الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سجلماسة إِلَى ملوية وَرُبمَا يخطون فِي ظعنهم إِلَى بِلَاد الزاب وَيذكر نسابتهم أَن الرياسة كَانَت فيهم فِي تِلْكَ العصور لمُحَمد بن ورزيز بن فكوس بن كرماط بن مرين ومرين يتَّصل نسبه بزانا بن يحيى أبي الجيل
وَكَانَ لمُحَمد الْمَذْكُور سَبْعَة من الْوَلَد اثْنَان مِنْهُم شقيقان وهم حمامة وعسكر وَخَمْسَة أَبنَاء علات وَكَانَ يُقَال لَهُم بِلِسَان زناتة تيربعين وَمَعْنَاهُ الْجَمَاعَة
ويزعمون أَن مُحَمَّد بن ورزيز لما هلك قَامَ بأَمْره من قومه ابْنه حمامة بن مُحَمَّد وَكَانَ الْأَكْبَر من وَلَده ثمَّ من بعده شقيقه عَسْكَر بن مُحَمَّد ثمَّ من بعده ابْنه المخضب بن عَسْكَر وَهلك سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فِي بعض الحروب الَّتِي كَانَت بَين عبد الْمُؤمن والمرابطين
ثمَّ قَامَ بِأَمْر بني مرين بعد المخضب ابْن عَمه أَبُو بكر بن حَمَاقَة بن مُحَمَّد إِلَى أَن هلك فَقَامَ بأمرهم ابْنه أَبُو خَالِد محيو بن أبي بكر وَلم يزل مُطَاعًا فيهم إِلَى أَن استنفرهم يَعْقُوب الْمَنْصُور إِلَى غَزْوَة الأرك بالأندلس فشهدوها وأبلوا فِيهَا الْبلَاء الْحسن وأصابت محيو بن أبي بكر يَوْمئِذٍ جراحات هلك مِنْهَا بصحراء الزاب سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ من رياسة عبد الْحق ابْنه من بعده وبقائها فِي عقبَة مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دُخُول بني مرين أَرض الْمغرب الْأَقْصَى واستيلائهم عَلَيْهِ وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ السَّبَب فِي دُخُول بني مرين لهَذَا الْقطر المغربي أَنه لما كَانَت وقْعَة الْعقَاب بالأندلس سنة تسع وسِتمِائَة وَهزمَ النَّاصِر وَهلك الْجُمْهُور من حامية الْمغرب ورعاياه حَتَّى خلت الْبِلَاد من أَهلهَا ثمَّ حدث عقب ذَلِك الوباء الْعَظِيم الَّذِي تحيف النَّاس إِلَّا قَلِيلا وَهلك النَّاصِر سنة عشر بعْدهَا فَبَايع
الموحدون ابْنه يُوسُف الْمُنْتَصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ صبي حدث لَا يحسن التَّدْبِير وشغلته مَعَ ذَلِك أَحْوَال الصِّبَا ولذات الْملك عَن الْقيام بِأَمْر الرّعية فتضافرت هَذِه الْأَسْبَاب على الدولة الموحدية فأضعفتها لحينها وأمرضتها الْمَرَض الَّذِي كَانَ سَببا لحينها وَكَانَ بَنو مرين يَوْمئِذٍ موطنين بِبِلَاد الْقبْلَة من زاب إفريقية إِلَى سجلماسة يتنقلون فِي تِلْكَ القفار والصحارى لَا يدْخلُونَ تَحت حكم سُلْطَان وَلَا تنالهم الدولة بهضيمة وَلَا يؤدون إِلَيْهَا ضريبة كَثِيرَة وَلَا قَليلَة وَلَا يعْرفُونَ تِجَارَة وَلَا حرثا إِنَّمَا شغلهمْ الصَّيْد وطراد الْخَيل والغارات على أَطْرَاف الْبِلَاد
