الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلما رأى أهل الأندلس ذَلِك بعثوا صريخهم إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَقدم عَلَيْهِ وفدهم بِحَضْرَتِهِ من فاس وَفِيهِمْ من وُجُوه الأندلس وصلحائها الشَّيْخ أَبُو عبد الله الطنجالي وَالشَّيْخ ابْن الزيات البلشي وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق بن أبي الْعَاصِ وَغَيرهم فَاعْتَذر إِلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو سعيد بمَكَان عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء من دولتهم وَمحله من دَار ملكهم وَكَانَ عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء يتَوَلَّى يَوْمئِذٍ مشيخة الْغُزَاة بالأندلس لِأَن وَفَاته تَأَخَّرت إِلَى سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا مر فَشرط عَلَيْهِم السُّلْطَان أَبُو سعيد أَن يمكنوه مِنْهُ ليتأتى لَهُ العبور إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَجِهَاد الْعَدو بهَا من غير تشويش وَقَالَ ادفعوه إِلَيْنَا برمتِهِ حَتَّى يتم أَمر الْجِهَاد ثمَّ نرده عَلَيْكُم حياطة على الْمُسلمين وخشية من تَفْرِيق كلمتهم فاستصعب أهل الأندلس هَذَا الشَّرْط لما يعلمونه من صرامة عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء وإدلاله ببأسه وبأس عشيرته فأخفق سَعْيهمْ وَرَجَعُوا منكسرين وأطالت الفرنج الْمقَام على غرناطة وطمعوا فِي التهامها
ثمَّ إِن الله تَعَالَى نفس عَن مخنقهم ودافع بقدرته عَنْهُم وهيأ لعُثْمَان بن أبي الْعَلَاء فِي الفرنج وَاقعَة كَانَت من أغرب الوقائع وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ يَوْم المهرجان وَهُوَ الْخَامِس من جُمَادَى الأولى من سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة عمد عُثْمَان بن أبي الْعَلَاء إِلَى جمَاعَة جنده وَاخْتَارَ من أنجاد بني مرين مِنْهُم نَحْو الْمِائَتَيْنِ وَقيل أَكثر وَتقدم بهم نَحْو جَيش الفرنج فَظن النَّصَارَى أَنهم إِنَّمَا خَرجُوا لأمر غير الْقِتَال من مُفَاوَضَة أَو إبلاغ رِسَالَة أَو نَحْو ذَلِك حَتَّى إِذا سامتوا موقف الطاغية ورديفه جوان صمموا نَحْوهمَا حَتَّى خالطوهما فِي مراكزهما فصرعوهما فِي جملَة من الْحَاشِيَة وَانْهَزَمَ ذَلِك الْجمع من حِينه وولوا الأدبار واعترضهم من ورائهم مسارب المَاء للشُّرْب على نهر شنيل فتطارحوا فِيهَا وَهلك أَكْثَرهم واكتسحت أَمْوَالهم وتبعهم الْمُسلمُونَ يقتلُون وَيَأْسِرُونَ ثَلَاثَة أَيَّام وَخرج أهل غرناطة لجمع الْأَمْوَال وَأخذ الأسرى فاستولوا على أَمْوَال عَظِيمَة مِنْهَا من الذَّهَب فِيمَا قيل ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا وَمن الْفضة مائَة وَأَرْبَعُونَ قِنْطَارًا وَمن السَّبي سَبْعَة آلَاف نفس حَسْبَمَا كتب بذلك بعض الغرناطيين إِلَى الديار المصرية وَكَانَ من جملَة الْأُسَارَى امْرَأَة الطاغية وَأَوْلَاده
