الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الِاثْنَيْنِ سَابِع ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بقصر الْمجَاز ثمَّ سَار إِلَى حَضْرَة فاس فَدَخلَهَا ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى مِنْهَا ولحين استقراره بهَا خرج عَلَيْهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن عبد الْحق فِي بنيه وَإِخْوَته وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِ وَلحق بجبال ورغة ودعا لنَفسِهِ فسرح إِلَيْهِ السُّلْطَان يُوسُف أَخَاهُ أَبَا معرف مُحَمَّد بن يَعْقُوب فَبَدَا لَهُ فِي النُّزُوع إِلَيْهِم فلحق بهم وشايعهم على رَأْيهمْ من الْخلاف فأغزاهم السُّلْطَان يُوسُف عساكره وردد إِلَيْهِم الْبعُوث والكتائب ثمَّ تلطف فِي استنزال أَخِيه حَتَّى نزل على الْأمان وفر بَنو إِدْرِيس إِلَى تلمسان فَقبض عَلَيْهِم اثناء طريقهم وَجِيء بهم فِي الْحَدِيد إِلَى تازا فَبعث السُّلْطَان يُوسُف أَخَاهُ أَبَا زيان فَقَتلهُمْ خَارج بَاب الشَّرِيعَة مِنْهَا فِي رَجَب من السّنة ورهب الأعياص من بني عبد الْحق يَوْمئِذٍ وخافوا بادرة السُّلْطَان يُوسُف فَلَحقُوا بغرناطة ملتفين على بني إِدْرِيس مِنْهُم ثمَّ ارتحل السُّلْطَان فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة إِلَى مراكش لتمهيد نَوَاحِيهَا وتثقيف أطرافها فَدَخلَهَا فِي شَوَّال وَأقَام بهَا إِلَى رَمَضَان الْقَابِل من سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فَنَهَضَ من مراكش لغزو عرب معقل بصحراء درعة لأَنهم كَانُوا قد اضروا بالرعايا وأفسدوا السابلة فَسَار إِلَيْهِم فِي اثْنَي عشر الْفَا من الْخَيل وَمر على بِلَاد هسكورة مُعْتَرضًا جبل درن وأدركهم نواجع بالقفر فأثخن فيهم بِالْقَتْلِ والسبي واستكثر من رؤوسهم فعلقت بشرفات مراكش وسجلماسة وفاس وقفل من غَزوه آخر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة الى مراكش فنكب مُحَمَّد بن عَليّ بن محلى عاملها الْقَدِيم الْولَايَة بهَا من لدن انْقِرَاض الدولة الموحدية لما وَقع من الإرتياب بأولاد محلى بِكَثْرَة خُرُوجهمْ على الدولة وَكَانَت نكبته غرَّة محرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَهلك فِي السجْن فِي صفر الموَالِي لَهُ وَعقد السُّلْطَان يُوسُف على مراكش وأعمالها لمُحَمد بن عطوا الجاناتي من موَالِي دولتهم وَلَاء حلف وَترك مَعَه ابْنه أَبَا عَامر عبد بن يُوسُف ثمَّ ارتحل السُّلْطَان يُوسُف إِلَى فاس فَدَخلَهَا منتصف ربيع من السّنة الْمَذْكُورَة
قدوم بني اشقيلولة على السُّلْطَان يُوسُف بسلا وإقطاعه إيَّاهُم قصر كتامة وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد تقدم لنا أَن بني اشقيلولة كَانُوا من وُجُوه الأندلس وَأهل الرياسة بهَا حَتَّى صاهرهم ابْن الْأَحْمَر بابنته وَأُخْته وَقَامُوا مَعَه فِي إِثْبَات قَوَاعِد ملكه ثمَّ انحرفوا عَنهُ إِلَى مُوالَاة بني مرين وَنزل مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي الْحسن مِنْهُم إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب عَن مالقة وَكَانَ عَمه أَبُو إِسْحَاق بن أبي الْحسن صَاحب وَادي آش وأعمالها واتصل ذَلِك فِي بنيه إِلَى أَن بُويِعَ السُّلْطَان يُوسُف فَقَامُوا بدعوته فِيهَا ثمَّ حصلت المصافاة وتأكدت الْمَوَدَّة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر على مَا أسلفناه آنِفا فَطلب ابْن الْأَحْمَر