وَكَانَت طَائِفَة مِنْهُم ينتجعون تخوم الْمغرب وتلوله زمَان الرّبيع والصيف فيكتالون من أَطْرَاف الْبِلَاد مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْميرَة ويرعون فِيهَا تِلْكَ الْمدَّة أنعامهم وشاءهم حَتَّى إِذا أقبل فصل الشتَاء اجْتمع نجعهم بأكرسيف ثمَّ شدوا الرحلة إِلَى بِلَادهمْ فَكَانَ ذَلِك دأبهم على مر السنين
فَلَمَّا كَانَت سنة عشر وسِتمِائَة أقبل نجعهم على عَادَته للارتفاق والمبرة حَتَّى إِذا أطلوا على الْمغرب من ثناياه ألفوه قد تبدلت أَحْوَاله وبادت خيله وَرِجَاله وفنيت حماته وأبطاله وعريت من أَهله أوطانه وخف مِنْهَا سكانه وقطانه ووجدوا الْبِلَاد مَعَ ذَلِك طيبَة المنبت خصيبة المرعى غزيرة المَاء وَاسِعَة الأكناف فسيحة الْمزَارِع متوفرة العشب لقلَّة راعيها مخضرة التلول والربى لعدم غاشيها فأقاموا بمكانهم وبعثوا إِلَى إخْوَانهمْ فَأَخْبرُوهُمْ بِحَال الْبِلَاد وَمَا هِيَ عَلَيْهِ من الخصب والأمن وَعدم المحامي والمدافع فاغتنموا الفرصة وَأَقْبلُوا مُسْرِعين بنجعهم وحللهم وانتشروا فِي نواحي الْمغرب وأوجفوا عَلَيْهَا بخيلهم وركابهم واكتسحوا بالغارات والنهب بسيطها ولجأت الرعايا إِلَى حصونها ومعاقلها وَتمّ لَهُم مَا أَرَادوا من الِاسْتِيلَاء على بسيط الْمغرب وسهله وانتجاع مواقع طله ووبله
الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن محيو المريني رحمه الله
لما دخل بَنو مرين الْمغرب كَانَ الْأَمِير عَلَيْهِم يَوْمئِذٍ عبد الْحق بن
فَقَامَ بذلك أحسن قيام ثمَّ استقدمه مِنْهَا فِي فتْنَة ابْني يزِيد كَمَا مر واستخلفه على حَاضِرَة الْمغرب وَأم أمصاره مَدِينَة فاس فقرت بولايته الْعُيُون وَطَابَتْ الأنفاس كل ذَلِك فعله بِهِ ترشيحا لِلْأَمْرِ وتقديما لَهُ فِيهِ على زيد وَعَمْرو
بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رحمه الله
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان لما حَضرته الْوَفَاة جدد الْعَهْد لِابْنِ أَخِيه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَبعث بِهِ إِلَى فاس ثمَّ كَانَت وَفَاة السُّلْطَان عقب ذَلِك فوصل خبر وَفَاته إِلَى فاس فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فَحَضَرَ القَاضِي الشريف الْمولى أَحْمد بن عبد الْملك والعلامة الْمُفْتِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم والتاجر الْأَمِير الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون وَسَائِر أَعْيَان فاس من الْعلمَاء والأشراف وَغَيرهم وَحضر أَعْيَان الودايا وقوادهم وَلما قرىء الْعَهْد ترحموا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَبَايَعُوا للسُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وَتمّ أمره وسر النَّاس بذلك خَاصَّة وَعَامة ثمَّ ترادفت على حَضرته بيعَة أهل الدِّيوَان وَسَائِر الْجنُود وَحل من الْملك الْعَزِيز فِي فلك السُّعُود وكتبت البشائر بذلك إِلَى الْبلدَانِ فوفدت بيعات