الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ارتحل من ساحة تونس يُرِيد الْعَرَب فوافاهم بالموضع الْمَعْرُوف بالتينة بَين بسيط تونس وبسيط القيروان فأجفلوا أَمَامه فأتبعهم وألح عَلَيْهِم إِلَى أَن وصلوا إِلَى القيروان فَلَمَّا رَأَوْا أَن لَا ملْجأ لَهُم مِنْهُ عزموا على الثَّبَات لَهُ وتحالفوا على الإستماتة وَكَانَ عَسْكَر السُّلْطَان أبي الْحسن يَوْمئِذٍ مشحونا بأعدائه من بني عبد الواد المغلوبين على ملكهم ومغراوة وَبني توجين وَغَيرهم فدسوا إِلَى الْعَرَب أثْنَاء هَذِه المناوشة بِأَن يناجزوا السُّلْطَان غَدا حَتَّى يتميزوا إِلَيْهِم ويجروا عَلَيْهِ الْهَزِيمَة فأجابوهم إِلَى ذَلِك وصبحوا معسكر السُّلْطَان من الْغَد فَركب إِلَيْهِم فِي التعبية وَلما تقابلوا تحيز إِلَيْهِم الْكثير مِمَّن كَانَ مَعَه واختل مصافه فَانْهَزَمَ هزيمَة شنعاء وبادر الى القيروان فَدَخلَهَا فِيمَن مَعَه من الفل مستجيرا بهَا ودافع عَنهُ أَهلهَا وتسابقت الْعَرَب إِلَى مُعَسْكَره فانتهبوه بِمَا فِيهِ من الْمضَارب وَالْعدَد والآلات ودخلوا فسطاط السُّلْطَان فاستولوا على ذخيرته وَالْكثير من حرمه وَأَحَاطُوا بالقيروان وزحفت إِلَيْهَا حللهم فدارت بهَا سياجا وَاحِدًا وتعاوت ذئابهم بأطراف الْبِقَاع وأجلب ناعق الْفِتْنَة مِنْهُم بِكُل قاع واضطرمت إفريقية نَارا وَكَانَت الْهَزِيمَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع محرم من سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَبلغ الْخَبَر إِلَى تونس وَكَانَ السُّلْطَان قد خلف بهَا عِنْد رحيله الْكثير من أبنائه وَحرمه ووجوه قومه وأمناء بَيت مَاله وَبَعض الْحَاشِيَة من جنده فَتَحَصَّنُوا بالقصبة وأحاط بهم الغوغاء كي يستنزلوهم عَنْهَا فامتنعوا عَلَيْهِم وَكَانُوا بهَا أملك مِنْهُم وَكَانَ الْأَمِير أَبُو سَالم إِبْرَاهِيم بن السُّلْطَان أبي الْحسن قد جَاءَ من الْمغرب فِي هَذَا التَّارِيخ فوافاه الْخَبَر قرب القيروان فانفض مُعَسْكَره وَرجع إِلَى تونس فَكَانَ مَعَهم فِي القصبة ثمَّ نزع أَبُو مُحَمَّد بن تافراجين عَن السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ محصورا مَعَه بالقيروان وَكَانَ قد سئم صحبته ومل خدمته لِأَنَّهُ كَانَ أَيَّام حجابته للسُّلْطَان الحفصي مستبدا عَلَيْهِ مفوضا إِلَيْهِ فِي جَمِيع أُمُوره فَلَمَّا استوزره السُّلْطَان أَبُو الْحسن لم يجره على تِلْكَ الْعَادة لِأَنَّهُ كَانَ قَائِما على أُمُوره بِنَفسِهِ وَلَيْسَ التَّفْوِيض للوزراء من شَأْنه وَكَانَ ابْن تافراجين يظنّ أَنه سيوكل إِلَيْهِ أَمر إفريقية وَينصب مَعَه لملكها الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي بكر شَقِيق زَوجته وَرُبمَا زَعَمُوا أَنه عاهده على ذَلِك
فَكَانَ فِي قلبه من الدولة المرينية مرض وَكَانَ الْعَرَب أَيَّام عزمهم على الْخُرُوج يفاوضونه بِذَات صُدُورهمْ فَلَمَّا حصلوا على البغية من الظُّهُور على السُّلْطَان وحصاره بالقيروان احْتَالُوا فِي أَمر ابْن تافراجين فبعثوا إِلَى السُّلْطَان يطْلبُونَ مِنْهُ بَعثه إِلَيْهِم ليفاوضوه فِي الرُّجُوع إِلَى الطَّاعَة والانخراط فِي سلك الْجَمَاعَة فَأذن لَهُ فَخرج إِلَيْهِم وَوصل يَده بيدهم وَلم يرجع الى السُّلْطَان أبي الْحسن فقلدوه حجابة سلطانهم ابْن أبي دبوس ثمَّ سرحوه إِلَى حِصَار من بالقصبة من بني مرين وطمعوا فِي الإستيلاء عَلَيْهَا وفض ختامها فَسَار ابْن تافراجين إِلَيْهَا وانضم إِلَيْهِ أَشْيَاخ الْمُوَحِّدين فِي زعانف من الغوغاء وَأَحَاطُوا بالقصبة ثمَّ لحق بهم ابْن أبي دبوس فعاودوها الْقِتَال ونصبوا عَلَيْهَا المجانيق فامتنعت عَلَيْهِم وَلم يغنوا شَيْئا وَابْن تافرجين فِي أثْنَاء ذَلِك يحاول الْفِرَار بِنَفسِهِ لاضطراب الْأُمُور واختلال الرسوم إِلَى أَن بلغه خلوص السُّلْطَان أبي الْحسن من القيروان إِلَى سوسة