من السُّلْطَان يُوسُف أَن ينزل لَهُ عَن وَاد آش الَّتِي هِيَ لبني اشقيلولة المتمسكين بدعوته كَمَا نزل لَهُ عَن غَيرهَا من الثغور فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِلَى ذَلِك وَكتب إِلَى أبي الْحسن بن إِسْحَاق بن اشقيلولة يَأْمُرهُ بالتخلي لَهُ عَنْهَا فَتَركهَا لَهُ وَعبر هُوَ وحاشيته الْبَحْر إِلَى السُّلْطَان يُوسُف سنة سبع وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة فَلَقِيَهُ بِمَدِينَة سلا فَأعْطَاهُ السُّلْطَان يُوسُف الْقصر الْكَبِير وأعماله طعمه سوغه إِيَّاهَا فَلم تزل ولَايَته متوارثة فِي بنيه حَتَّى انقرضوا آخر دولة بني مرين واستمكن ابْن الْأَحْمَر من وَادي آش وحصونها وَلم يبْق لَهُ بالأندلس مُنَازع من قرَابَته وَالله أعلم
حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَعُثْمَان بن يغمراسن بن زيان صَاحب تلمسان
قد تقدم لنا أَن يغمراسن لما حَضرته الْوَفَاة أوصى ابْنه عُثْمَان أَن لَا يحدث مَعَ بني مرين حَربًا وَلَا يوافقهم فِي زحف مَا اسْتَطَاعَ لاستغلاظ أَمرهم عَلَيْهِ بملكهم الْمغرب الْأَقْصَى وأعماله وَأَن عُثْمَان قد عمل على ذَلِك فأوفد أَخَاهُ مُحَمَّد بن يغمراسن على السُّلْطَان يَعْقُوب بالأندلس وَعقد مَعَه السّلم
وَرجع إِلَى أَخِيه كَمَا تقدم وَلما ولي السُّلْطَان يُوسُف وقفل من مراكش إِلَى فاس فِي هَذِه الْمرة بعد أَن ترك ابْنه أَبَا عَامر عبد الله مَعَ مُحَمَّد بن عطوا عَامل مراكش ثار أَبُو عَامر الْمَذْكُور بهَا وخلع طَاعَة أَبِيه ودعا إِلَى نَفسه وشايعه ابْن عطوا على ذَلِك واتصل الْخَبَر بالسلطان يُوسُف وَهُوَ بفاس فأسرع السّير إِلَى مراكش وبرز إِلَيْهِ ابْنه أَبُو عَامر فَاقْتَتلُوا ثمَّ انهزم أَبُو عَامر فَعَاد إِلَى مراكش واكتسح بَيت المَال بهَا وفر إِلَى تلمسان وَمَعَهُ ابْن عطوا الْمَذْكُور فقدماها سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فآواهم عُثْمَان بن يغمراسن ومهد لَهُم الْمَكَان فلبثوا عِنْده مَلِيًّا
ثمَّ عطف السُّلْطَان على ابْنه الرَّحِم فَرضِي عَنهُ وَأَعَادَهُ إِلَى مَكَانَهُ وطالب عُثْمَان بن يغمراسن أَن يسلم إِلَيْهِ ابْن عطوا الناجم فِي النِّفَاق مَعَ ابْنه فَأبى من إِضَاعَة جواره وإخفار ذمَّته وَأَغْلظ لَهُ الرَّسُول فِي القَوْل فسطا بِهِ عُثْمَان واعتقله فثارت من السُّلْطَان يُوسُف الحفائظ الكامنة وتحركت مِنْهُ إلاحن الْقَدِيمَة والنزغات المتوارثة فاعتزم على غَزْو تلمسان ونهض إِلَيْهَا من مراكش فِي صفر من سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة بعد أَن عقد عَلَيْهَا لِابْنِهِ الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب بن يُوسُف ثمَّ نَهَضَ من فاس إِلَيْهَا آخر ربيع الآخر من سنته فِي عساكره وَجُنُوده وحشد الْقَبَائِل وكافة أهل الْمغرب وَسَار حَتَّى نَازل تلمسان فتحصن مِنْهُ عُثْمَان وَقَومه بأسوارها فحاصره السُّلْطَان يُوسُف وضيق عَلَيْهِ وَنصب عَلَيْهِ المجانيق وَكَانَ حصاره إِيَّاهَا فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ سَار فِي نَوَاحِيهَا ينسف الْآثَار وَيخرب الْقرى ويحطم الزروع ثمَّ نزل بِذِرَاع الصابون من ناحيتها ثمَّ انْتقل مِنْهُ إِلَى تامت وحاصرها أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقطع أشجارها وأباد خضراءها وَلما امْتنعت عَلَيْهِ أفرج عَنْهَا وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب وَقضى نسك الْفطر بِعَين الصَّفَا من بِلَاد بني يزناسن ونسك الْأَضْحَى وقربانه بتازا وتلبث بهَا أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى الأندلس بِقصد الْجِهَاد على مَا نذكرهُ
انْتِقَاض الطاغية سانجة وإجازة السُّلْطَان يُوسُف إِلَيْهِ
لما رَجَعَ السُّلْطَان يسف من غَزْو تلمسان وافاه الْخَبَر وَهُوَ بتازا أَن الطاغية سانحة قد انْتقض ونبذ الْعَهْد وَتجَاوز التخوم وأغار على الثغور فأوعز السُّلْطَان إِلَى قَائِد المسالح بالأندلس عَليّ بن يُوسُف بن يزكاتن بِالدُّخُولِ إِلَى دَار الْحَرْب ومنازلة شريش وَشن الغارات على بِلَاد الطاغية فَنَهَضَ لذَلِك فِي ربيع الآخر من سنة تسعين وسِتمِائَة وجاس خلالها وتوغل فِي أقطارها وابلغ فِي النكاية
ثمَّ فصل السُّلْطَان يُوسُف من تازا غازيا أَثَره فِي جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة واحتل قصر مصمودة وَهُوَ قصر الْمجَاز واستنفر أهل الْمغرب وقبائله فنفروا وَشرع فِي إجازتهم الْبَحْر فَبعث الطاغية أساطيله إِلَى الزقاق حجزا لَهُم دون الْإِجَازَة فأوعز السُّلْطَان يُوسُف إِلَى قواد أساطيله بالسواحل بمعمارتها لمقابلة أساطيل الْعَدو فَفَعَلُوا وقدمت فالتقت مَعَ أساطيل الْعَدو ببحر الزقاق فِي شعْبَان من السّنة فَاقْتَتلُوا وانكشف الْمُسلمُونَ ومحصهم الله وَقتل قواد الأساطيل فَأمر السُّلْطَان يُوسُف باستئناف الْعِمَارَة ثمَّ أغزاهم ثَانِيَة فخامت أساطيل الْعَدو عَن اللِّقَاء وصاعدوا عَن الزقاق فملكته أساطيل السُّلْطَان فَأجَاز أخريات رَمَضَان من السّنة واحتل بطريف ثمَّ دخل دَار الْحَرْب غازيا فنازل حصن بجير ثَلَاثَة أشهر وضيق عَلَيْهِم وَبث السَّرَايَا فِي أَرض الْعَدو وردد الغارات على شريش وإشبيلية ونواحيها إِلَى أَن بلغ فِي النكاية والإثخان غَرَضه وَقضى من الْجِهَاد وطره وهجم عَلَيْهِ فصل الشتَاء وانقطعت الْميرَة عَن الْعَسْكَر فأفرج عَن الْحصن وَرجع إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ عبر إِلَى الْمغرب فاتح سنة إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة فتظاهر ابْن الْأَحْمَر والطاغية على مَنعه من الْجَوَاز مرّة أُخْرَى كَمَا نذكرهُ الْآن
وَالْإِسْلَام وَلما ولاه الله أَمر الْمُسلمين بعد وَفَاة وَالِده زهد فِي التَّارِيخ وَالْأَدب بعد التضلع مِنْهُمَا وَأَقْبل على سرد كتب الحَدِيث والبحث عَن غريبها وجلبها من أماكنها ومجالسة الْعلمَاء والمذاكرة مَعَهم فِيهَا ورتب رحمه الله لذَلِك أوقاتا مضبوطة لَا تنخرم حذا بهَا حَذْو الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فِي أوقاته المرسومة عِنْد الفشتالي فِي مناهل الصَّفَا حَتَّى أَنه كَانَ إِذا خرج لزيارة أَو صيد أَو نزهة أَيَّام الرّبيع وَأقَام الْأُسْبُوع وَنَحْوه فَإِذا حانت الْجُمُعَة وَدخل تحرى النُّزُول بمنازل الْمَنْصُور الَّتِي كَانَ ينزل بهَا وَقت خُرُوجه لزيارة أغمات وَنَحْوهَا ورجوعه وَيَقُول هَذِه منَازِل الْمَنْصُور رحمه الله وَهُوَ أستاذنا فِي مثل هَذِه الْأُمُور وَمن عَجِيب سيرته رحمه الله أَنه كَانَ يرى اشْتِغَال طلبة الْعلم بِقِرَاءَة المختصرات فِي فن الْفِقْه وَغَيره وإعراضهم عَن الْأُمَّهَات المبسوطة الْوَاضِحَة تَضْييع للأعمار فِي غير طائل وَكَانَ ينْهَى عَن ذَلِك غَايَة وَلَا يتْرك من يقْرَأ مُخْتَصر خَلِيل ومختصر ابْن عَرَفَة وأمثالهما ويبالغ فِي التشنيع على من اشْتغل بِشَيْء من ذَلِك حَتَّى كَاد النَّاس يتركون قِرَاءَة مُخْتَصر خَلِيل وَإِنَّمَا كَانَ يحض على كتاب الرسَالَة والتهذيب وأمثالهما حَتَّى وضع فِي ذَلِك كتابا مَبْسُوطا أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَبُو عبد الله الغربي وَأَبُو عبد الله المير وَغَيرهمَا من أهل مَجْلِسه
وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان الْعَادِل الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله صَار يحض النَّاس على التَّمَسُّك بالمختصر ويبذل على حفظه وتعاطيه الْأَمْوَال الطائلة وَالْكل مأجور على نِيَّته وقصده غير أَنا نقُول الرَّأْي مَا رأى السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله وَقد نَص جمَاعَة من أكَابِر الْأَعْلَام النقاد مثل الإِمَام الْحَافِظ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ وَالشَّيْخ النظار أبي إِسْحَاق الشاطبي والعلامة الواعية أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن خلدون وَغَيرهم أَن سَبَب نضوب مَاء الْعلم فِي الْإِسْلَام ونقصان ملكة أَهله فِيهِ إكباب النَّاس على تعَاطِي المختصرات الصعبة الْفَهم وإعراضهم عَن كتب الأقدمين المبسوطة الْمعَانِي الْوَاضِحَة الْأَدِلَّة الَّتِي تحصل لمطالعها الملكة فِي أقرب مُدَّة ولعمري لَا يعلم هَذَا يَقِينا
إِلَّا من جربه وذاقه وَقد تقدم لنا فِي صدر هَذَا الْكتاب أَن مُلُوك بني عبد الْمُؤمن كَانُوا يحملون النَّاس على الرُّجُوع فِي الْأَحْكَام إِلَى الْكتاب وَالسّنة كل ذَلِك اعتناء بِالْعلمِ الْقَدِيم ومحافظة على أُصُوله وَالله يهدي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم
وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله ينْهَى عَن قِرَاءَة كتب التَّوْحِيد المؤسسة على الْقَوَاعِد الكلامية المحررة على مَذْهَب الأشعرية رضي الله عنهم وَكَانَ يحض النَّاس على مَذْهَب السّلف من الِاكْتِفَاء بالاعتقاد الْمَأْخُوذ من ظَاهر الْكتاب وَالسّنة بِلَا تَأْوِيل وَكَانَ يَقُول عَن نَفسه حَسْبَمَا صرح بِهِ فِي آخر كِتَابه الْمَوْضُوع فِي الْأَحَادِيث المخرجة من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا يَعْنِي أَنه لَا يرى الْخَوْض فِي علم الْكَلَام على طَريقَة الْمُتَأَخِّرين وَله فِي ذَلِك أَخْبَار ومجريات
قلت وَهُوَ مُصِيب أَيْضا فِي هَذَا فقد ذكر الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ رضي الله عنه فِي كتاب الْإِحْيَاء إِن علم الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَة الدَّوَاء لَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد حُدُوث الْمَرَض فَكَذَلِك علم الْكَلَام لَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد حُدُوث الْبِدْعَة فِي قطر وَقد حرر النَّاس الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فِي حق الْعَامَّة وَغَيرهم والمبتدئين والمنتهين والأغبياء والأذكياء بِمَا لَيْسَ هَذَا مَحل بَسطه وَكَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله عالي الهمة يحب الْفَخر ويركب سنامه ويخاطب مُلُوك التّرْك مُخَاطبَة الْأَكفاء ويخاطبونه مُخَاطبَة السَّادة ويمدهم بالأموال والهدايا حَتَّى علا صيته عِنْدهم وحسبوه أَكثر مِنْهُم مَالا ورجالا وَكَانَ يُعْطي عَطاء من لَا يخَاف الْفقر وَيَضَع الْأَشْيَاء موَاضعهَا وَيعرف مقادير الرِّجَال وَيُؤَدِّي حُقُوقهم ويتجاوز عَن هفواتهم ويراعي لأهل السوابق سوابقهم ويتفقد أَحْوَال خُدَّامه فِي الصِّحَّة وَالْمَرَض وَلَا يغْفل عَمَّن كَانَ يعرفهُ قبل الْملك وَكَانَ من الشجعان الْمَذْكُورين فِي وقته يُبَاشر الحروب بِنَفسِهِ ويهزم الجيوش بهيبته وَكَانَ يقتني الرِّجَال