فبذلت فِي نَفسهَا مَدِينَة طريف وجبل الْفَتْح وَثَمَانِية عشر حصنا فِيمَا حكى بعض المؤرخين فَلم يقبل الْمُسلمُونَ ذَلِك قلت هَذَا خطأ فِي الرَّأْي وَضعف فِي السياسة قَالُوا وزادت عدَّة الْقَتْلَى فِي هَذِه الْغَزْوَة على خمسين ألفا وَيُقَال إِنَّه هلك مِنْهُم بالوادي مثل هَذَا الْعدَد لعدم معرفتهم بِالطَّرِيقِ وَأما الَّذين هَلَكُوا بالجبال والشعاب فَلَا يُحصونَ وَقتل الْمُلُوك السَّبْعَة جَمِيعهم وَقيل خَمْسَة وَعِشْرُونَ وَاسْتمرّ البيع فِي الأسرى والسبي وَالدَّوَاب سِتَّة أشهر ووردت البشائر بِهَذَا النَّصْر الْعَظِيم إِلَى سَائِر الْبِلَاد وَمن الْعجب أَنه لم يقتل من الْمُسلمين سوى ثَلَاثَة عشر نفسا وَقيل عشرَة أنفس وسلخ الطاغية بطرة وحشى جلده قطنا وعلق على بَاب غرناطة وَبَقِي مُعَلّقا سِنِين وَطلبت النَّصَارَى الْهُدْنَة فعقدت لَهُم وَالله تَعَالَى أعلم
انْتِقَاض الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
لما كَانَت سنة عشْرين وَسَبْعمائة انْتقض الْأَمِير أَبُو عَليّ صَاحب سجلماسة والصحراء على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وتغلب على درعة وسما إِلَى طلب مراكش فعقد السُّلْطَان أَبُو سعيد على حربه لِأَخِيهِ الْأَمِير أبي الْحسن واغزاه إِيَّاه ثمَّ نَهَضَ على اثره فاحتل بمراكش وثقف أطرافها وحسم عللها وَعقد عَلَيْهَا لكندوز بن عُثْمَان من صنائع دولتهم وقفل إِلَى الحضرة ثمَّ لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة نَهَضَ الْأَمِير أَبُو عَليّ فِي جموعه من سجلماسة وأغذ السّير إِلَى مراكش فاقتحمها بعساكره قبل أَن يجْتَمع لكندوز أمره وتقبض عَلَيْهِ وَضرب عُنُقه وَرَفعه على القناه وَملك مراكش وَسَائِر ضواحيها
وَبلغ الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فَخرج من حَضرته فِي عساكره بعد أَن احتشد وأزاح الْعِلَل وَاسْتوْفى الأعطيات وَقدم بَين يَدَيْهِ ابْنه الْأَمِير أَبَا الْحسن
ولي عَهده وَجَاء هُوَ على ساقته وَسَارُوا على هَذِه التعبية وَلما انْتَهوا إِلَى وَادي ملوية اتَّصل بهم الْخَبَر أَن أَبَا عَليّ يُرِيد أَن يبيتهم فأسهروا ليلتهم وَبَاتُوا على ظُهُور خيلهم وَبعد مُضِيّ جُزْء من اللَّيْل طرقهم أَبُو عَليّ فِي جموعه فَكَانَت الدبرة عَلَيْهِ وفل عسكره وَارْتَحَلُوا من الْغَد فِي أَثَره وَكَانَ قد سلك جبل درن فافترقت جُنُوده فِي أوعاره ولحقهم من المشاق مَا يفوت الْوَصْف حَتَّى ترجل الْأَمِير أَبُو عَليّ عَن فرسه وسعى على قَدَمَيْهِ وخلص من ورطة ذَلِك الْجَبَل بعد عصب الرِّيق وَلحق بسجلماسة ومهد السُّلْطَان أَبُو سعيد نواحي مراكش وَعقد عَلَيْهَا لمُوسَى بن عَليّ الهنتاتي فَعظم غناؤه فِي ذَلِك واضطلاعه وامتدت أَيَّام ولَايَته وارتحل السُّلْطَان إِلَى سجلماسة فدافعه الْأَمِير أَبُو عَليّ بالخضوع وَرغب إِلَيْهِ فِي الصفح وَالرِّضَا وَالْعود إِلَى السّلم فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِلَى ذَلِك لما كَانَ قد شغفه من حبه فقد كَانَ يُؤثر عَنهُ من ذَلِك غرائب وَرجع إِلَى الحضرة وَأقَام الْأَمِير أَبُو عَليّ بمكانه وَمن مملكه الْقبْلَة إِلَى أَن هلك السُّلْطَان أَبُو سعيد وتغلب عَلَيْهِ أَخُوهُ السُّلْطَان أَبُو الْحسن كَمَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