وَكَانَ من خَبره أَن الْعَرَب بعد حصارهم إِيَّاه بالقيروان اخْتلفت كلمتهم لَدَيْهِ وَكَانَ قد دخل أَوْلَاد مهلهل فِي الإفراج عَنهُ وَاشْترط لَهُم على ذَلِك أَمْوَالًا وَنذر بَنو أبي اللَّيْل بذلك فاضربت كلمتهم وَدخل عَلَيْهِ قُتَيْبَة بن حَمْزَة مِنْهُم بمكانه من القيروان زعيما بِالطَّاعَةِ فتقبله وَأطلق أَخَوَيْهِ خَالِدا وَأحمد وَمَعَ ذَلِك فَلم يطمئن إِلَيْهِم ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مُحَمَّد بن طَالب من أَوْلَاد مهلهل وَخَلِيفَة بن أبي زيد وَأَبُو الهول بن يَعْقُوب من أَوْلَاد الْقوس وَعَاهَدُوهُ على الإفراج عَنهُ وَالْقِيَام مَعَه حَتَّى يصل إِلَى مأمنه فَخرج مَعَهم لَيْلًا على التعبية وذؤبان الْعَرَب تطَأ أذياله وضباعها تنوشه إِلَى أَن اسْتَقر بسوسة وَأمن على نَفسه وَقد أَتَى النهب على جلّ مَا كَانَ مَعَه وَلما سمع ابْن تافراجين وَهُوَ محاصر للقصبة بوصول السُّلْطَان إِلَى سوسة تسلل من أَصْحَابه وَركب الْبَحْر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَأَصْبحُوا وَقد فقدوه فاضطرب أَمرهم وارتاب سلطانهم ابْن أبي دبوس لما علم بِخَبَرِهِ فانفض جمعهم عَن القصبة وأفرجوا عَنْهَا وَخرج بَنو مرين فملكوا الْبَلَد وخربوا منَازِل الْحَاشِيَة بهَا ثمَّ ركب السُّلْطَان أَبُو الْحسن من سوسة الْبَحْر فاحتل بتونس فِي ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين
وَسَبْعمائة فَاجْتمع شَمله واستتب أمره وَكتب إِلَى صَاحب مصر فِي التقبض على ابْن تافراجين فأجاره بعض الْأُمَرَاء وَانْصَرف لقَضَاء فَرِيضَة الْحَج واعتمل السُّلْطَان أَبُو الْحسن فِي إصْلَاح أسوار تونس وإدارة الخَنْدَق عَلَيْهَا وَأقَام لَهَا من الصيانة والحصانة رسما دفع بِهِ فِي نحر عدوه وَبَقِي لَهُ ذكره من بعده ثمَّ أجلب الْعَرَب وسلطانهم ابْن أبي دبوس على تونس ونازلوا أَبَا الْحسن بهَا واستبلغوا فِي حصاره وخلصت ولَايَة أَوْلَاد مهلهل للسُّلْطَان فعول عَلَيْهِم ثمَّ رَاجع بَنو حَمْزَة بصائرهم وصاروا إِلَى مهادنته فعقد لَهُم السّلم وَدخل عَلَيْهِ عمر بن حَمْزَة وافدا فحبسه حَتَّى قبض إخوانه على أَمِيرهمْ ابْن أبي دبوس وقادوه إِلَيْهِ استبلاغا فِي الطَّاعَة وإمحاضا للولاية فَتقبل فئتهم وأودع ابْن أبي دبوس السجْن وَعقد الصهر بَينه وَبَين عمر بن حَمْزَة فزوج ابْنه عمر بِابْنِهِ أبي الْفضل وَاخْتلفت أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْعَرَب على السُّلْطَان أبي الْحسن فِي الطَّاعَة تَارَة والانحراف أُخْرَى مُدَّة إِقَامَته بتونس إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ وَالله غَالب على أمره
انْتِقَاض الْأَطْرَاف وثورة أبي عنان ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن واستيلاؤه على الْمغرب
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان أَبَا بكر الحفصي رحمه الله لما زوج ابْنَته من السُّلْطَان أبي الْحسن بعث مَعَهُمَا فِي زفافها شقيقها أَبَا الْعَبَّاس الْفضل بن أبي بكر وَأَن خبر وَفَاة وَالِده أدْركهُ وَهُوَ بِالطَّرِيقِ وَلما وصل إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن عزاهُ عَن مصاب أَبِيه ووعده بالمظاهرة على ملكه فَبَقيَ عِنْده بتلمسان إِلَى أَن نَهَضَ فِي صحبته إِلَى إفريقية فَلَمَّا غلب السُّلْطَان أَبُو الْحسن على بجاية وقسنطينة وارتحل إِلَى تونس عقد لَهُ على بونة الَّتِي كَانَ يَلِي عَملهَا أَيَّام أَبِيه فَانْقَطع أمله وَفَسَد ضَمِيره وطوى على البث حَتَّى إِذا كَانَت نكبة القيروان سما إِلَى التوثب على ملك سلفه وَكَانَ أهل قسنطينة وبجاية قد سئموا ملكة بني مرين وبرموا بولايتهم لمخالفتهم بعض العوائد الَّتِي كَانَت لَهُم مَعَ الْمُلُوك
