الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمغرب اعتزم على غَزْو تلمسان فَنَهَضَ إِلَيْهَا سنة أَربع عشرَة وَلما انْتهى إِلَى وَادي ملوية قدم ابنيه الأميرين أَبَا الْحسن وَأَبا عَليّ فِي عسكرين عظيمين فِي الجناحين وَسَار هُوَ فِي ساقتهما فَدخل بِلَاد بني عبد الواد على هَذِه التعبية فاكتسح نَوَاحِيهَا وَاصْطلمَ نعمتها ثمَّ نَازل وَجدّة فقاتلها قتالا شَدِيدا فمتنعت عَلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ إِلَى تلمسان فَنزل بالملعب من ساحتها وتحصن أَبُو حمو بالأسوار وَغلب السُّلْطَان ابو سعيد على معاقلها وَسَائِر ضواحيها فحطمها حطما ونسفها نسفا ودوخ جبال بني يزناسن وأثخن فيهم وانْتهى فِي قفوله إِلَى وَجدّة ففر أَخُوهُ أَبُو الْبَقَاء يعِيش وَكَانَ فِي مُعَسْكَره من أجل استرابة لحقته من السُّلْطَان وَسَار إِلَى تلمسان فَنزل على أبي حمو وَرجع السُّلْطَان أَبُو سعيد على التعبية فَانْتهى إِلَى تازا فَأَقَامَ بهَا وَبعث ابْنه الْأَمِير أَبَا عَليّ إِلَى فاس فَكَانَ من خُرُوجه عَلَيْهِ مَا نذكرهُ
خُرُوج الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ للسُّلْطَان أبي سعيد ولدان أَحدهمَا وَهُوَ الْأَكْبَر من أمته الحبشية وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عُثْمَان وَثَانِيهمَا وَهُوَ الْأَصْغَر من علجة من سبي الفرنج وَهُوَ أَبُو عَليّ عمر بن عُثْمَان وَكَانَ هَذَا الْأَصْغَر أعلق بقلب السُّلْطَان وأحبهما إِلَيْهِ وَلما استولى على ملك الْمغرب رشحه لولاية الْعَهْد وَهُوَ شَاب لم يطر شَاربه وَوضع لَهُ ألقاب الْإِمَارَة وصير مَعَه الجلساء والخاصة وَالْكتاب وَأمره باتخاذ الْعَلامَة فِي كتبه وَلم يدّخر عَنهُ شَيْئا من مراسم الرياسة وَالْملك وَعقد على وزارته لإِبْرَاهِيم بن عِيسَى اليريناني من كبار الدولة ووجوهها وَكَانَ أَخُوهُ الْأَكْبَر أَبُو الْحسن شَدِيد البرور بِأَبِيهِ فَلَمَّا رأى إقبال أَبِيه على أَخِيه عَليّ انحاش هُوَ أَيْضا إِلَيْهِ وَصَارَ فِي جملَته وخلط نَفسه بحاشيته طَاعَة لِأَبِيهِ ومسارعة فِي هَوَاهُ واستمرت حَال الْأَمِير أبي عَليّ على هَذَا وخاطبه مُلُوك النواحي وخاطبهم وهادوه وهاداهم وَعقد الرَّايَات وَأثبت فِي الدِّيوَان ومحا وَزَاد فِي الْعَطاء وَنقص وَكَاد يستبد بِالْأَمر كُله
وَلما قفل السُّلْطَان أَبُو سعيد من تلمسان أَوَاخِر سنة أَربع عشرَة وَسَبْعمائة أَقَامَ بتازا وَبعث ولديه إِلَى فاس فَلَمَّا اسْتَقر الْأَمِير أَبُو عَليّ بهَا حدثته نَفسه بِالْقيامِ على أَبِيه وخلع طَاعَته فراوده المداخلون لَهُ على التَّرَبُّص حَتَّى يمكر بِأَبِيهِ وَيقبض عَلَيْهِ بِالْيَدِ فابى واستعجل الْأَمر وَركب الْخلاف وجاهر بالخلعان ودعا لنَفسِهِ فأطاعه النَّاس وَلم يتوقفوا عَنهُ لما كَانَ أَبوهُ جعله إِلَيْهِ من أَمرهم وعسكر بِسَاحَة الْبَلَد الْجَدِيد