ويصطنعهم ويعدهم لأيام الكريهة وينادي كل وَاحِد باسمه وَقت اللِّقَاء والحضور عِنْده وَيُوجه كل بَطل مِنْهُم مَعَ قَبيلَة أَو كَتِيبَة من كتائب الْجند وَيعْمل بقواعد السياسة فِي الحروب وَكَانَ إِذا وَجه أحدا مِمَّن يعرف نجدته وكفايته ينشد قَول ابْن دُرَيْد
(وَالنَّاس ألف مِنْهُم كواحد
…
وَوَاحِد كالألف إِن أَمر عَنَّا)
وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَ رحمه الله من عُظَمَاء الْمُلُوك وخلد آثارا كَثِيرَة بالمغرب فَمن ذَلِك بمراكش تَجْدِيد ضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي ومسجده ومدرسته وضريح الشَّيْخ التباع ومسجده وضريح الشَّيْخ الْجُزُولِيّ ومسجده وضريح الشَّيْخ الغزواني ومسجده وضريح الشَّيْخ ابْن صَالح ومسجده وضريح الْمولى عَليّ الشريف ومسجده الْأَعْظَم وضريح الشَّيْخ مَيْمُون الصحراوي وَمَسْجِد الْمُلُوك ببريمة ومدرستاه وتجديد جَامع الْمَنْصُور وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بِبَاب دكالة وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بِبَاب هيلانة وَالْمَسْجِد الْأَعْظَم بالرحبة ومساجد القصبة ومدارسها السِّت وَمَسْجِد زَاوِيَة الشرادي وَمَسْجِد رِبَاط شَاكر ومدينة الصويرة بمساجدها ومدارسها وصقائلها وأبراجها وكل مَا فِيهَا وَمَسْجِد آسفي ومدرسته وَمَسْجِد مَدِينَة تيط ومدينة آنِفا ومسجدها ومدرستها وحمامها وصقائلها وأبراجها ومدينة فضَالة ومسجدها ومدرستها والمصورية ومسجدها وجامع السّنة برباط الْفَتْح ومساجد أجدال السِّتَّة وأبراجه والصقالتين الكبيرتين بسلا ورباط الْفَتْح وَمَسْجِد العرائش ومدرسته وصقائلها وأبراجها وسوقها وصقائل طنجة وأبراجها وَالْمَسْجِد الْأَزْهَر ومدرسته بإصطبل مكناسة وَمَسْجِد البردعيين بهَا وضريح الشَّيْخ ابْن عِيسَى وضريح الشَّيْخ أبي عُثْمَان سعيد ومسجده ومدرسة الصهريج ومدرسة الدَّار الْبَيْضَاء وَمَسْجِد بريمة ومدرسته وَمَسْجِد هدراش وَمَسْجِد بَاب مراح وَثَلَاثَة أقواس بقنطرة وَادي سبو خَارج فاس وضريح الشَّيْخ عَليّ بن حرزهم وضريح الشَّيْخ دراس بن إِسْمَاعِيل
وضريح أبي عبد الله التاودي ومدرسة بَاب الجيسة وَمَسْجِد تازا ومدرسته وضريح الْمولى عَليّ الشريف بسجلماسة وقصبة الدَّار الْبَيْضَاء بهَا ومسجدها ومدرستها وَمَسْجِد الريصاني ومدرسته وأوقافه على المارستان بفاس ومراكش
فَهَذِهِ الْآثَار كلهَا مِمَّا سمت إِلَى تخليد همته الشَّرِيفَة بَعْضهَا أَنْشَأَهَا وَبَعضهَا أصلحه وجدده ورتب للأشراف بتافيلالت فِي كل سنة مائَة ألف مِثْقَال سوى مَا ينعم بِهِ عَلَيْهِم فِي أَيَّام السّنة مُتَفَرقًا ورتب لأهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين وشرفاء الْحجاز واليمن مائَة ألف مِثْقَال أَيْضا فِي السّنة ولشرفاء الْمغرب مائَة ألف مِثْقَال كَذَلِك وَأما الطّلبَة والمؤذنون والقراء وأئمة الْمَسَاجِد كَانَت تأتيهم صلَاتهم فِي كل عيد وَأما مَا كَانَ يُنْفِقهُ فِي الْجِهَاد على رُؤَسَاء الْبَحْر وطبجيته وَمَا يضيره على المراكب الجهادية والآلات الحربية الَّتِي مَلأ بهَا بِلَاد الْمغرب فشيء لَا يُحْصِيه الْحصْر وَأما مَا أنفقهُ من الْأَمْوَال فِي فكاك أسرى الْمُسلمين فَأكْثر من ذَلِك كُله