الحفصيين وَلِأَن الصبغة الحفصية كَانَت قد رسخت فِي نُفُوسهم جيلا بعد جيل فصعب عَلَيْهِم نَزعهَا
(نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى
…
مَا الْحبّ إِلَّا للحبيب الأول)
(كم منزل فِي الأَرْض يألفه الْفَتى
…
وحنينه أبدا لأوّل منزل)
فأشرأبوا إِلَى الثورة على المرينيين لما سمعُوا بنكبة القيروان وَاتفقَ أَن قدم قسنطينة ركب من أهل الْمغرب قَاصِدين إِلَى السُّلْطَان أبي الْحسن وَكَانَ فيهم عُمَّال الجباية قدمُوا بجبايتهم عِنْد راس الْحول كَمَا جرت بِهِ عَادَتهم فِي ذَلِك وَمَعَهُمْ ابْن صَغِير للسُّلْطَان اسْمه عبد الله وَفِيهِمْ وَفد من رُؤَسَاء الفرنج بَعثهمْ طاغيتهم بِقصد التهنئة بِفَتْح إفريقية وَمَعَهُمْ تاشفين ابْن السُّلْطَان الَّذِي أسر يَوْم طريف أطلقهُ الطاغية بعد أَن أَصَابَهُ خبال فِي عقله وَأرْسل مَعَه بهدية نفيسة وَفِيهِمْ وَفد من أهل مَالِي بَعثهمْ السُّلْطَان منسا سُلَيْمَان بِقصد التهنئة أَيْضا فتوافت هَؤُلَاءِ الْوُفُود بقسنطينة وَقد طم عباب الْفِتْنَة على إفريقية فَأَرَادَ غوغاؤها وانتهاب مَا مَعَهم ثمَّ تخلصوا مِنْهُم فِي خبر طَوِيل
وَفِي أثْنَاء ذَلِك ثار الْفضل بن السُّلْطَان أبي بكر صَاحب بونة فراسله أهل قسنطينة فِي الْقدوم عَلَيْهِم وَالْقِيَام بأمرهم فَقَدمهَا وَجَرت خطوب واتصل بِأَهْل بجاية مَا فعله أهل قسنطينة فتبعوهم على رَأْيهمْ من الانتقاض ووثبوا على من كَانَ عِنْدهم من حامية بني مرين فاستلبوهم وأخرجوهم عُرَاة واستدعوا الْفضل بن أبي بكر من قسنطينة فبادر إِلَيْهِم وَاسْتولى على بجاية واستتب أمره بهَا وَأعَاد ألقاب الْخلَافَة وبينما هُوَ يحدث نَفسه بغزو تونس ثار عَلَيْهِ أَبنَاء أَخِيه أبي عبد الله بن أبي بكر فانتزعوا مِنْهُ بجاية وردوه إِلَى عمله الأول وانتقض على السُّلْطَان أبي الْحسن أَيْضا سَائِر زناتة من بني عبد الواد ومغراوة وَبني توجين وَبَايع بَنو عبد الواد لعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن يغمراسن بن زيان وَسَارُوا إِلَى تلمسان فاستجدوا بهَا ملك سلفهم فِي أَخْبَار طَوِيلَة
وَجَرت هَذِه الخطوب وَالسُّلْطَان أَبُو الْحسن مُقيم بتونس تغاديه الْعَرَب
وقْعَة زَاوِيَة الشرادي وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله
هَؤُلَاءِ الشراردة أصلهم من عرب معقل من الصَّحرَاء وهم طوائف زُرَارَة والشبانات وهم الخلص مِنْهُم ويضاف لَهُم بعض أَوْلَاد دليم وتكنة وذوو بِلَال وَغَيرهم وَكَانَت مَنَازِلهمْ فِي دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله غربي مراكش على بعض يَوْم مِنْهَا فَنَشَأَ فيهم الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس الشرادي من أهل الصّلاح زمن أَصْحَاب الشَّيْخ سَيِّدي أَحْمد بن نَاصِر الدرعي فاعتقدوه وَرُبمَا ناله بعض الْإِحْسَان من السُّلْطَان الْمَذْكُور ثمَّ نَشأ ابْنه السَّيِّد أبي مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس فَجرى مجْرى أَبِيه وَبنى الزاوية المنسوبة إِلَيْهِم واعتقده قومه أَيْضا بل وَغَيرهم