يُرِيد غَزْو أَبِيه فبرز السُّلْطَان أَبُو سعيد من تازا فِي عسكره يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى ثمَّ بدا للأمير أبي عَليّ فِي وزيره إِبْرَاهِيم بن عِيسَى وعزم على الْقَبْض عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بلغه أَنه يُكَاتب أَبَاهُ فَبعث للقبض عَلَيْهِ عمر بن يخلف الفودودي وتفطن الْوَزير لما أَرَادَهُ من الْمَكْر بِهِ فَقبض هُوَ على الفودودي وَنزع إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد فتقبله وَرَضي عَنهُ وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن قد لحق بِأَبِيهِ قبل ذَلِك نازعا عَن جملَة أَخِيه فقوي جنَاح السُّلْطَان بهما وارتحل إِلَى لِقَاء ابْنه أبي عَليّ وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ بالمقرمدة مَا بَين فاس وتازا اخْتَلَّ مصَاف السُّلْطَان وَانْهَزَمَ جريحا إِلَى تازا فَتَبِعَهُ ابْنه أَبُو عَليّ وحاصره بهَا وَيُقَال إِن أَبَا الْحسن إِنَّمَا لحق بِأَبِيهِ بعد المحنة ثمَّ سعى الْخَواص بَين السُّلْطَان وَابْنه أبي عَليّ بِالصُّلْحِ على أَن يخرج لَهُ السُّلْطَان عَن الْأَمر ويقتصر على تازا وجهاتها فَقَط فَرضِي السُّلْطَان بذلك وَشهد الْمَلأ من مشيخة الْعَرَب وزناتة وَأهل الْأَمْصَار واستحكم العقد بَينهمَا وانكفأ الْأَمِير أَبُو عَليّ رَاجعا إِلَى حَضْرَة فاس مملكا على الْمغرب وتوافت إِلَيْهِ بيعات الْأَمْصَار ووفودهم واستوسق أمره
ثمَّ تدارك الله السُّلْطَان أَبَا سعيد بِلُطْفِهِ ورد عَلَيْهِ من حَقه من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَذَلِكَ أَن الْأَمِير أَبَا عَليّ اعتل عقب وُصُوله إِلَى فاس وَاشْتَدَّ وَجَعه حَتَّى أشرف على الْهَلَاك وخشي النَّاس على أنفسهم اختلال الْأَمر بِمَوْتِهِ فتسايلوا إِلَى وَالِده السُّلْطَان أبي سعيد بتازا وَلحق بِهِ سَائِر خَواص الدولة وَحَمَلُوهُ على تلافي الْأَمر وانتهاز الفرصة فَنَهَضَ من تازا وَاجْتمعَ إِلَيْهِ كَافَّة بني مرين والجند وعسكر على الْبَلَد الْجَدِيد وَأقَام محاصرا لَهُ وابتنى دَارا لسكناه وَجعل لِابْنِهِ الْأَمِير أبي الْحسن مَا كَانَ لِأَخِيهِ أبي عَليّ من ولَايَة الْعَهْد
وتفويض الْأَمر وَلما تبين للأمير أبي عَليّ اخْتِلَاف أمره بعث إِلَى أَبِيه فِي الصُّلْح على أَن يعوض سجلماسة وَمَا والاها فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وفى لَهُ السُّلْطَان بِمَا اشْترط وارتحل إِلَى سجلماسة سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة فَأَقَامَ بهَا دولة فخيمة وَاسْتولى على بِلَاد الْقبْلَة وَدون الدَّوَاوِين واستلحق واستركب واستخدم ظواعن الْعَرَب من بني معقل وافتتح معاقل الصَّحرَاء وقصور توات وتيكرارين وتامنطيت وَغير ذَلِك