حَتَّى لم يبْق بِبِلَاد الْكفْر أَسِير لَا من الْمغرب وَلَا من الْمشرق وَلَقَد بلغ عَددهمْ فِي سنة مِائَتَيْنِ وَألف ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين ألف أَسِير وَزِيَادَة وأوقافه بالحرمين الشريفين وَكتبه العلمية المحبسة بهما لَا زَالَت قَائِمَة الْعين والأثر إِلَى الْآن وَأما اعتناؤه بالمراكب القرصانية فقد بلغ عَددهَا فِي دولته عشْرين كبارًا من المربع وَثَلَاثِينَ من الفراكط والغلائط وَبلغ رُؤَسَاء الْبَحْر عِنْده سِتِّينَ رَئِيسا كلهَا بمراكبها وبحريتها وَبلغ عَسْكَر البحرية ألفا من المشارقة وَثَلَاثَة آلَاف من المغاربة وَمن الطبجية أَلفَيْنِ وَبلغ عسكره من العبيد خَمْسَة عشر ألفا وَمن الْأَحْرَار سَبْعَة آلَاف وَأما عَسْكَر الْقَبَائِل الَّذِي كَانَ يَغْزُو من الْجند فَمن الْحَوْز ثَمَانِيَة آلَاف وَمن الغرب سَبْعَة آلَاف
وَكَانَت لَهُ هَيْبَة عَظِيمَة فِي مشوره وموكبه يتحدث النَّاس بهَا وهابته مُلُوك الفرنج وطواغيتهم ووفدت عَلَيْهِ رسلهم بالهدايا والتحف يطْلبُونَ مسالمته فِي الْبَحْر بلغ ذَلِك رحمه الله بسياسته وعلو همته حَتَّى عَمت
الصفار التطاوني عقب قدومه إِلَى مراكش وفيهَا تمّ بِنَاء البستيون الْعَظِيم بسلا الْمَوْضُوع بالزاوية الشمالية مِنْهَا على شاطىء الْبَحْر وَكَانَ الصائر عَلَيْهِ بِأَمْر السُّلْطَان من أحباس الْمَسْجِد الْأَعْظَم برباط الْفَتْح خَمْسُونَ ألف مِثْقَال أَو مَا يقرب مِنْهَا وفيهَا أَيْضا وَقعت نادرة بفاس وَهِي أَن الإِمَام كَانَ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة بِمَسْجِد الْقرَوِيين فَسقط بالصف الثَّالِث مِنْهُ قِطْعَة من الجبص الْمَبْنِيّ بِهِ السّقف تزن نَحْو ربع قِنْطَار ففر النَّاس الَّذين كَانُوا بذلك الصَّفّ فَرَآهُمْ الَّذين من خَلفهم فَفرُّوا لفرارهم فَرَآهُمْ غَيرهم فَفَعَلُوا مثلهم حَتَّى تقوضت صُفُوف الْمَسْجِد كلهَا وَخَرجُوا يتسابقون إِلَى الْأَبْوَاب وَوَقع عَلَيْهَا ازدحام شَدِيد وجاوزت مقدمتهم سوق الشماعين وَتركُوا نعَالهمْ ولبدهم وطيالسهم بل وَقَلَانِسِهِمْ وَضاع من الْمَصَاحِف والأجزاء وَدَلَائِل الْخيرَات مَا لَا يُحْصى كل ذَلِك وهم لَا يَدْرُونَ مَا وَقع وَمَا تراجعوا إِلَّا بعد حِين
ثورة إِبْرَاهِيم يسمور اليزدكي بالصحراء
لما كَانَت أواسط إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ظهر إِبْرَاهِيم يسمور اليزدكي بصحراء تافيلالت وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن برابرة الصَّحرَاء يَوْمئِذٍ كَانُوا حزيين حزب آيت عطة وَلَهُم الْعِزَّة وَالْكَثْرَة بذلك الْقطر وحزب آيت يفلمان وهم دون ذَلِك وَكَانَت آيت عطة تؤذي الْأَشْرَاف بِتِلْكَ النَّاحِيَة وتسيء جوارهم فَقَامَ إِبْرَاهِيم هَذَا فِي آيت يفلمان وجنح إِلَى الْأَشْرَاف وَبَالغ فِي إكرامهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَصَارَ يَأْمر قومه بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيذكر السُّلْطَان بِخَير ويحض قومه على طَاعَته حَتَّى اشْتهر بذلك الْقطر وَكثر الثَّنَاء عَلَيْهِ وَاتفقَ أَن حدث فِي أثْنَاء ذَلِك بَينهم وَبَين آيت عطة شنآن فزحف إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم وأوقع بهم وقْعَة بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا فازداد قومه فِيهِ محبَّة وغبطة وعلقت بِهِ آمال الْأَشْرَاف وأحبوه لِأَن غَلَبَة آيت عطة يَوْمئِذٍ كَانَت من الْأَمر الْغَرِيب وانضم إِلَى ذَلِك بسط يَده بالعطاء للبعيد والقريب واتصل خَبره بالسلطان وَكَانَ من طبعه رحمه الله محبَّة أهل الْخَيْر والجنوح لَهُم فَأقبل عَلَيْهِ