فقد ذكر صَاحب نشر المثاني أَن السَّيِّد مُحَمَّدًا هَذَا لما قدم من الْحَج سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَألف اجتاز بِمَدِينَة فاس فَاجْتمع عَلَيْهِ نَاس مِنْهَا وتلمذوا لَهُ وبنوا لَهُ زَاوِيَة بدرب الدرج من عدوة الأندلس وَأثْنى عَلَيْهِ وعَلى أَبِيه فَانْظُرْهُ ثمَّ جَاءَ ابْنه الْمهْدي بن مُحَمَّد فسلك ذَلِك المسلك أَيْضا وَنَشَأ فِي دولة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله وَاتخذ شَيْئا من كتب الْعلم من غير أَن يكون لَهُ فِيهِ يَد تعْتَبر ثمَّ تظاهر بِمَعْرِِفَة السيميا والحدثان فازداد ناموسه وَتمكن من جهلة قومه وَرُبمَا نمى شَيْء من أمره إِلَى السُّلْطَان فتغافل عَنهُ ثمَّ لما قدم السُّلْطَان رحمه الله مراكش هَذِه الْمرة وجد أمره قد زَاد واستفحل وَكَانَ الشراردة يَوْمئِذٍ قد حسنت حَالهم فأثروا وكثروا وَكَانَ السُّلْطَان قد ولى عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم اسْمه قَاسم الشرادي فَحدث بَينه وَبَين الْمهْدي مَا يحدث بَين المرابطين وأرباب الْولَايَة وَكَانَ رُبمَا التجأ جَان إِلَى زَاوِيَة الْمهْدي فَيقبض عَلَيْهِ الْقَائِد ويخرجه مِنْهَا فاستحكمت الْعَدَاوَة بَين الْقَائِد وَبَين الْمهْدي ثمَّ جرى شنآن بَين الْمهْدي وَبَين بعض قرَابَته ففر ذَلِك الْقَرِيب إِلَى مراكش وَكَانَ الْقَائِد قَاسم بهَا فَشَكا إِلَيْهِ عَمه الْمهْدي فاغتنمها
الْقَائِد وَدخل على السُّلْطَان فشرح لَهُ حَال الْمهْدي وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من التهور والسمو بِنَفسِهِ إِلَى الْمحل الَّذِي لَا يبلغهُ وَأَنه لَا يَسْتَقِيم أَمر المخزن بِتِلْكَ الْقَبِيلَة مَعَه وَلم يزل بِهِ حَتَّى أعطَاهُ السُّلْطَان مِائَتَيْنِ من الْخَيل أغار بهَا على الزاوية فانتهبوها على حِين غَفلَة من أَهلهَا وجلهم غَائِب فِي أَعماله فتسامعوا بِأَن الْخَيل قد عاثت فِي دِيَارهمْ وجاؤوا على الصعب والذلول وأوقعوا بخيل المخزن واستلبوهم من خيلهم وسلاحهم وعادوا إِلَى مراكش راجلين فَعظم ذَلِك على السُّلْطَان واغتاظ وَاتفقَ أَن كَانَ مَعَ السُّلْطَان عَامل مراكش أَبُو حَفْص عمر بن أبي سِتَّة وعامل الرحامنة الْقَائِد قَاسم الرحماني وَكِلَاهُمَا عَدو للشراردة لَا سِيمَا الرحماني فشنعوا فِي ذَلِك بِمحضر السُّلْطَان وأسدوا وألحموا فِي غَزْو الشراردة وتأديبهم حَتَّى لَا يعودوا لمثلهَا وَفِي أثْنَاء ذَلِك نَدم الشراردة على مَا كَانَ مِنْهُم وبعثوا إِلَى السُّلْطَان بالشفاعات وذبحوا عَلَيْهِ وعَلى صلحاء مراكش فَلم يقبل مِنْهُم وَيُقَال إِن ذَلِك لم يكن يبلغ السُّلْطَان لِأَن النَّقْض والإبرام إِنَّمَا كَانَ لعمر بن أبي سِتَّة وقاسم الرحماني وَكَانَ السُّلْطَان رحمه الله كالمغلوب على أمره مَعَهُمَا فَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى بعث إِلَى قبائل الْحَوْز يستنفرهم لغزو الشراردة فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وَكَانَ مَعَه جَيش الودايا وكبارهم مثل الطَّاهِر بن مَسْعُود الحساني والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر وَغَيرهمَا وَمَعَهُ الْقَائِد مُحَمَّد بن العامري فِي بني حسن وَغَيرهم من قبائل الغرب
وَلما أجمع السُّلْطَان الْخُرُوج إِلَيْهِم قدم أَمَامه قاسما الرحماني إِذْ كَانَ قد تكفل لَهُ بِأَن يَكْفِيهِ أَمر الشراردة وَحده فَكَانَ متسرعا إِلَيْهِم قبل كل أحد فرابط بِعَين دادة ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا والوسائط تَتَرَدَّد بَين السُّلْطَان وَبَين الشراردة وكادت كلمتهم تخْتَلف إِذْ قَامَ فيهم رجل مرابط اسْمه الحبيب من أَوْلَاد سَيِّدي أَحْمد الزاوية وَبعث نَحْو الْأَرْبَعين من الشراردة إِلَى السُّلْطَان سعيا فِي الصُّلْح فَأَشَارَ الرحماني وَابْن أبي سِتَّة فِيمَا قيل على السُّلْطَان بِالْقَبْضِ