وَأما السُّلْطَان أَبُو سعيد فَإِنَّهُ دخل إِلَى فاس الْجَدِيد وَنزل بقصره وَأصْلح شؤون ملكه وَأنزل ابْنه الْأَمِير أَبَا الْحسن بِالدَّار الْبَيْضَاء من قصوره وفوض إِلَيْهِ فِي سُلْطَانه تَفْوِيض الِاسْتِقْلَال وَأذن لَهُ فِي اتِّخَاذ الوزراء وَالْكتاب وَوضع الْعَلامَة على كتبه وَسَائِر مَا كَانَ لِأَخِيهِ ووفدت عَلَيْهِ بيعات الْأَمْصَار بالمغرب وَرَجَعُوا إِلَى طَاعَته وَفِي سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة أَمر السُّلْطَان أَبُو سعيد بِبِنَاء الْبَاب أَمَام القنطرة من الجزيرة الخضراء ثمَّ بعد ذَلِك أدَار الستارة بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وفيهَا سَار إِلَى مراكش فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا حَتَّى اصلح شؤونها وَعَاد إِلَى الحضرة
وَفِي سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة نكب السُّلْطَان أَبُو سعيد كَاتبه منديل بن مُحَمَّد الْكِنَانِي وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه لما ثار الْأَمِير أَبُو عَليّ على ابيه وخلعه انحاش إِلَيْهِ منديل هَذَا ثمَّ لما اخْتَلَّ أَمر أبي على عَاد منديل إِلَى السُّلْطَان أبي سعيد وترتب فِي مَنْزِلَته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قبل وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْحسن يحقد عَلَيْهِ لأجل انحياشه إِلَى أَخِيه لما كَانَ بَينهمَا من المنافسة وَكَانَ هُوَ كثيرا مَا يوغر صدر أبي الْحسن بِإِيجَاب حق أَخِيه عَلَيْهِ وامتهانه فِي خدمته فطوى لَهُ أَبُو الْحسن على البث حَتَّى إِذا فصل أَبُو عَليّ إِلَى سجلماسة وَانْفَرَدَ أَبُو الْحسن بِمَجْلِس أَبِيه وخلاله وَجهه أحكم السّعَايَة فِي منديل عِنْد أَبِيه وَكَانَ منديل كثيرا مَا يغْضب السُّلْطَان فِي المحاورة وَالْخطاب دَالَّة عَلَيْهِ وكبرا فاعتد السُّلْطَان عَلَيْهِ بِشَيْء من ذَلِك مَعَ مَا كَانَ ابْنه أَبُو الْحسن يغريه بِهِ فسخطه سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة وَأذن لِابْنِهِ أبي الْحسن فِي نكبته فاعتقله واستصفى أَمْوَاله وطوى ديوانه وامتحنه أَيَّامًا ثمَّ قَتله بمحبسه
فاس فاستوطنها وَكَانَ الباي مُحَمَّد بن عُثْمَان صَاحب وهران قد أزعجه من تلمسان إِلَى قَرْيَة أبي صمغون فَأَقَامَ بهَا وَأَقْبل أَهلهَا عَلَيْهِ ثمَّ لما مَاتَ الباي الْمَذْكُور وَولي بعده ابْنه عُثْمَان بن مُحَمَّد سعى عِنْده بالشيخ التجاني فَبعث إِلَى أهل أبي صمغون وتهددهم ليخرجوه وَلما سمع بذلك الشَّيْخ الْمَذْكُور خرج مَعَ بعض تلامذته وَأَوْلَاده وسلك طَرِيق الصَّحرَاء حَتَّى احتل بفاس وَلما دَخلهَا بعث رَسُوله بكتابه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان يُعلمهُ بِأَنَّهُ هَاجر إِلَيْهِ من جور التّرْك وظلمهم واستجار مِنْهُم بِأَهْل الْبَيْت الْكَرِيم فَقبله السُّلْطَان وَأذن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ والحضور بمجلسه وَلما اجْتمع بِهِ وَرَأى سمته ومشاركته فِي الْعُلُوم أقبل عَلَيْهِ واعتقده وَأَعْطَاهُ دَارا مُعْتَبرَة من دوره كَانَ أنْفق فِي عمارتها نَحوا من عشْرين ألف مِثْقَال ورتب لَهُ مَا يَكْفِيهِ وَأَقْبل عَلَيْهِ الْخلق واشتهر أمره بفاس وَالْمغْرب وَهُوَ شيخ الطَّائِفَة التجانية رحمه الله ونفعنا بِهِ