بِنَاء مدارس الْعلم بِحَضْرَة فاس حرسها الله
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله كَانَ قد بنى مدرسته الَّتِي بفاس مَعَ غَيرهَا مِمَّا سبق التَّنْبِيه عَلَيْهِ ووقف عَلَيْهَا كتب الْعلم الَّتِي بعث بهَا إِلَيْهِ الطاغية سانجة عِنْد عقد الصُّلْح مَعَه ووقف عَلَيْهَا غير ذَلِك واقتفى أَثَره فِي هَذِه المنقبة الشَّرِيفَة بنوه من بعده فاستكثروا من بِنَاء الْمدَارِس العلمية والزوايا والربط ووقفوا عَلَيْهَا الْأَوْقَاف المغلة وأجروا على الطّلبَة بهَا الجرايات الكافية فأمسكوا بِسَبَب ذَلِك من رَمق الْعلم وأحيوا مراسمه وَأخذُوا بضبعيه جزاهم الله عَن نيتهم الصَّالِحَة خيرا
وَلما كَانَت سنة عشْرين وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان أَبُو سعيد رحمه الله بِبِنَاء الْمدرسَة الَّتِي بفاس الْجَدِيد فبنيت أتقن بِنَاء وَأحسنه ورتب فِيهَا الطّلبَة لقِرَاءَة
ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا عزل السُّلْطَان الْقَائِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد اليموري عَن فاس وَولى عَلَيْهَا صهره الْمولى حبيب بن عبد الْهَادِي فَقَامَ بهَا أحسن قيام وَكَانَ ذَا عقل ومروءة وسمت ودهاء وفيهَا توجه السُّلْطَان فِي العساكر إِلَى مراكش وَلما احتل بهَا بعث جَيْشًا إِلَى السوس لنظر الْكَاتِب أبي عبد الله الرهوني وَبعث جَيْشًا آخر إِلَى عَامل حاحة لنظر أبي الْعَبَّاس أَحْمد اليموري ثمَّ خرج السُّلْطَان فِي جَيش ثَالِث إِلَى ثغر الصويرة لمشاهدتها وَالْوُقُوف على آثَار وَالِده بهَا فَانْتهى إِلَيْهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا وَفرق المَال على جندها أحرارا وعبيدا وَنظر فِي أُمُور مرْسَاها وَأمر بإصلاح مَا لَا بُد مِنْهُ فِيهَا وَعَاد إِلَى الغرب مؤيدا منصورا
فتْنَة الْفَقِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن الشريف الفليتي واستحواذه على تلمسان وبيعته للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما كَانَت سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَألف هَاجَتْ الْفِتْنَة بَين عرب تلمسان وَالتّرْك وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن باي وهران كَانَ لَهُ انحراف عَن الْفُقَرَاء والمنتسبين وَسُوء اعْتِقَاد فيهم فَقتل بعض الطَّائِفَة الدرقاوية وَأمر بِالْقَبْضِ على مقدمهم أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن الشريف الفليتي تلميذ الشَّيْخ الْأَكْبَر أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أَحْمد الدرقاوي شيخ الطَّائِفَة الْمَذْكُورَة ففر أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر الْمَذْكُور إِلَى الصَّحرَاء وَنزل بحلة الْأَحْرَار فَاجْتمع عَلَيْهِ أهل طائفته وامتعضوا لمن قتل مِنْهُم ولنفي مقدمهم عَن وَطنه وعشيرته وامتعضت لَهُم عَشَائِرهمْ من قبائل الْعَرَب الَّذِي هُنَالك وزحفوا لِحَرْب التّرْك على حِين غَفلَة مِنْهُم فَقَتَلُوهُمْ فِي كل وَجه