وَرفع من قدره وولاه على تِلْكَ النَّاحِيَة فَاشْتَدَّ أمره وطار ذكره وسرت فِيهِ نخوة الرياسة فَأَرَادَ الاستبداد واستحال حَاله إِلَى الْفساد حَتَّى صَار يرد على السُّلْطَان أوامره ثمَّ تدنى قَلِيلا قَلِيلا من أَطْرَاف المملكة وَقَوي حسه بالمغرب فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان رحمه الله الْكَتَائِب وَبعث الْبعُوث فقاتلوه بُرْهَة ثمَّ قبض الله بعض قرَابَته فاغتاله واحتز رَأسه وَجَاء بِهِ متقربا إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ بمراكش فَأمر السُّلْطَان بإعمال المفرحات واستدعى أهل مراكش على طبقاتهم فَأَفَاضَ عَلَيْهِم النعم وغمرهم بِالْإِحْسَانِ غمر الديم
نادرة كَانَ مِمَّن استدعاه السُّلْطَان رحمه الله فِي هَذَا الصَّنِيع أهل الْمدَارِس من طلبة الْعلم المتغربين بهَا فجلسوا نَاحيَة من الْقَوْم وَلما خرج الطَّعَام من دَار السُّلْطَان وَفرق على طَبَقَات النَّاس اتّفق تَأْخِيره عَن هَؤُلَاءِ الطّلبَة وَاتفقَ أَيْضا أَن سَأَلَ بعض الْحَاشِيَة بعض الأعوان القائمين على الطَّعَام فَقَالَ لَهُ من الَّذِي بَقِي بِدُونِ إطْعَام فَقَالَ لم يبْق إِلَّا الطّلبَة والطحانون وَكَانَ كَذَلِك فَسَمعهُ أحد الطّلبَة فَقَالَ لأَصْحَابه أَلا تَسْمَعُونَ إِلَى مَا يَقُول هَذَا فَقَالُوا وَمَا قَالَ قَالَ لَهُم قَالَ إِنَّه لم يبْق إِلَّا أَنْتُم والطحانون فقد شوركتم مَعَهم بالْعَطْف بِالْوَاو وَالله لَا جلستم وَقَامُوا مغضبين فَتَبِعهُمْ بعض حَاشِيَة السُّلْطَان واستعطفهم فَلم يرجِعوا واتصل الْخَبَر بالسلطان فَقَالَ دعهم فسنصلح شَأْنهمْ وَمن الْغَد دعاهم إِلَى بُسْتَان الْوَزير إِبْنِ إِدْرِيس دَاخل بَاب الرب من مراكش وأفاض عَلَيْهِم من النعم مَا غمرهم ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى رَضوا ثمَّ عَمدُوا إِلَى ثمار الْبُسْتَان فاستلبوها عَن آخرهَا وَهَذِه الْقِصَّة تدل على كرم طبع السُّلْطَان رحمه الله وسعة أخلاقه وتعظيمه للْعلم وَأَهله وَقد ذكرت بِهَذِهِ النادرة قَول الْقَائِل
(إِذا شوركت فِي أَمر بِدُونِ
…
فَلَا يَك مِنْك فِي هَذَا نفور)
(فَفِي الْحَيَوَان يجْتَمع اضطرارا
…
أرسطاليس وَالْكَلب الْعَقُور)
وَتَحْقِيق مَسْأَلَة هَذَا الْعَطف مَذْكُور فِي بَاب الْفَصْل والوصل من علم الْمعَانِي وبستان ابْن إِدْرِيس هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ أَبُو عبد الله أكنسوس رَحمَه الله
(ألمم بمغنى الْيمن من ذَا الْمجْلس
…
وأدر بساحته نُجُوم الأكؤس)
(واسعد فَإِن الدَّهْر أسعد أَهله
…
وأحلهم فِيهِ حُلُول المعرس)
(واشرب هنيء البال فِي جنباته
…
يُغْنِيك عَن جيرون أهل الْمُقَدّس)
(واصرف عَن الزهراء ذكرك ساليا
…
وَعَن الخورنق والرسوم الدَّرْس)
(لَو قلت مَا نَالَتْ بَدَائِع حسنه
…
غرف البديع وَحقّ مجدك لم تس)
(نصر تحف بِهِ المحاسن كلهَا
…
وتحار فِي مرآه عين الأكيس)
(فَإِذا أردْت إِصَابَة الْأَغْرَاض من
…
كل المنى أَو كل معنى أنفس)
(أرسل مهام اللَّفْظ فِي أكنافه
…
إِن الحنايا الحدب فِيهِ كالقس)
(لَا شَيْء أهنى من تفيىء ظله
…
المخضل أَو من زهره المتنفس)
(تتمثل الأزهار فِي أنهاره
…
مثل المجرة والنجوم النكس)
(وَترى الجداول تلتوي بغصونه
…