عَلَيْهِم فَقبض عَلَيْهِم وحيزت خيلهم وسلاحهم فشرى الدَّاء وأعوز الدَّوَاء ثمَّ زحف السُّلْطَان وانتشبت الْحَرْب أول النَّهَار وَلما اشْتَدَّ الْحر وَكَانَ الزَّمَان زمَان مصيف تحاجزوا ثمَّ عَاد قَاسم الرحماني فأنشب الْحَرْب مَعَ الْعشي فَكَانَت الدبرة عَلَيْهِ وَقتل وَحمل رَأسه على رمح وَانْهَزَمَ جَيش المخزن وَوَقع الفشل فِي الْمحلة فتفرقت الْقَبَائِل وَبَاتُوا لَا يلوون على شَيْء وَلما طلع النَّهَار لم يبْق مَعَ السُّلْطَان إِلَّا جَيش المخزن فزحف الشراردة إِلَى الْمحلة وَرَأَوا السُّلْطَان قد بَقِي فِي قلَّة فطمعوا فِيهِ وأنشبوا الْحَرْب فَانْهَزَمَ الْجَيْش الَّذين كَانُوا مَعَ السُّلْطَان وَتركُوا الْمحلة بِمَا فِيهَا فتوزعتها الشراردة شذر مذر وانحاز السُّلْطَان فِي حَاشِيَته وَقصد مراكش فلقيتهم فِي طريقهم ساقية مَاء حبستهم عَن الْمُرُور وخالط الشراردة الْقَوْم الَّذين كَانُوا مَعَ السُّلْطَان وَجعلُوا يستلبون من ظفروا بِهِ مِنْهُم وتراكم المنهزمة على السُّلْطَان ولجؤوا إِلَيْهِ وَقتل الشراردة عمر بن أبي سِتَّة خلف ظَهره
وَلما رأى السُّلْطَان رحمه الله ذَلِك نَادَى فِي النَّاس أَن لَا يقتل أحد نَفسه على وَلَا على هَذِه الأسلاب أعطوهم مِنْهَا مَا شاؤوا وَاجْتمعَ نَحْو الْعشْرين من كبار الشراردة وتقدموا إِلَى السُّلْطَان فَقَالُوا يَا مَوْلَانَا تحيز إِلَيْنَا لِئَلَّا تصيبك الْعَامَّة فانحاز إِلَيْهِم وَكَانَ رَاكِبًا على بغلته فالتفوا عَلَيْهِ وَسَارُوا بِهِ إِلَى زاويتهم وأنزلوه بِالدَّار الْمَعْرُوفَة عِنْدهم بدار الْمَوْسِم واحترموه وغدوا وراحوا فِي خدمته وَكَانَ مَعَ وصيفه فرجى صَبيا صَغِيرا وَهُوَ الَّذِي ولي إِمَارَة فاس الْجَدِيد فِي دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَكَانَ مَعَه أَيْضا عبد الْخَالِق بن كريران الحريزي شَابًّا كَمَا بقل عذاره وَبَقِي عِنْدهم ثَلَاثَة أَيَّام وَحَضَرت الْجُمُعَة فَصلاهَا عِنْدهم وخطبوا بِهِ وَمن الْغَد ركبُوا مَعَه وصحبوه إِلَى مراكش إِلَى أَن وصلوا إِلَى عين أبي عكاز فودعوه وَرَجَعُوا وَمِمَّا قَالَ لَهُم عِنْد الْوَدَاع إِن الَّذين أَرَادوا أَن يفتحوا بَاب الْفِتْنَة على النَّاس قد سد الله أَبْوَابهَا برؤوسهم يَعْنِي الرحامنة وَبعد وُصُول السُّلْطَان إِلَى مراكش
بِيَوْم أَو نَحوه عدا الرحامنة على مُحَمَّد بن أبي سِتَّة فَقَتَلُوهُ بِسَبَب أَن الشراردة كَانُوا قد أسروه ثمَّ استحيوه وَاتَّخذُوا عِنْده عهدا ويدا بِأَنَّهُ إِذا أفضت إِلَيْهِ ولَايَة مراكش بعد أَخِيه عمر الْمَقْتُول يحسن فِي إدارة أَمرهم عِنْد السُّلْطَان فَسمع الرحامنة بذلك فَقَتَلُوهُ
قَالَ صَاحب الْجَيْش لما عزم السُّلْطَان على الْخُرُوج إِلَى زَاوِيَة الشرادي بَعَثَنِي قبل ذَلِك بِثَلَاث إِلَى السوس فِي شَأْن ابْن أَخِيه الْمولى بناصر بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ عَاملا عَلَيْهَا فكثرت الشكايات بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَبَعَثَنِي فِي شَأْنه فَلَمَّا جِئْت تارودانت تربصت قَلِيلا فَلم يفجأنا إِلَّا خبر الْهَزِيمَة على السُّلْطَان بالروايات الْمُخْتَلفَة فَقَائِل يَقُول إِنَّه قد قتل وَآخر يَقُول إِنَّه قد مَاتَ حتف أَنفه وَآخر يَقُول لَا بَأْس عَلَيْهِ ثمَّ ورد علينا كِتَابَانِ من عِنْد السُّلْطَان أَحدهمَا بِخَط الْكَاتِب مطبوعا وَالْآخر بِخَط يَده تَحْقِيقا لسلامته يَقُول فِيهِ إِن هَذِه الْحَرَكَة مَا وَقعت إِلَّا لهلاك الظلمَة والملبسين علينا المظهرين للمحبة لنا وهم فِي الْبَاطِن أعدى الأعادي مثل قَاسم الرحماني وَفُلَان وَفُلَان وَأما أَوْلَاد أبي سِتَّة فقد قتل زُرَارَة عمر على رَائِحَة الرحامنة وَقتل الرحامنة مُحَمَّدًا على رَائِحَة أهل السوس والشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الْجَلِيل الوزاني أَصَابَته رصاصة رِعَايَة رحمه الله عَلَيْهِ وَالْحَاصِل هان علينا كسر الخابية بِمَوْت الفار وَقد أَحْسَنت فِي التَّرَبُّص فاترك الْأَمر على طيته واصحب مَعَك أَشْيَاخ السوس وعدهم منا بِالْإِحْسَانِ ومساعدتهم على مَا يطلبونه منا وَالسَّلَام اه