وَلما دخل فصل الرّبيع من السّنة الْمَذْكُورَة بعث صَاحب الجزائر عسكرا إِلَى باي وهران وَأمره بغزو الْعَرَب فَنَهَضَ إِلَيْهِم وَوَقعت الْحَرْب بَينه
وَبينهمْ فَانْهَزَمَ التّرْك ثَانِيَة وَنهب الْعَرَب محلتهم وتبعوهم إِلَى وهران فحاصروهم وَلما مني الباي مِنْهُم بالداء العضال كتب إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان يعرفهُ بِمَا دهاه مِنْهُم وَيطْلب مِنْهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِم شيخهم أَبَا عبد الله الْمَذْكُور ليكفهم عَنهُ ويراجعوا طَاعَة المخزن فَبعث السُّلْطَان رحمه الله الشَّيْخ الْمَذْكُور وَمَعَهُ الْأمين الْحَاج الطَّاهِر بادو المكناسي فَانْتهى الشَّيْخ إِلَى ابْن الشريف وَهُوَ فِي جموعه بِظَاهِر وهران فَشَكا إِلَى الشَّيْخ مَا نَالَ الْفُقَرَاء والمنتسبين وَسَائِر الرعيه من عسف التّرْك وجورهم وانتهائهم فِي ذَلِك إِلَى الْقَتْل والطرد عَن الوطن فتوقف الشَّيْخ وَرُبمَا صدر مِنْهُ بعض تقبيح لفعل التّرْك وَمَا هم عَلَيْهِ فازدادت الْعَرَب بذلك تظاهرا على التّرْك وتكالبا عَلَيْهِم فاتهم الباي السُّلْطَان بِأَنَّهُ الَّذِي يغريهم لِأَنَّهُ كَانَ ينْتَظر الْفرج على يَده ويرجو رقع الْخرق من جِهَته فأخفق سَعْيه وَحِينَئِذٍ نصب مدافعه فِي وَجه جموع الْعَرَب وفرقهم بالكور والضوبلي فَانْهَزَمُوا عَن وهران وأبعدوا المفر ثمَّ تذامروا وتحالفوا وزحفوا إِلَى تلمسان فنزلوا عَلَيْهَا وحاصروها وَكَانَ أهل تلمسان خُصُوصا وقبائلها عُمُوما لَهُم الْتِفَات كَبِير إِلَى السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله لما أكْرمه الله بِهِ من شرف النّسَب وَطيب المنبت وَلما اشْتهر عَنهُ من الْعدْل والرفق بالرعية والشفقة عَلَيْهَا فَكَانُوا يحبونَ الدُّخُول فِي طَاعَته والانخراط فِي سلك رَعيته فَلَمَّا نزلت الْعَرَب على تلمسان تمشت الرُّسُل بَينهم وَبَين الْحَضَر من أَهلهَا وَاتَّفَقُوا على خلع طَاعَة التّرْك ومبايعة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ففتحوا بَاب الْمَدِينَة وَدخل ابْن الشريف وطائفته وَأخذ الْبيعَة بهَا للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وخطب بِهِ على منابرها وَوجه وفده وهديته إِلَى السُّلْطَان مَعَ شَيْخه أبي عبد الله الْمَذْكُور ثمَّ نهد فِي عربه وحضره من أهل تلمسان لِحَرْب الكرغلية الَّذين بالقصبة فأجحرهم بهَا وضيق عَلَيْهِم فَلم يبْق للترك حِينَئِذٍ شكّ فِي أَن ذَلِك كُله بِأَمْر السُّلْطَان فَكَتَبُوا إِلَى الدولاتي وَهُوَ باشاهم الْأَعْظَم صَاحب الجزائر يعلمونه بالواقع واستمرت الْحَرْب بَينهم
