرة على وَادي سَيِّدي حرازم بخولان وَبنى مَسْجِد الجزارين بسلا ووقف عَلَيْهِ أوقافا تقوم بمصلحته وَأخرج يهودها من وسط الْبَلَد من حومة بَاب حُسَيْن وَبنى لَهُم حارة على حدتها غربي الْبَلَد وَبنى الْمَسْجِد الْأَعْظَم بحومة السويقة من رِبَاط الْفَتْح وَبنى دَار الْبَحْر لنزوله وَبنى قنطرة وَادي حِصَار بتامسنا وَبنى مَسْجِد أبي الْجَعْد بتادلا وَبنى قنطرة وَادي أم الرّبيع وقنطرة تانسيفت بمراكش بعد سُقُوطهَا وَبنى الْمَسْجِد الْأَعْظَم الَّذِي كَانَ أسسه على بن يُوسُف اللمتوني بمراكش وبناه بِنَاء ضخما وأزال منارته الَّتِي كَانَت بِهِ قَدِيما وشيد مَنَارَة أُخْرَى بديعة الْحسن رائقة الصَّنْعَة وأكمل مَسْجِد الرحبة الَّذِي كَانَ أسسه وَالِده رحمه الله وَمَات قبل تَمَامه وجدد قُصُور وَالِده بمراكش وَأَصْلَحهَا وصان القصبة وعمرها ثمَّ ختم رحمه الله ديوانه بِالْحَسَنَة الْعَظِيمَة والمنقبة الفخيمة وَهِي عَهده بالخلافة لِابْنِ أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام على كَثْرَة أَوْلَاده وَوُجُود بعض إخْوَته ولعمري أَن هَذَا الْعَهْد لمنقبة جليلة للعاهد والمعهود إِلَيْهِ أما العاهد فَإنَّا لم نسْمع بعد أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رضي الله عنه بِأحد من خلفاء الأسلام وملوكه عدل بِولَايَة الْعَهْد عَن وَلَده الْمُسْتَحق لَهَا إِلَى غَيره حَتَّى كَانَ هَذَا الإِمَام الْجَلِيل الَّذِي أَحْيَا سيرة العمرين نعم قد عهد سُلَيْمَان بن عبد الْملك لِابْنِ عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز
(فبدت لَهُ الدَّار المنيفة يَا لَهَا
…
دَارا أعز حمى وأبهى منْظرًا)
(ونحا الجناب المستجار بظله
…
وأناخ فِيهِ خاضعا ومعفرا)
(يهدي إِلَيْك تَحِيَّة مختارة
…
أذكى من الْمسك الذكي وأعطرا)
(ويمد كفيه بِصدق دَاعيا
…
لَك بِالْبَقَاءِ مهنئا وَمُبشرا)
(ويجيد شكر مواهب أوليتها
…
كرما وَحقّ لمثلهَا أَن يشكرا)
(وَيُعِيد ذكر محَاسِن أوتيتها
…
ويصوغ مدحك صوغ تبر أحمرا)
(ويروم إقبالا عَلَيْهِ بالرضى
…
يَا فوزه إِن بالرضى هُوَ بشرا)
(إِن ناله نجحت لَهُ آماله
…
وَدنت مناه وارتقى واستبشرا)
(يَا من يؤمل رفْعَة وسعادة
…
يمم حمى الْمولى الْهمام لتظفرا)
(ملك عَظِيم الْقدر جلّ كَمَاله
…
عَن أَن تعد خصاله أَو تحصرا)
(ملك كريم الطَّبْع عز مِثَاله
…
خلقا كَرِيمًا لم يضاه ومفخرا)
(ملك جزيل الْفضل عَم نواله
…
كل الْأَنَام وفَاق غيثا ممطرا)
(ملك أَفَاضَ على الرّعية خَيره
…
وأنامهم فِي ظله متبصرا)
(ملك جميل سياسة وسريرة
…
وَيدل ظَاهره على مَا أضمرا)
(ملك ترقى فِي سَمَاء مَكَارِم
…
فغدا بِهِ أفق المكرم مقعرا)
(ملك رَحِيم خاشع متواضع
…
وَيرى اكْتِسَاب الْحَمد أربح متجرا)
(قرت بِهِ عين الْخلَافَة واغتدى
…
من سعده ذَا الْقطر أنعم أزهرا)
(من أهل بَيت الْمُصْطَفى أكْرم بِهِ
…
نسبا شريفا مَا أجل وأطهرا)
(جمع المفاخر مكسبا ووراثة
…
وحوى مآثر حَقّهَا أَن تؤثرا)
(ماضي الْعَزِيمَة فِي الْأُمُور مُسَدّد
…
فِي رَأْيه الميمون لَيْسَ مقصرا)
(قل للمحاول شأوه فِي مجده
…
أَو رفده أَو حلمه أطرق كرا)
(هَذَا همام لَا يشق غباره
…
هَذَا همام لن يجارى إِن جرى)
(مولَايَ يَا أزكى الْأَئِمَّة شِيمَة
…
وافيت بابك أَبْتَغِي مِنْك القرا)
(لَا أَبْتَغِي إِلَّا الرضى وَكفى بِهِ
…
فأنلني الْحَظ الجزيل الأوفرا)
(مولَايَ مَا عِنْدِي إِلَيْك هَدِيَّة
…
إِلَّا مديحك هاك مِنْهُ جوهرا)
(نظمته فكرة مخلص متودد
…
خُذْهُ إِلَيْك منظما ومحبرا)