وَلما دخل السُّلْطَان مراكش رَاجع الْقَوْم الَّذين انْهَزمُوا عَنهُ بصائرهم وَأَقْبلُوا إِلَيْهِ خاضعين تَائِبين وعَلى أبوابه فِي الْعَفو راغبين فَمَا وَسعه إِلَّا الْإِعْرَاض عَن أفعالهم الذميمة وطاعتهم السقيمة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه ثمَّ أَمرهم بالتهيىء لغزو برابرة الغرب فتوجهوا إِلَى بِلَادهمْ ليأتوا بحصصهم إِلَى عيد المولد الْكَرِيم فانقضى أَجله رَحمَه الله
وإعلانا وأبقينا طَائِفَة من جيشنا السعيد عِنْد قبائل الرِّيف زِيَادَة فِي الاطمئنان والتأليف بِقصد اسْتِيفَاء مَا بذممهم من الْوَاجِب واستخلاص مَا تعلق بهم من الْحُقُوق الَّتِي ألزموها ضَرْبَة لازب وَذَلِكَ كُله من تيسير الله ورفده وفضله على عَبده فَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْده فَأَما نَحن فَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة وَلَا أنصار مرجوة وَلَا نعتمد على عدَّة وَلَا عدد بل على فَضله تَعَالَى الْمعول وَالْمُعْتَمد عرفنَا الله حق النِّعْمَة وألهمنا شكرها وحمدها وأجرانا على عوائده الجميلة وفوائده الجليلة الَّتِي لَا يقدر قلم الواصف أَن يدْرك حصرها وَحدهَا وَقد اقْتضى نَظرنَا العالي بِاللَّه إعلامكم بذلك لِتَأْخُذُوا حظكم من الْفَرح بتأييد الله وَنَصره وتخلصوا فِي حمد نعمه الجزيلة وشكره وَالسَّلَام فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان عَام ثَلَاثَة وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه اسْتمرّ السُّلْطَان أعزه الله مُقيما بفاس وجد فِي بِنَاء مقاصيره ومنتزهاته ببستان آمِنَة من فاس الْجَدِيد وَكتب أيده الله إِلَى وصيفه أَحْمد بن مَالك قَائِد الْجَيْش السُّوسِي بالمنشية من حَضْرَة مراكش أَن بيني لَهُ على الْبَاب الْمَعْرُوف بِبَاب الرئيس من الدَّار الْكُبْرَى بالحضرة المراكشية قبَّة فارهة ويبالغ فِي رَفعهَا وتنجيدها وتنميقها فشرع فِيهَا فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَكُنَّا يَوْمئِذٍ نتولى إحصاء صائرها وصائر غَيرهَا من البناءات المراكشية فَكَانَ مَا صير على الْقبَّة وَحدهَا أَكثر من مائَة ألف مِثْقَال وَكَذَلِكَ بنى بمكناسة الْقبَّة الْعَظِيمَة الَّتِي طاولت السَّمَاء ترفعا وَذَهَبت فِي الجو صعدا بِحَيْثُ أشرفت على مَا حولهَا من بسيط سائس وَغَيره حَتَّى صَارَت مثلا فِي الطول والاشتهار وَبنى أعزه الله قبَّة عَظِيمَة حفيلة على ضريح الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الصَّالح ابْن الْمُعْطِي الشرقاوي بِأبي الْجَعْد فصير عَلَيْهَا أَكثر من ثَلَاثِينَ ألف مِثْقَال تقبل الله مِنْهُ
وَفِي عَاشر شَوَّال من هَذِه السّنة أَعنِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الناسك قَاضِي رِبَاط الْفَتْح أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن الْفَقِيه الْعَلامَة السَّيِّد أَحْمد بن التهامي البريبري وَدفن بزاوية حنصالة من الْبَلَد الْمَذْكُور وَكَانَ رحمه الله من أمثل قُضَاة الْوَقْت وَمن المتحريين للعدل ولي