وَبَين ابْن الشريف فِي وسط الْمَدِينَة وَعظم الْخطب وَاشْتَدَّ الكرب وَقدم الشَّيْخ على السُّلْطَان بوفد أهل تلمسان وَالْعرب وهدية ابْن الشريف وبيعته وَأخْبرهُ بِأَن النَّاس فِي شدَّة من أَمر التّرْك وَأَنَّهُمْ قد تطارحوا على بَابه وعلقت آمالهم بِهِ وراموا الاستظلال بِظِل عدله فَرَأى السُّلْطَان رحمه الله أَن يسْلك فِي حَقهم وَحقّ التّرْك مسلكا هُوَ أرْفق بِالْجَمِيعِ فَبعث الْقَائِد أَبَا السرُور عياد بن أبي شفرة الوديي وَأمره أَن يحجز بَين الْحَضَر وَالتّرْك حَتَّى يقدم الباي إِلَى تلمسان ورد مَعَه الْوَفْد الَّذين قدمُوا مَعَ الشَّيْخ وَتقدم إِلَيْهِ فِي الْقَبْض على ابْن الشريف إِن هُوَ لم يرجع عَن الْحَرْب إِلَى السّلم ثمَّ كتب السُّلْطَان إِلَى الباي بِمَا أَزَال شكه وأبطل وهمه وَلما شَارف الْقَائِد عياد تلمسان فر الشريف إِلَى منجاته وَدخل الْقَائِد عياد الْمَدِينَة فحجز بَين الْفَرِيقَيْنِ وَقدم الباي إِلَى تلمسان فَأصْلح بَينه وَبَين رَعيته ومكنه من بَلَده وانقلب إِلَى حَال سَبيله وَمَعَ ذَلِك لم يتم للترك مَا أَرَادوا من أجل الْقَحْط الَّذِي كَانَ قد عَم حَتَّى عدمت الأقوات وجلا أهل تلمسان عَنْهَا إِلَى بِلَاد الْمغرب وَكَذَا عربها وَأهل جبالها كلهم جلوا عَن أوطانهم حَتَّى لم يبْق لباشا التّرْك مَعَ من يتَكَلَّم فضلا عَن أَن يتأمر فَجعل يكْتب إِلَى السُّلْطَان ويرغب إِلَيْهِ أَن يرد عَلَيْهِ أهل تلمسان وعربها فَكَلَّمَهُمْ السُّلْطَان رحمه الله فِي الرُّجُوع فَأَبَوا وَقَالُوا نَذْهَب إِلَى بِلَاد النَّصَارَى وَلَا نجاور التّرْك فنجمع علينا الْجُوع وَالْقَتْل فرق لَهُم السُّلْطَان وتركهم بل جبرهم بِأَن صَار يعينهم بالعطاء ويتخولهم بالصدقات الْمرة بعد الْمرة حَتَّى كَانَ عطاؤه إيَّاهُم كالراتب الْمَفْرُوض وعالج داءهم مَعَ التّرْك إِلَى أَن أخصبت بِلَادهمْ ورخصت أسعارهم فتراجعوا حِينَئِذٍ إِلَى أوطانهم وَكتب السُّلْطَان إِلَى الباي فِي شَأْنهمْ بِالْعَدْلِ وَحسن السِّيرَة فامتثل وكف أَيدي الكرغلية عَنْهُم وَلم يبْق مِنْهُم بالمغرب إِلَّا من كَانَ عَلَيْهِ دين للترك فَلم يقدر على الرُّجُوع لِأَن أَرْبَاب الدُّيُون لَا يُقِيمُونَ لَهُم وزنا وَلَا يعْملُونَ مَعَهم شرعا وَالله أعلم
تكون غنيمَة لَهُ وَقَالَ لَهُم اتَّخذُوا الشكائم أَي الأرسان من الدوم وأعدوها لتقودوا بهَا خيل السُّلْطَان فَاتخذ جمع عَظِيم من الْعَامَّة الحبال والأرسان وتوشحوا بهَا تَحت الثِّيَاب وَجعلُوا يتبعُون الروكي أَيْنَمَا ذهب انتظارا لوعده وَلما قرب الْمولى الرشيد مِنْهُ أَخذ أمره فِي النُّقْصَان وناموسه فِي الْبطلَان وَلما كَانَ الْمولى الرشيد قرب سوق الْأَرْبَعَاء من بِلَاد سُفْيَان جعل الشكائمية يقربون من الْمحلة ويتطوفون حولهَا مختفين بالأودية والشعاب والكدى ينتظرون هزيمتها بخارق من خوارق دجالهم فَأعْلم الْمولى الرشيد بمكانهم فَبعث الْخَيل فالتقطوهم فِي سَاعَة وَاحِدَة وَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل وسيقوا إِلَى رِبَاط الْفَتْح فسجنوا بِهِ مُدَّة وَأما الروكي فَإِنَّهُ قصد جبل زرهون وَدخل رَوْضَة الْمولى إِدْرِيس الْأَكْبَر رضي الله عنه فَاجْتمع عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَشْرَاف الأدارسة والعلويين وغلقوا أَبْوَاب الْقبَّة وَتقدم