الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عبد الْحق إِدْرِيس أسنمة من الرخام ونقشها بِالْكِتَابَةِ ورتب عَلَيْهَا قراء لتلاوة الْقُرْآن ووقف على ذَلِك ضيَاعًا وأرضا تسع حرث أَرْبَعِينَ زوجا رحم الله الْجَمِيع بمنه
وَفَاة السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله
وَفِي آخر ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة مرض السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق مَرضه الَّذِي توفّي مِنْهُ فَلم يزل ألمه يشْتَد وحاله يضعف إِلَى أَن توفّي بقصره من الجزيرة الخضراء من ارْض الأندلس فِي ضحى يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم فاتح سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَحمل إِلَى رِبَاط الْفَتْح من بِلَاد العدوة فَدفن بِمَسْجِد شالة وقبره الْيَوْم طامس الْأَعْلَام رحمه الله
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق وَسيرَته
كَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله أَبيض اللَّوْن تَامّ الْقد معتدل الْجِسْم حسن الْوَجْه وَاسع الْمَنْكِبَيْنِ كَامِل اللِّحْيَة معتدلها أشيب نقي الْبيَاض حَلِيمًا متواضعا جوادا مظفرا مَنْصُور الرَّايَة مَيْمُون النقيبة لم يقْصد جَيْشًا إِلَّا هَزَمه وَلَا عدوا إِلَّا قهره وَلَا بَلَدا إِلَّا فَتحه صواما قواما دَائِم الذّكر كثير الْبر لَا تزَال سبحته فِي يَده مقربا للْعُلَمَاء مكرما للصلحاء صادرا فِي أَكثر أُمُوره عَن رَأْيهمْ وَلما استقام لَهُ الْأَمر بنى المرستانات للمرضى والمجانين ورتب لَهُم الْأَطِبَّاء لتفقد أَحْوَالهم وأجرى على الْكل المرتبات والنفقات من بَيت المَال وَكَذَا فعل بالجذمى والعمي والفقراء رتب لَهُم مَالا مَعْلُوما يقبضونه فِي كل شهر من جِزْيَة الْيَهُود وَبنى الْمدَارِس لطلبة الْعلم ووقف عَلَيْهَا الْأَوْقَاف وأجرى عَلَيْهِم بهَا المرتبات كل ذَلِك ابْتِغَاء ثَوَاب الله تَعَالَى نَفعه الله بِقَصْدِهِ
فراودوه على الْإِتْيَان فَامْتنعَ ثمَّ بعث إِلَيْهِ ثَانِيًا فَأبى ثمَّ ثَالِثا فَأبى فَكتب إِلَيْهِ بِالْعَفو مرَارًا فَلم يقبل وتصدى للْخلاف وكشف وَجه الْعِصْيَان وَصَارَ يكْتب لوالده بِمَا يحفظه هَكَذَا زعم الصياني وَلَا يخفى أَن الرجل كَانَ مناوئا لَهُ فَلَا يَنْبَغِي أَن نسْمع مِنْهُ جَمِيع مَا ينْسبهُ إِلَيْهِ وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
ثمَّ إِن السُّلْطَان بعث إِلَيْهِ شقيقه الْمولى مسلمة فِي عَسْكَر وَأمره أَن ينزل بِقُرْبِهِ ويضيق عَلَيْهِ ويمنعه النُّزُول من الْحرم ثمَّ بعث إِلَيْهِ عسكرا آخر مَعَ الْقَائِد الْعَبَّاس البُخَارِيّ فنزلوا بِقرب الْحرم من النَّاحِيَة الْأُخْرَى وضيقوا عَلَيْهِ حَتَّى منعُوهُ التصوف بِكُل حَال وَفِي مُدَّة مقَامه هُنَالك أَخذ فِي تأسيس دَاره وَبِنَاء مَسْجده وَلَا زَالَت جدرانها قَائِمَة أَسْفَل الْجَبَل إِلَى الْآن وَاسْتمرّ الْمولى يزِيد محصورا هُنَالك إِلَى أَن بلغه خبر وَفَاة أَبِيه رحمه الله فَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله
لما اعْتصمَ الْمولى يزِيد بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رضي الله عنه وراوده السُّلْطَان على النُّزُول مرَارًا فَأبى نَهَضَ إِلَيْهِ من مراكش وَأَرَادَ أَن يحضر عِنْده بِنَفسِهِ لَعَلَّه تسكن نَفسه وَيذْهب مَا بصدره من الْجزع والنفرة وَكَانَ عِنْد خُرُوجه من مراكش بِهِ مرض خَفِيف فَتحمل الْمَشَقَّة وجد السّير فتزايد بِهِ الْمَرَض فِي الطَّرِيق فوصل إِلَى أَعمال رِبَاط الْفَتْح فِي سِتَّة أَيَّام فَأَدْرَكته منيته رحمه الله وَهُوَ فِي محفته على نَحْو نصف يَوْم أَو أقل من رِبَاط الْفَتْح فَأَسْرعُوا بِهِ إِلَى دَاره من يَوْمه ذَلِك وَهُوَ يَوْم الْأَحَد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من رَجَب سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وَألف وَمن الْغَد اجْتمع النَّاس لجنازته وانحشروا من كل وَجه فَجهز وَدفن بقبة من قباب دَاره وتأسف النَّاس لفقده خَاصَّة وَعَامة رحمه الله وَرَضي عَنهُ
وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف غزا السُّلْطَان رحمه الله قَبيلَة زمور الثَّلج وَكَانَ بمكناسة فَكتب أَولا لِابْنِهِ وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش فَنَهَضَ مِنْهَا وَمر على تادلا فأوقع ببني مُوسَى وَقطع مِنْهُم أَرْبَعَة وَسِتِّينَ رَأْسا وَقبض على مائَة وَخمسين مسجونا وَكَانُوا قد قتلوا عاملهم أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن زيدوح ثمَّ دخل الْخَلِيفَة رِبَاط الْفَتْح يَوْم الِاثْنَيْنِ الْحَادِي عشر من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بِهِ إِلَى يَوْم السبت السَّادِس عشر مِنْهُ ثمَّ عبر الْوَادي وَنزل بقرميم من أَعمال سلا ثمَّ سَار من الْغَد وَبَات بسيدي علال البحراوي فَأَقَامَ هُنَالك يَوْمَيْنِ ثمَّ رَحل فَنزل بتيفلت وَأقَام أَيَّامًا ثمَّ تقدم إِلَى دَار ابْن الْغَازِي وَكَانَ السُّلْطَان رحمه الله قد خرج من مكناسة فَنزل الخمسينات وَشن الغارات على زمور فتوغلوا فِي الْجبَال فانتسف السُّلْطَان أَمْوَالهم وَأكل زُرُوعهمْ حَتَّى أشجاهم ثمَّ ارتحل عَنْهُم إِلَى مراكش وارتحل الْخَلِيفَة إِلَى فاس وَذَلِكَ فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة من السّنة وَمن هَذَا التَّارِيخ صَار السُّلْطَان والخليفة رحمهمَا الله يغزوانهم كل سنة ويجتمعان عَلَيْهِم فتنتسف الْجنُود زُرُوعهمْ وَأَمْوَالهمْ حَتَّى أضرّ بهم الْحَال وأشرفوا على الْهَلَاك وكادت تعدم عِنْدهم الأقوات وأذعنوا إِلَى الطَّاعَة طَوْعًا وَكرها وَلما نَهَضَ السُّلْطَان عَنْهُم فِي هَذِه الْمرة كتب كتابا يَقُول فِيهِ وَبعد فَإِن فَسَاد زمور يعرفهُ الْخَاص وَالْعَام وَالْجُمْهُور أَشد سوادا من اللَّيْل وَأقوى مضاهاة بالسيل وطالما ذَكَرْنَاهُمْ ووعظناهم وحذرناهم وأنذرناهم وغضضنا الطّرف عَنْهُم مقابلين شدتهم باللين وتحريكهم بالتسكين فأطغاهم الْعجب وأبطرهم وغطى الشَّرّ سمعهم وبصرهم {وَمن يرد الله فتنته فَلَنْ تملك لَهُ من الله شَيْئا} الْمَائِدَة 41 وَلما رَأينَا ضلالهم لم يسفر عَنهُ صبح الإقلاع وشعائر الْإِسْلَام استولت عَلَيْهَا يَد الضّيَاع استنهضنا إِلَيْهِم الجيوش المنصورة الَّتِي لم تزل ألوية الْفَتْح أمامها بحول الله منشورة واستقدمنا ولدنَا الأبر سَيِّدي مُحَمَّدًا حفظه الله من مراكش فِي جَيش يقدمهُ الْيمن والإقبال ويسوقه السعد فِي الْمقَام والترحال ونهضنا نَحن من مكناسة الزَّيْتُون فِي جَيش شحن الفضاء وملأ النواحي والأرجاء خيلا ورجالا خفافا وثقالا وَكُنَّا فِيمَا تقدم