الْقَضَاء برباط الْفَتْح أَكثر من عشْرين سنة ثمَّ تخلى عَنهُ من غير عزل وَدخل دَاره فَلم يخرج بعد فَاحْتمل السُّلْطَان وَالنَّاس ذَلِك واعتقدوه وَاسْتمرّ حَاله على ذَلِك إِلَى أَن توفّي فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور رحمنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع وَالْعِشْرين من محرم مِنْهَا توفّي الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب شَاعِر الْعَصْر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد أكنسوس المراكشي وَدفن قرب ضريح الإِمَام أبي الْقَاسِم السُّهيْلي خَارج بَاب الرب من مراكش وَحضر جنَازَته الجم الْغَفِير من النَّاس وَهُوَ صَاحب كتاب الْجَيْش رحمه الله
وَفِي صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع عشر من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة ولد لنا ولد سميناه مُحَمَّدًا الْعَرَبِيّ وَكَانَ من عَجِيب صنع الله أَنه ولد مختونا وَلذَا ذَكرْنَاهُ هُنَا وَهُوَ الْآن حَيّ أصلحه الله وأنبته نباتا حسنا وَجعله من عباد الله الصَّالِحين وَمن الْعلمَاء العاملين آمين وَفِي جُمَادَى الأولى من السّنة أَخذ السُّلْطَان أعزه الله فِي الاستعداد بالحضرة الفاسية للحركة اسْتِعْدَادًا لم يتَقَدَّم لَهُ مثله حَتَّى أَنه كتب إِلَى أَخِيه وخليفته بمراكش الْمولى عُثْمَان بن مُحَمَّد أَن يُوَجه إِلَيْهِ من الْعدة الرومية وَهِي مكاحل مركبة فِيهَا توافلها مَا قدرهَا ألف وسِتمِائَة وَعِشْرُونَ مكحلة تخرج أبخاشها بالحبة الرومية وَأَن يُوَجه إِلَيْهِ أَرْبَعمِائَة ألف وَعشرَة آلَاف من الْحبَّة الْمَذْكُورَة وَعشرَة قناطير من البارود وَمِائَة قِنْطَار من ملحه ومدفعين وَكتب أعزه الله إِلَى أُمَنَاء الصائر بِأَن يبعثوا إِلَيْهِ بثلاثمائة وَسِتِّينَ سرجا وسِتمِائَة كسْوَة من الملف للعسكر وَخَمْسَة عشر ألفا من الْبلْغَة وَمثلهَا من النعالة وَبعث أعزه الله عَمه الْمولى الْأمين بن عبد الرَّحْمَن إِلَى رِبَاط الْفَتْح لجمع عَسَاكِر الثغور وحشد قبائل دكالة وتامسنا والغرب وَبني حسن وَغَيرهم وَوجه أَخَاهُ الْمولى الْحسن الصَّغِير لحشد قبائل الدَّيْر والجيش المتفرق بهَا ثمَّ كَانَ خُرُوج السُّلْطَان من فاس إِلَى مكناسة أَوَاخِر الشَّهْر الْمَذْكُور وَلما سَمِعت قبائل البربر بِخُرُوجِهِ ارتابت وحذرت وظنت كل قَبيلَة أَنَّهَا الْمَقْصُودَة ففرت مجاط وَبَنُو مطير إِلَى رُؤُوس الْجبَال
وفرت عرب عَامر من بني حسن إِلَى زمور الشلح وَكَانَ النَّاس يظنون أَن السُّلْطَان يَغْزُو فِي هَذِه السّنة برابرة الْجبَال والصحراء فَخرج الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك
وَفِي هَذِه الْمدَّة وَفد على السُّلْطَان أيده الله عدَّة باشدورات للآجناس مثل باشدور الفرنسيس والإصبنيول والبرتغال وَتكلم الفرنسيس فِي شَأْن بابور الْبر والتلغراف وإجرائهما بالمغرب كَمَا هما بِسَائِر بِلَاد الْمَعْمُور وَزعم أَن فِي ذَلِك نفعا كَبِيرا للْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَهُوَ الله عين الضَّرَر وَإِنَّمَا النَّصَارَى أجربوا سَائِر الْبِلَاد فأرادوا أَن يجربوا هَذَا الْقطر السعيد الَّذِي طهره الله من دنسهم نَسْأَلهُ سُبْحَانَهُ أَن يكْتب كيدهم ويحفظ الْمُسلمين من شرهم ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان نَصره الله من مكناسة فِي أواسط رَجَب فِي جمع وافر وعدة كَامِلَة فاجتاز بِبِلَاد زمور الشلح فأظهروا لَهُ غَايَة الطَّاعَة والخضوع وقدمت عَلَيْهِ وفودهم من كل جَانب رافعين أعلامهم وشارتهم وزينتهم الَّتِي يستعملونها فِي مواسمهم وأعيادهم وأدوا لَهُ من المَال والمؤن والضيافات مَا استكثر النَّاس ذَلِك وتحدثوا