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا خرج السُّلْطَان فِي العساكر من مكناسة يُرِيد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر بآسفي وعزم على حربه إِلَّا أَن يُؤَدِّي الطَّاعَة هُوَ وقبيلته مُبَاشرَة طَوْعًا أَو كرها وَلما عبر وَادي أم الرّبيع قدم إِلَيْهِ الْقَائِد أَبُو السرُور عياد بن أبي شفرة فِي جَيش الودايا وَقَالَ لَهُ إِذا قدمت عَلَيْهِ فأزعجه للمجيء فَإِن قدم فأقم أَنْت بآسفي وَإِن امْتنع من الْمَجِيء فَاكْتُبْ إِلَيّ وأقم هُنَالك حَتَّى أقدم عَلَيْك فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْقَائِد عياد لم يَسعهُ إِلَّا الْمَجِيء لملاقاة السُّلْطَان فجَاء وَهُوَ مَرِيض فِي محفته وَمَعَهُ جموعه وقبائله حَتَّى اجْتمع بالسلطان بالموضع الْمَعْرُوف بِمِائَة بير وبير بَين عَبدة ودكالة فَبَايعهُ مُبَاشرَة وَأدّى الطَّاعَة هُوَ وإخوانه مُبَاشرَة كَمَا اقترح السُّلْطَان وَتحقّق بِأَن تَأَخره إِنَّمَا كَانَ للمرض الَّذِي بِهِ فوفى لَهُ السُّلْطَان بعهده وَزَاد فِي كرامته بوصوله مَعَه إِلَى آسفي ودخوله إِلَى دَاره بعد تثبيط رُؤَسَاء الْجَيْش لَهُ عَن الدُّخُول مَعَه ثمَّ عقد لَهُ على قبائله وَأمره بِقَبض الْوَاجِب مِنْهُم زَاد صَاحب الْجَيْش وشكره على إيوائه لِأَخِيهِ الْمولى هِشَام ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى مراكش فَدَخلَهَا مظفرا منصورا
وَفِي هَذِه السّنة حدث الوباء بِبِلَاد الْمغرب وَعم حاضره وبواديه وَلما فَشَا بمراكش وأعمالها رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة وَترك أَخَاهُ الْمولى الطّيب نَائِبا عَنهُ بهَا فَبَلغهُ أثْنَاء الطَّرِيق وَفَاة كَاتبه أبي عبد الله مُحَمَّد بن عُثْمَان تَركه بمراكش مصابا بالوباء
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان فَلَمَّا وصل السُّلْطَان إِلَى مكناسة استقدمني من فاس فَقدمت عَلَيْهِ وقلدني كِتَابَته بعد أَن أخرني عَنْهَا سنة وَفِي أثْنَاء ذَلِك بلغه وَفَاة إخْوَته الْأَرْبَعَة خَلِيفَته الْمولى الطّيب وَالْمولى هِشَام وَالْمولى حُسَيْن وَالْمولى عبد الرَّحْمَن بالوباء الثَّلَاثَة الأول بمراكش وَالرَّابِع بالسوس وَدفن الْمولى هِشَام وَالْمولى حُسَيْن بقبة إِلَى جنب الشَّيْخ الْجُزُولِيّ رضي الله عنه وقبرهما مَشْهُور بمراكش