تحكي البرين عَن الغواني الميس)
(طابت حسى الكاسات تَحت ظلاله
…
وتسابقوا اللَّذَّات نَحْو المحتس)
(يَا منزلا قد خصصته سَعَادَة
…
واستبدلته أنعما من أبؤس)
(أَصبَحت مأوى للوزير مُحَمَّد
…
نجل الأدارسة الْكِرَام المغرس)
(إِنْسَان عين الْكَوْن من لبست بِهِ
…
رتب العلى أبهى وأبهج ملبس)
(يَا أَيهَا الْبَحْر الَّذِي من فيضه
…
كل الْأَمَانِي والغنى للْمُفلس)
(يهنيك ذَا الْقصر الَّذِي أنشأته
…
بالسعد فِي عَام انْشِرَاح الْأَنْفس)
(قَابل قدور الدوح فِي جنباته
…
بالغيد ترفل فِي بهي السندس)
(وَمَتى شربت زلاله فامزج بِهِ
…
رَاح المراشف من أغن ألعس)
(لَا زلت تشرف من مطالع سعده
…
كالبدر يظْهر من خلال الحندس)
(والدهر يخْدم جانبيك ويحتمي
…
بجلالك العالي الْأَعَز الأقعس)
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف كَانَ الوباء بالمغرب وَهُوَ إسهال مفرط يعتري الشَّخْص ويصحبه وجع حاد فِي الْبَطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون فَإِذا تَمَادى بالشخص حَتَّى جَاوز أَرْبعا وَعشْرين سَاعَة فالغالب السَّلامَة وَإِلَّا فَهُوَ الحتف وَفِي هَذَا الوباء مَاتَ
شيخ الطَّرِيقَة أَبَا عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد الحراق التطاوني وبموته أقلع الوباء من تِلْكَ الْبَلدة وَمَات بِهِ بسلا منتصف ذِي الْقعدَة من السّنة مائَة وَعِشْرُونَ نفسا وَفِي هَذَا الْيَوْم توفّي عَامل سلا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي زنيبر
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف الْتفت الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن إِلَى عرب الْخَلْط فاستعملهم فِي الجندية بعد أَن كَانُوا فِي عداد الْقَبَائِل الغارمة من لدن الْمَنْصُور السَّعْدِيّ فاعتنى بهم الْخَلِيفَة الْمَذْكُور ونقلهم من بِلَاد سُفْيَان وَبني مَالك وأحواز العرائش وأنزلهم بزقوطة ووادي مكس من أَعمال مكناسة وكساهم وأجرى عَلَيْهِم الجرايات ثمَّ اخْتَلَّ أَمرهم بعد سنتَيْن أَو ثَلَاث
وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ورد كتاب من السُّلْطَان رحمه الله يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح مَا نَصه خديمنا الأرضى الطَّالِب عبد الْعَزِيز محبوبة وفقك الله وَسَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته وَبعد فبوصول كتَابنَا هَذَا إِلَيْك عين عشْرين من الْولدَان النجباء لتعلم علم تاطبجيت وَانْظُر لَهُم معلما ماهرا أَو معلمين من طبجية الْبَلَد يعلمهُمْ ويشرعون فِي التَّعَلُّم الْآن فيبدؤون بمقدماته ثمَّ يتدربون مِنْهَا إِلَى الْأَخْذ فِي تعلم رماية المدفع والمهراس وَهَكَذَا حَتَّى ينجبوا ويمهروا فِي الصَّنْعَة ويصيروا قَادِرين على الْخدمَة ونطلب الله أَن يعينهم وَيفتح بصائرهم وَهَؤُلَاء الْعشْرين يكونُونَ زائدين على من هُنَالك من الطبجية ونأمر الْأُمَنَاء أَن يرتبوا لَهُم إِعَانَة على ذَلِك خمس عشرَة أُوقِيَّة فِي كل شهر للْوَاحِد ثمَّ من ظَهرت نجابته مِنْهُم وفَاق غَيره فَإنَّا نزيده فِي الْمُرَتّب كَمَا نأمرهم أَن يرتبوا لمعلمهم وَاحِد أَو أثنين ثَلَاثِينَ أُوقِيَّة للْوَاحِد فِي كل شهر زِيَادَة على راتبهم الْمَعْلُوم واعتن بأمرهم غَايَة الاعتناء وَقد كتبنَا لغيركم من المراسي مثل هَذَا وسننظر من تظهر ثَمَرَته واعتناؤه وَالسَّلَام فِي عشْرين من ذِي الْقعدَة عَام ثَلَاث وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب الشريف