إِلَيْهِ شرِيف علوي ففتك فِيهِ وأراح النَّاس من شَره واحتزوا رَأسه وَيَده وحملوهما إِلَى السُّلْطَان فَبعث بهما إِلَى مراكش فعلقا بِجَامِع الفناء مُدَّة وَكَانَ جهلة الْعَوام لَا يصدقون بِمَوْتِهِ وبقوا ينتظرون رجعته سنتَيْن أَو ثَلَاثًا {وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد} الرَّعْد 33 وَكَانَ مقتل الروكي فِي أواسط شعْبَان سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَلم تجَاوز مدَّته أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ مِمَّا كتبه السُّلْطَان فِي شَأْنه مَا نَصه وَبعد فَإِن فتانا من سُفْيَان مرق من الدّين وَفتن بِأُمُور شيطنته من اغْترَّ بِهِ من الْمُسلمين وَجمع عَلَيْهِ أوباشا من أَمْثَاله وَأَضْرَابه وأشكاله وَتقدم بهم لدار خديمنا ابْن عودة فَقَتَلُوهُ ثمَّ تقدم بهم للشراردة فقاتلوه ثمَّ تقدم بهم لزاوية مَوْلَانَا إِدْرِيس فقاتله أَهلهَا قتالا يُرْضِي الله وَرَسُوله وَلم يحصل لَهُم من قِتَاله ضجر ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وقتلوه وعلقوا رَأسه بِبَاب الزاوية الْمُسَمّى بِبَاب الْحجر وَأَغْلقُوا الْأَبْوَاب بعد ذَلِك على من دخل مَعَه من أَتْبَاعه وأنصاره وأشياعه فقبضوا عَلَيْهِم وجعلوهم فِي السلَاسِل والأغلال وَنحن على نِيَّة إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِم إِن شَاءَ الله جَزَاء وفَاقا على مَا ارتكبوه من الْفساد وقبيح الْأَعْمَال وَمن كَانَ مِنْهُم حِينَئِذٍ خَارِجا عَن الْبَاب تخطفته الْأَيْدِي وجنوا ثمار مَا سعوا فِيهِ من الْبَغي والتعدي وَقطع دابر جَمِيعهم فَالْحَمْد لله حق حَمده وَمَا كل نعْمَة إِلَّا
من عِنْده وأعلمناكم لِتَكُونُوا على بَصِيرَة إِذْ رُبمَا يبلغ المرجفون على عَادَتهم النَّازِلَة على غير وَجههَا وَالسَّلَام فِي ثامن عشر شعْبَان الْمُعظم عَام ثَمَانِيَة وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف
إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله بعرب الرحامنة
لما كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله بِبِلَاد الغرب مشتغلا بِأَمْر الإصبنيول وحربه على تطاوين ثار عرب الرحامنة بالحوز وعمدوا إِلَى سوق الْخَمِيس بمراكش فَأَغَارُوا عَلَيْهِ وانتهبوه وسلبوا الْمَارَّة وأرباب الجنات وضايقوا أهل مراكش حَتَّى منعوهم من الارتفاق حول الْمَدِينَة فَانْقَطَعت السبل وَارْتَفَعت الأسعار وَقطع الرحامنة مَا حول الأسوار من الْأَشْجَار واحتطبوها وحصدوا الزروع فِي الفدن واغتصبوها وَاشْتَدَّ الْحصار وتخاذلت الْأَنْصَار ودام الْحَال إِلَى أَن فرغ السُّلْطَان رحمه الله من حَرْب الإصبنيول وفتنة الروكي فَوجه وجهته إِلَى مراكش فَلَمَّا قرب مِنْهَا تحزب الرحامنة وَأَجْمعُوا على حربه فانحازوا إِلَى نَاحيَة الرميلة والأودية وزاوية ابْن ساسي ليحولوا بَينه وَبَين الدُّخُول إِلَى مراكش فهجم عَلَيْهِم وأوقع بهم وقْعَة سيقوا بهَا بعد سَاعَة إِلَى مراكش مُقرنين فِي الحبال حَتَّى ضَاقَتْ بهم السجون وَلَوْلَا أَنه رحمه الله كف أَيدي الْجَيْش عَنْهُم لاستأصلوهم ثمَّ عَفا عَنْهُم بعد أَن انتزع مِنْهُم بِلَاد آيت سَعَادَة وغواطم والأودية وَهِي من أخصب الْبِلَاد وأزكاها وَكتب السُّلْطَان فِي هَذِه الْوَقْعَة لِأَخِيهِ الْمولى الرشيد بِكِتَاب مختوم عَلَيْهِ بالخاتم الْكَبِير بن الِافْتِتَاح وَالْخطاب وبداخل الْخَاتم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن غفر الله لَهُ وبدائرته