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان فَبَعَثَنِي السُّلْطَان إِلَى مراكش لآتيه بمتخلف إخْوَته الَّذين هَلَكُوا بهَا ومتخلف الْكَاتِب ابْن عُثْمَان وَبعث معي خيلا وبغالا لأحمل المتخلف الْمَذْكُور والوباء لَا زَالَ لم يَنْقَطِع قَالَ فوصلت إِلَى مراكش وجمعت المتخلف وَرجعت بِهِ إِلَى فاس وَقد ارْتَفع الوباء وازدهرت الدُّنْيَا وَدرت ألبان الجباية للسُّلْطَان وَفِي هَذِه الْمدَّة قدم على حَضْرَة السُّلْطَان باشدور الإصبنيول فعقد مَعَه شُرُوط المهادنة وَكَانَ الَّذِي تولى عقدهَا مَعَه الْكَاتِب ابْن عُثْمَان المكناسي قبل وَفَاته بِيَسِير وَهِي ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ شرطا مرجعها إِلَى الصُّلْح والأمان من الْجَانِبَيْنِ إِلَّا أَنَّهَا أَشد بِيَسِير من الشُّرُوط الَّتِي انْعَقَدت مَعَ السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله من ذَلِك أَن شُرُوط سَيِّدي مُحَمَّد كَانَت تَتَضَمَّن أَنه إِذا تشاجر مُسلم وَنَصْرَانِي فَالَّذِي يفصل بَينهمَا هُوَ الْحَاكِم إِلَّا أَن القنصل يحضر وَقت الْفَصْل عَسى أَن يدْفع عَن ابْن جنسه بِحجَّة إِن كَانَت وَصَارَت شُرُوط السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان تَتَضَمَّن أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يتَوَلَّى أَخذ الْحق مِنْهُ حاكمه ويدفعه لخصمه وَإِذا فر نَصْرَانِيّ من سبتة أَو مليلية أَو نكور أَو بادس وَأَرَادَ إسلاما فَلَا بُد من حُضُور القنصل إِن كَانَ وَإِلَّا فالعدول يسمعُونَ مِنْهُ ثمَّ شَأْنه وَمَا يُرِيد
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا وَجه السُّلْطَان كَاتبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد الرهوني لجمع أَمْوَال المنقطعين فَجمع مِنْهَا مَا قدر عَلَيْهِ وَعَاد سالما معافى
ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا أرسل السُّلْطَان كَاتبه الْمَذْكُور عَاملا على السوس وَمَعَهُ طَائِفَة من الْجند فجبى قبائله وَرجع وأحبه أهل السوس لحسن سيرته ولين جَانِبه وَفِي هَذِه السّنة فِي الْيَوْم الثَّامِن من ربيع الثَّانِي مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الماهر أَبُو عبد الله مُحَمَّد المير السلاوي وَكَانَ من أهل الْمُشَاركَة وَالتَّحْقِيق والخط الْحسن رحمه الله
ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان العساكر لبرابرة آيت ومالو وَعقد عَلَيْهَا لِلْكَاتِبِ أبي عبد الله الحكماوي وَبعث مَعَه جمَاعَة من قواد الْجَيْش وقواد الْقَبَائِل فَلم يرْضوا إمارته عَلَيْهِم إِذْ كلهم كَانُوا أسن مِنْهُ وَفِيهِمْ من هُوَ أعرف بأحوال البربر ومكايدهم فخذلوه وَقت اللِّقَاء وجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة وأستولى البربر على أثاثهم ومدافعهم وجردوا الْكثير مِنْهُم وقبضوا على الْكَاتِب حَتَّى أجاره بعض البربر فأبقوا عَلَيْهِ إِلَى أَن بعثوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان
ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان الْجَيْش إِلَى بِلَاد درعة مَعَ كَاتبه أبي الْعَبَّاس أَحْمد آشقراس فَدَخلَهَا وَاسْتولى على قُصُورهَا الْمَغْصُوبَة وَأخرج مِنْهَا الْعَرَب والبربر وجبى أموالها ومهد نَوَاحِيهَا وَأمن سبلها حَتَّى صَار مَا بَين السوس ودرعة والفائجة مجالا للتِّجَارَة وممرا لأبناء السَّبِيل يَغْدُونَ بِهِ وَيَرُوحُونَ آمِنين على أَمْوَالهم وأنفسهم
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَألف فِيهَا بعث السُّلْطَان العساكر إِلَى بِلَاد الرِّيف مَعَ أَخِيه الْمولى عبد الْقَادِر والقائد مُحَمَّد بن خدة الشَّرْقِي وقائد الْعَسْكَر أَحْمد بن الْعَرَبِيّ فجبى قبائل الرِّيف من قلعية وكبدانة وَغَيرهمَا عَن ثَلَاث سِنِين سلفت وَلما رجعت العساكر أغارت على المطالسة وَبني أبي
فَأكْثر أمسك اثْنَان وسرح الْبَاقِي ويعفى عَن كل من كَانَ مُفردا فِي بَيته وَعَن كل أَعور وأشل وأعرج وأحدب وَعَن كل مبتلى بداء مزمن أَو عِلّة معدية أَو ضَعِيف الْجِسْم نحيف البنية لَا يقدر على الْأَعْمَال الجندية وَغير سَالم المزاج وَهَكَذَا ويعفى عَن طلبة الْعلم لَكِن بعد حضورهم وامتحانهم فَمن ظَهرت نجابته خلى سَبيله لِأَنَّهُ قد قَامَ بوظيف هُوَ من أهم الْوَظَائِف وَمن كَانَ قَلِيل الْفَهم أَو مقسم البال أَو طائش الفكرة لَا ترجى فَائِدَته وَإِنَّمَا تستر بِطَلَب الْعلم دخل فِي الْقرعَة وَإِذا كَانَ لرجل ولدان وأصابت الْقرعَة أَحدهمَا وَأَرَادَ إِبْدَاله بِالْآخرِ فَذَلِك لَهُ إِذا توفرت فِيهِ شُرُوط الْخدمَة وَإِذا أَرَادَ أَن يُبدلهُ بِغَيْر أَخِيه من عبد أَو أجِير فَلَا بُد من زِيَادَة قدر مَعْلُوم من المَال لَا يجحف بِهِ وَلَا يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيل تِجَارَته وَلَا بيع أَصله وَلِهَذَا الْبَدَل شُرُوط الأول أَن يكون سالمامن الْآفَات الْمُتَقَدّمَة الثَّانِي أَن لَا يكون مِمَّن استوفى مُدَّة الْخدمَة الَّتِي هِيَ خمس سِنِين وَدخل فِي صنف الرديف اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا لم تكن الْقرعَة أَصَابَته حَتَّى جَاوز السن الْمَعْلُوم وَصَارَ فِي صنف الرديف فَهَذَا يقبل الثَّالِث أَن يكون من أهل تِلْكَ النَّاحِيَة فَلَا يقبل مراكشي عَن فاسي مثلا وَبِالْعَكْسِ الرَّابِع أَن لَا يكون من العبيد السود اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا كَانَ فِي الْجند صنف مِنْهُم فَيقبل فِي صنفه وَلَا بَأْس إِذا كَانَ مَمْلُوكا أَبيض الْخَامِس أَن لَا يكون من الَّذين استعملوا فِي الجندية وأخرجوا مِنْهَا لعَارض خلقي أَو خلقي مثل آفَة بدنية أَو فعل قَبِيح من سَرقَة وَنَحْوهَا السَّادِس أَن لَا يكون الْبَدَل قد جِيءَ بِهِ بعد ثَلَاثَة أشهر ثمَّ إِذا فر الْبَدَل فينتظر مَجِيئه إِلَى شهر فَإِن جَاءَ وَإِلَّا أَخذ بِهِ صَاحبه الَّذِي جَاءَ بِهِ ثمَّ إِذا انتظم هَذَا الْجمع العسكري فَأول مَا يعلمونهم أَمر دينهم مِمَّا لَا بُد مِنْهُ على سَبِيل الِاخْتِصَار بِأَن يلقنوا كَيْفيَّة اللَّفْظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَبَين لَهُم مَعْنَاهَا بِوَجْه إجمالي فَإِن جلّ الْعَوام سِيمَا أهل الْبَادِيَة والقرى النائية لَا يفقهُونَ ضروريات دينهم ويعلمون كَيْفيَّة الْوضُوء وَالصَّلَاة ويلزمون بالمحافظة عَلَيْهَا حَتَّى أَن من لم يحضر مِنْهُم وَقت النداء لَهَا يُعَاقب عقَابا شَدِيدا وَإِلَّا فَلم يحضر عِنْد سَمَاعه الطرنبيطة وَلَا يحضر إِذا سمع دَاعِي الله فَهَذَا أول مَا يتعلمونه لتعود عَلَيْهِم بركَة الدّين وينجح سَعْيهمْ فِي حماية
الْمُسلمين فَإنَّا لم نرد بِجمع هَذَا الْجند إِلَّا حفظ الدّين فَإِذا كَانَ الْجند مضيعا لَهُ فَكيف يحفظه على غَيره وَيعود على الْمُسلمين نَفعه ثمَّ بعد هَذَا يعلمُونَ الْأُمُور الَّتِي تدل على كَمَال الْمُرُوءَة وعلو الهمة من الْحيَاء والحشمة والإيثار وَترك الْكَلَام الْفُحْش وتوفير الْكَبِير وَرَحْمَة الصَّغِير ويلقنون أَن من أفضل الْخِصَال عِنْد الله وَعند الْعباد الْغيرَة على الدّين والوطن ومحبة السُّلْطَان ونصحه وَيُقَال لَهُ مثلا إِذا كَانَ العجمي الزنديق يغْضب لدينِهِ الْبَاطِل ووطنه فَكيف لَا يغْضب الْعَرَبِيّ الْمُؤمن لدينِهِ ودولته ووطنه وَلَا بُد من تَرْتِيب مجْلِس يومي يسمعُونَ فِيهِ سيرة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ومغازيه وَمَغَازِي الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَسلف الْأمة وأخبار رُؤَسَاء الْعَرَب وحكمائها وشعرائها ومحاسنهم وسياساتهم وليتخير لَهُم من الْكتب الْمَوْضُوعَة فِي ذَلِك أنفعها مثل كتاب الْأَكفاء لأبي الرّبيع الكلَاعِي وَكتاب ابْن النّحاس فِي الْجِهَاد وَكتاب سراج الْمُلُوك وَنَحْوهَا فَإِن ذَلِك مِمَّا يُقَوي إِيمَانهم ويحرك هممهم ويؤكد محبتهم فِي الدّين وَأَهله وينبهون على التحافظ على ثِيَابهمْ وأطرافهم من الأوساخ والأوضار الَّتِي تدل على دناءة الهمة ونقصان الإنسانية وَعدم النخوة ويلزمون بترك اسْتِعْمَال الدُّخان فَإِنَّهُ منَاف لنظافة الدّين وَمذهب للمروءة وَالْمَال بِلَا فَائِدَة ثمَّ إِذا رسخت فيهم هَذِه الْآدَاب فِي سِتَّة أشهر أَو عشرَة أَو أَكثر أخذُوا فِي تعلم الثقافة وَأُمُور الْحَرْب ثمَّ من أهم مَا يعتنى بِهِ فِي شَأْنهمْ أَن لَا يتخلقوا بأخلاق الْعَجم وَلَا يسلكوا سبيلهم فِي اصطلاحاتهم ومحاوراتهم وَكَلَامهم وسلامهم وَغير ذَلِك فقد عَمت الْمُصِيبَة فِي عَسْكَر الْمُسلمين بالتخلق بِخلق الْعَجم فيريدون تعلم الْحَرْب ليحفظوا الدّين فيضيعون الدّين فِي نفس ذَلِك التَّعَلُّم فَلَا تمْضِي على أَوْلَاد الْمُسلمين سنتَانِ أَو ثَلَاث حَتَّى يصيروا عجما متخلقين بأخلاقهم متأدبين بآدابهم حَتَّى أَنهم تركُوا السَّلَام الْمَشْرُوع فِي الْقُرْآن وأبدلوه بِوَضْع الْيَد خلف الْأذن فَيجب على معلمهم فِي حَالَة تَعْلِيمه إيَّاهُم أَن يعدل عَن الِاصْطِلَاح العجمي إِلَى الْعَرَبِيّ ويعبر عَن الْأَلْفَاظ العجمية بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِن كَانَ أصل الْعَمَل مأخوذا عَن الْعَجم فليجتهد