أهل الْأَمْصَار وهداياهم وَلم يتَوَقَّف عَن هَذِه الْبيعَة الشَّرْعِيَّة أحد مِنْهُم واستبشر أهل الْمغرب بولايته وَبَان لَهُم مصداق يمنه وسعادته بتوالي الأمطار وَرخّص الأسعار والعافية آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَلما تمت هَذِه الْبيعَة الْمُبَارَكَة وَحصل مَا ذكرنَا من الْأَمْن والعافية وَحسن الْحَال والرفاهية استوزر السُّلْطَان رحمه الله الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الفاسي فَقَالَ
(مولَايَ بِشِرَاك بالتأييد بشراكا
…
قد أكمل الله بالتوفيق سراكا)
(الْفَتْح والنصر قد وافاك جيشهما
…
والسعد واليمن قد حَيا محياكا)
(الله ألبسك الإقبال تكرمة
…
وبالتقى والنهى وَالْعلم حلاكا)
(فراسة الْملك المرحوم قد صدقت
…
لما تفرس فِيك حِين ولاكا)
(أعدت للدّين وَالدُّنْيَا جمالهما
…
فأصبحا فِي حلى من حسن مغناكا)
(وزادك الْغَيْث غوثا فِي سحائبه
…
فجاد بالقطر قطرا فِيهِ مأواكا)
ثمَّ وَردت على السُّلْطَان تهنئة عَالم إفريقية ومفتيها وأديبها الشَّيْخ أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الْقَادِر الريَاحي بقصيدة يَقُول فِيهَا
(نصر من الرَّحْمَن جلّ لعَبْدِهِ
…
أيروم خلق نقض مبرم عقده)
(وعدت بِهِ الأقدار وَهِي نوافذ
…
لَا تحسبن الله مخلف وعده)
(وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل نَصره
…
فِي الشَّاكِرِينَ لَهُ سوابغ رفده)
(فلتبسم ثغر الهنا مُسْتَبْشِرًا
…
فالوقت ينْطق عَن سَعَادَة جده)
(أَن يمض مَوْلَانَا سُلَيْمَان الرِّضَا
…
وَعَلِيهِ تبْكي الباكيات لفقده)
(الْعلم وَالتَّقوى وكل فَضِيلَة
…
منشورة طويت بِهِ فِي لحده)
(فَلَقَد أَقَامَ لنا أَبَا زيد هدى
…
نورا مُبينًا يستضاء برشده)
(لَو لم يكن كفئا لما أوصى بِهِ
…
وَبَنوهُ ترفل فِي ملابس مجده)
(سعدت بِهِ الْأَيَّام ثمَّ أَرَادَ أَن
…
تبقى السَّعَادَة للورى من بعده)
(أعظم بِهِ نصرا يَدُوم سروره
…
للخافقين سرى تضوع رنده)
(أهْدى إِلَى الْأَعْدَاء أقتل غُصَّة
…
والأوليا متنعمون بشهده)
(فاستبشروا بِالْيمن من مرضاته
…
واستمطروا نيل المنى من وده)
(مَا هُوَ إِلَّا ابْن الرَّسُول وَهل فَتى
…
فِي النَّاس يعدل عَن مَكَارِم جده)
(وتناسقت أسلافه كرما كَمَا
…
راق النواظر لُؤْلُؤ فِي عقده)
(لَا غرو أَن جمع المحاسن كلهَا
…
مِنْهُم فإرث الْجمع حق لفرده)
(لَا يأفك الخراص حَيْثُ يَقُول قد
…
ذهب الزَّمَان بعمره وبزيده)
(فبسيف مَا ننسخ يقد أديمه
…
حَتَّى وَلَو وفى العيان برده)
(فلكم وَكم من آخر زَمنا لَهُ
…
فضل عَظِيم لَا يحاط بسرده)
(يَا أهل فاس والمغارب كلهَا
…
والشرق من مصر لغاية حَده)
(يهنيكم هَذَا الزَّمَان فَإِن فِي
…
أَيَّامه للدّين مطلع سعده)
(وَالْعلم وَالتَّقوى وكل مُعظم
…
عِنْد الشَّرِيعَة فَهُوَ بَالغ قَصده)
(النُّور أوقد مِنْهُم أَترَاهُم
…
يرضون إِلَّا باستدامة وقده)