بِهِ ثمَّ زحف إِلَى عرب السهول من أَعمال سلا فأوقع بهم وشرد بهم من خَلفهم وَكتب أعزه الله فِي الْعشْرين من رَمَضَان إِلَى الْآفَاق يعلمهُمْ بِمَا أتاح الله لَهُ من الظُّهُور والنصر والسعادة وخضوع قبائل البربر لَهُ وتباريهم فِي طَاعَته وخدمته وبذلهم من الجباية مَا لم يَكُونُوا يبذلون الْقَلِيل مِنْهُ لغيره وَذكر فِي كِتَابه أَن ذَلِك كُله بمحض فضل الله ومجاري السَّعَادَة وَحسن السياسة من غير ضرب وَلَا طعن وَلَا سفك دم حَتَّى أَن قَبيلَة بني حكم قد أظهرُوا بعض الاعوجاج فَقَامَ إِلَيْهِم إخْوَانهمْ من زمور فَقومُوا اعوجاجهم حَتَّى فاؤوا إِلَى أَمر الله وَكفى الله السُّلْطَان أَمرهم ثمَّ ذكر فِي كِتَابه أعزه الله أَمر السهول وَأَنه بعد أَن أوقع بهم أَمر بِجمع فَلهم وَرَأى استصلاح كلهم تَأْمِين جلهم لعمارة بِلَادهمْ بهم رَجَاء نفع مَا تقدم من أدبهم
وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الرَّابِع عشر من شعْبَان من السّنة خسف الْقَمَر خسوفا
كليا بِحَيْثُ ذهب نوره واختفى شخصه حَتَّى لم ير مِنْهُ شَيْء وَبَقِي كَذَلِك نَحْو ساعتين ثمَّ أَخذ فِي التجلي شَيْئا فَشَيْئًا إِلَى أَن عَاد إِلَى امتلائه وَفِي هَذِه الْمدَّة قلت فلوس النّحاس بمراكش وأعمالها حَتَّى كَادَت تنعدم وَذَلِكَ بِسَبَب غلاء الريال الإفرنجي بمراكش ورخصه بفاس فَكَانَ صرفه بمراكش يَوْمئِذٍ بِثَلَاث وَسِتِّينَ أُوقِيَّة وَصَرفه بفاس بِثَلَاث وَخمسين أُوقِيَّة فَصَارَ التُّجَّار يجلبون فلوس النّحاس من مراكش إِلَى فاس ويصرفونها بالريال فيربحون فِي كل ريال نَحْو مِثْقَال وتمالؤوا على ذَلِك وتوفرت دواعيهم عَلَيْهِ حَتَّى قلت الْفُلُوس بمراكش وتقاعد النَّاس عَلَيْهَا لما فِيهَا من الرِّبْح وتعطل معاش الضُّعَفَاء بذلك وَلحق النَّاس ضَرَر كثير فَكَانَ الرجل يطوف بالبسيطة والريال فِي الْأَسْوَاق فَلَا يجد من يصرفهُ لَهُ وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ أَن يَشْتَرِي من ضروريات معاشه مَا قِيمَته أقل من بسيطة واتصل الْخَبَر بالسلطان أعزه الله فَكتب فِي الْآفَاق يَأْمر النَّاس برد صرف الريال إِلَى الثَّلَاثَة مَثَاقِيل وَربع مِثْقَال فامتثل النَّاس ذَلِك وَنُودِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق فانعكس الْحَال على التُّجَّار وتقاعدوا على الريال والبسيطة وفاضت الْفُلُوس فِي الْأَسْوَاق حَتَّى صَارَت مُعَاملَة النَّاس لَيست إِلَّا بهَا وَحصل للتجار من الضَّرَر فِي رخص الريال مَا كَانَ حصل للضعفاء فِي قلَّة الْفُلُوس لِأَن التُّجَّار حِينَئِذٍ صَارُوا يبيعون سلعهم الَّتِي بذلوا فِيهَا الريال الغالي بالقراريط النحاسية الَّتِي صَار صرف الريال فِيهَا على النّصْف فَأمْسك النَّاس سلعهم وامتنعوا من بيعهَا وتعطلت الْمرَافِق أَو كَادَت فَكتب السُّلْطَان ثَانِيًا برد أسعار السّلع والأقوات على النّصْف مِمَّا كَانَت حَتَّى تحصل الْمُسَاوَاة بَين الْأَثْمَان والمثمنات فَنَشَأَ بذلك هرج كَبِير وضرر للنَّاس فِي معاشهم وأبى الله إِلَّا أَن تعود السِّكَّة إِلَى حالتها الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا وَقد بَينا الْعلَّة فِي ذَلِك قبل هَذَا وَأَن السكَك والأسعار لَا تزَال فِي الزِّيَادَة مَا دَامَت المخالطة مَعَ الفرنج تكْثر بكثرتها وتقل بقلتها
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث رَمَضَان من السّنة توفّي عَالم الْمغرب السَّيِّد الْمهْدي بن الطَّالِب ابْن سَوْدَة الفاسي كَانَ عَلامَة متقنا فصيحا عَارِفًا بصناعة الدَّرْس حسن الْإِيرَاد فِيهِ بِحَيْثُ فاق أهل زَمَانه يُقَال إِن لَهُ تآليف لَكِن لم