الْمعلم الحاذق فِي تعريبه وَلَيْسَ ذَلِك بعسير على من وَفقه الله إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِبْدَال لفظ عجمي بِلَفْظ عَرَبِيّ بِأَن يَقُول مثلا أَمَام خلف دَائِرَة نصف دَائِرَة وَهَكَذَا فَإِذا مرنوا عَلَيْهِ شهرا أَو شَهْرَيْن كَانَ أسهل شَيْء عَلَيْهِم لِأَن تِلْكَ هِيَ لغتهم الَّتِي فِيهَا نشأوا وَعَلَيْهَا ربوا فَالْعَمَل عجمي وَالْكَلَام الَّذِي ينبهون بِهِ على ذَلِك الْعَمَل عَرَبِيّ فَأَي كلفة فِي هَذَا وَبِه ينْدَفع عَنْهُم التَّشَبُّه بالعجم الْمنْهِي عَنهُ شرعا فَإِن التزيي بزيهم لَا يَأْتِي بِخَير أبدا وَهُوَ وَالله من أفسد الْأَشْيَاء للدّين الَّذِي نُرِيد أَن نحوطه بهم
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رضي الله عنه من لم تصلحه السّنة فَلَا أصلحه الله ثمَّ عَمُود هَذَا كُله وصلبه الْعَقِيم لَهُ وروحه الَّذِي بِهِ حَيَاته هُوَ الْكِفَايَة فِي الْمطعم والملبس وليختر لَهُم من الأغذية أطيبها وأنفعها للبدن وليجعل لَهُم كسوتان كسْوَة الشتَاء وَكِسْوَة الصَّيف وليتخير لَهُم من المساكن والمنازل أطيبها وَأَصْلَحهَا هَوَاء وأبعدها عَن مَحل الوخم وليلزمهم بالاعتناء بتنظيف مساكنهم وتبريدها وتطييبها حَتَّى لَا ينشأ عَنْهَا دَاء وَإِذا تراخوا فِي مثل ذَلِك عوقبوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ دَال على دناءة الهمة ودنيء الهمة لَا يَأْتِي مِنْهُ شَيْء وليرتب لَهُم الْأَطِبَّاء العارفون حَتَّى إِذا أصَاب أحدا مِنْهُم مرض عالجه الطَّبِيب فِي الْحَال فَإِن هَذَا الْجند هُوَ سور الْإِسْلَام وسياج الدّين فبحفظه يحفظ الدّين وبسلامته يسلم فَإِذا اتخذ الْجند على هَذِه الْكَيْفِيَّة الَّتِي ذكرنَا سهل على النَّاس الدُّخُول فِي الجندية وتنافسوا فِيهَا وَمن كَانَ عِنْده من الرّعية دِرْهَم طابت نَفسه بِأَن يقتسمه مَعَهم وَيكون الْجند حِينَئِذٍ فِي مرتبَة هِيَ أشرف من مرتبَة الرّعية بِكَثِير لِأَن الْجند يحفظهم والرعية تكسب وتبذل لَهُم ثمَّ إِذا ظهر من آحَاد الْجند نجابة أَو شجاعة أَو نصيحة فِي الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة رفع قدره ونوه باسمه ليغتبط هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ ويزداد فِي خدمته ويغبطه غَيره وينافسه فِي خصاله الَّتِي أكسبته تِلْكَ الْمنزلَة وليقس مَا لم يقل وَالله الْهَادِي إِلَى التَّوْفِيق بمنه ولنرجع إِلَى التَّارِيخ فَنَقُول
وَفِي سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي عشر