(وَمن تكن برَسُول الله نصرته
…
إِن تلقه الْأسد فِي آجامها تجم) {وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب} هود 88 وبأركان الْخَاتم الله
مُحَمَّد أَبُو بكر عمر عُثْمَان عَليّ وَنَصّ الِافْتِتَاح الْحَمد لله الَّذِي تدارك الْأمة باللطف الْكَفِيل بتمهيد أقطارها وتيسير أوطارها وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه الَّذين نصروا الدّين بالصفاح والأسنة وأوضحوا أَحْكَام السّنة أخانا الْأَعَز الأرضى مولَايَ الرشيد أصلحك الله وأعانك وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فَإِنَّهُ لما تَوَاتَرَتْ الأنباء المحققة بعد التباسها وتواردت الْأَخْبَار الَّتِي يُغني نَصهَا عَن قياسها بِمَا ارْتَكَبهُ ظالموا أنفسهم الرحامنة من أَنْوَاع الْفساد الَّتِي أذاعوها وأظهروها وأشاعوها وَقد كَانَت فِي صُدُورهمْ كامنة صرفنَا الوجهة إِلَيْهِم وطوينا المراحل من أَجلهم وَلما حللنا ببلادهم أرسلنَا عَلَيْهِم سيل العرم من العساكر المنصورة والجيوش الموفورة فَمَا كَانَ غير بعيد حَتَّى أَتَوا برؤوس مِنْهُم كَثِيرَة مَحْمُولَة على أسنة الرماح وأسارى من مُقَاتلَتهمْ مجردين من الثِّيَاب وَالسِّلَاح وَمن نجى مِنْهُم رَجَعَ مُجَردا إِلَّا من خيبة سَعْيه وَمَا سقِِي إِلَّا بكأس بغيه واستولت العساكر والأجناد على جَمِيع مَا كَانَ عِنْد أهل الْفساد وَمن الْمَعْلُوم أَن من سل سيف الْبَغي يعود إِلَى نَحره وَمن ركب متن الشقاق يغرق فِي بحره وَأَن الْفِتْنَة نَار تحرق من أوقدها والمخالفة صَفْقَة تعود بالخسارة على من عقدهَا وَلما أردنَا معادوتهم لقطع دابرهم وتشتيت مَا بَقِي من رماد أَثَرهم تعلقوا بالمرابطين من ذَوي الوجاهات وَأَكْثرُوا من الذَّبَائِح على الْمحَال وتوجيه العارات وَقَامُوا بِوَاجِب السّمع وَالطَّاعَة فِي كل مَا أمرناهم بِهِ جهد الِاسْتِطَاعَة فأبقينا عَلَيْهِم وَإِن عَادَتْ الْعَقْرَب عدنا بحول الله لَهَا وَكَانَت النَّعْل لَهَا حَاضِرَة فَالْحَمْد لله الَّذِي خيب آمالهم وأبطل أَعْمَالهم وخذل أنصارهم وأركد أعمارهم لما اعمى أَبْصَارهم وردهم ناكصين على الأعقاب بعد سلب الْأَمْوَال وَقطع الرّقاب {ذَلِك بِأَنَّهُم شاقوا الله وَرَسُوله وَمن يُشَاقق الله وَرَسُوله فَإِن الله شَدِيد الْعقَاب} الْأَنْفَال 13 ونعوذ بِاللَّه من الآراء المعكوسة والحظوظ المنكوسة وَسُوء الْفِعْل الَّذِي يُورد المهالك والحرمان الَّذِي يَجْعَل الْبَصِير كالأعمى فِي دجنة اللَّيْل الحالك هَذَا ويصلكم مَا قطع من رُؤُوس قتلاهم لتتعلق بِبَاب الْمَدِينَة وَيعْتَبر بهَا المعتبرون ويتذكر بهَا