الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقاتلها أَيَّامًا ثمَّ أفرج عَنْهَا وتنقل فِي جهاتها وَبعث سراياه إِلَى جيان فأفسدوا زروعها ثمَّ ارتحل إِلَى طليطلة فعاث فِي جهاتها وَخرب عمرانها حَتَّى انْتهى إِلَى حصن مجريط من أقْصَى الثغر فامتلأت أَيدي الْمُسلمين وضاق معسكرهم بالغنائم الَّتِي استاقوها فقفل السُّلْطَان من أجل ذَلِك إِلَى الجزيرة فاحتل بهَا فِي شعْبَان وَأقَام بهَا إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت غَزْوَة لم يسمح الدَّهْر بِمِثْلِهَا وَفِي هَذِه السّنة توفّي يغمراسن بن زيان على مَا فِي القرطاس وَذكر ابْن خلدون أَنه لما حَضرته الْوَفَاة أوصى ابْنه عُثْمَان وَقَالَ لَهُ يَا بني إِن بني مرين بعد استفحال ملكهم واستيلائهم على حَضْرَة الْخلَافَة بمراكش لَا طَاقَة لنا بلقائهم فإياك أَن تحاربهم فَإِن مددهم موفور ومددك مَحْصُور وَلَا يغرنك أَنِّي كنت أحاربهم وَلَا أنكص عَن لقائهم لِأَنِّي كنت أخْشَى معرة الْجُبْن عَنْهُم بعد التمرس بهم والاجتراء عَلَيْهِم وَأَنت لَا يَضرك ذَلِك لِأَنَّك لم تحاربهم وَلم تتمرس بهم فَعَلَيْك بالتحصن ببلدك مَتى زحفوا إِلَيْك وحاول مَا اسْتَطَعْت الِاسْتِيلَاء على مَا جاورك من عمالات الْمُوَحِّدين أَصْحَاب تونس يستفحل بهَا ملكك وتكافئ حشد الْعَدو بحشدك قَالَ فَعمل ابْنه عُثْمَان على وَصيته وأوفد أَخَاهُ مُحَمَّد بن يغمراسن على السُّلْطَان يَعْقُوب وَهُوَ بالأندلس فِي جَوَازه الرَّابِع فعقد مَعَه السّلم على مَا أحب وانكفأ رَاجعا إِلَى أَخِيه فطابت نَفسه وتفرغ لافتتاح الْبِلَاد الشرقية
انْعِقَاد الصُّلْح بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما اتَّصَلت يَد السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله بيد الطاغية وَقَامَ مَعَه فِي ارتجاع ملكه خشِي ابْن الْأَحْمَر عاديته فجنح إِلَى مُوالَاة ابْنه سانجة الْخَارِج عَلَيْهِ وَوصل يَده بِيَدِهِ وأكد لَهُ العقد واضطرمت الأندلس نَارا وفتنة بِسَبَب هَذَا الْخلاف وَلما قفل السُّلْطَان يَعْقُوب من غزوته مَعَ الطاغية وَقد ظهر على ابْنه أجمع على منازلة مالقة الَّتِى استحوذ عَلَيْهَا ابْن الْأَحْمَر وخدع عَنْهَا ابْن محلي فَنَهَضَ السُّلْطَان إِلَيْهَا من الجزيرة الخضراء فاتح سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة
فغلب أَولا على الْحُصُون الغربية كلهَا ثمَّ أَسف إِلَى مالقة فَأَنَاخَ عَلَيْهَا بعساكره وضاق على ابْن الْأَحْمَر النطاق وَلم تغن عَنهُ مُوالَاة سانجة شَيْئا وبدا لَهُ سوء المغبة فِي شَأْن مالقة وَنَدم على تنَاولهَا فأعمل نظره فِي الْخَلَاص من ورطتها وَلم ير لَهَا إِلَّا الْأَمِير يُوسُف ابْن السُّلْطَان يَعْقُوب فخاطبه بمكانه من الْمغرب مستصرخا لَهُ لرقع هَذَا الْخرق ورتق هَذَا الفتق وَجمع كلمة الْمُسلمين على عدوهم فَأَجَابَهُ واغتنم المثوبة فِي مسعاه وَعبر الْبَحْر إِلَى الأندلس فِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة فَوَافى أَبَاهُ بمعسكره على مالقة وَرغب مِنْهُ السّلم لِابْنِ الْأَحْمَر فِي شَأْنهَا والتجافي لَهُ عَنْهَا فأسعف رَغْبَة ابْنه لما يؤمل فِي ذَلِك من رضى الله عز وجل فِي جِهَاد عدوه وإعلاء كَلمته وانعقد السّلم وانبسط أمل ابْن الْأَحْمَر وتجددت عزائم الْمُسلمين للْجِهَاد وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب الى الجزيرة الخضراء فَبَثَّ السَّرَايَا فِي دَار الْحَرْب فأوغلوا وأثخنوا ثمَّ أستأنف الْغَزْو بِنَفسِهِ الى طليطلة فَخرج من الجزيرة غازيا غرَّة ربيع الثَّانِي من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ الْمَذْكُورَة حَتَّى انْتهى إِلَى قرطبة فأثخن وغنم وَخرب الْعمرَان وافتتح الْحُصُون ثمَّ ارتحل نَحْو البرت وَترك محلته على بياسة بالمغانم والأثقال وَترك مَعهَا خَمْسَة آلَاف فَارس يحمونها من كرة الْعَدو ثمَّ أغذ السّير فِي أَرض قفرة لَيْلَتَيْنِ حَتَّى انْتهى إِلَى البرت من نواحي طليطلة فسرح الْخَيل فِي البسائط وجالت فِي أكنافها وَلم تَنْتَهِ إِلَى طليطلة لتثاقل النَّاس بِكَثْرَة الْغَنَائِم وأثخن فِي الْقَتْل وقفل على غير طَريقَة فأثخن وَخرب
وانْتهى إِلَى أبذة فَوقف بساحتها وقاتلها سَاعَة من نَهَار فَرَمَاهُ علج من خلف السُّور بِسَهْم أصَاب فرسه فارتحل عَنْهَا إِلَى مُعَسْكَره ببياسة فأراح بهَا ثَلَاثًا ينسف آثارها ويقتلع أشجارها وقفل إِلَى الجزيرة وَبَين يَدَيْهِ من السَّبي والغنائم مَا يعجز عَنهُ الْوَصْف فَدَخلَهَا فِي شهر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فقسم الْغَنَائِم وَنفل من الْخمس وَولى على الجزيرة حافده عِيسَى بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فَهَلَك شَهِيدا على شريش بِسَهْم مَسْمُوم لشهرين من ولَايَته
ثمَّ عبر السُّلْطَان إِلَى الْمغرب فاتح شعْبَان وَمَعَهُ ابْنه أَبُو زيان منديل فأراح
عبد الرَّحْمَن بن الْكَامِل وَهُوَ الَّذِي يتَوَجَّه قَاضِيا مَعَ الْمحلة إِلَى السوس إِن شَاءَ الله فأنزله عَلَيْهِ وادفع لَهُ هَذَا الْكَبْش وَهَذَا الْعَسَل فَسَار الْحَاجِب بِالْقَاضِي وبالكبش وَالْعَسَل إِلَى خباء قَاضِي الْعَسْكَر أبي زيد بن الْكَامِل وَأمره أَن يكرم القَاضِي ليلته وَمن الْغَد ارتحل السُّلْطَان قَافِلًا إِلَى مراكش فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَار نزل على وَادي نَفِيس وَضرب لَهُ هُنَالك صيوان الراضة على شاطىء النَّهر ثمَّ استدعى القَاضِي أَبَا زيد وَسَائِر الْكتاب وَلما جَلَسُوا بَين يَدَيْهِ سَأَلَ القَاضِي على وَجه المداعبة وَقَالَ لَهُ بِمَ أجزت ضيفك على كبشه وعسله فتلعثم فِي الْجَواب وَعلم أَن السُّلْطَان قصد اختباره بذلك وَأَنه لم يصنع شَيْئا حَيْثُ أهمل أمره وَلما رأى رحمه الله خجلته قَالَ فلعلك لم تجزه فَلَو مدحته على كبشه وعسله لصادفت الْمَقْصُود وَخرجت من الْعهْدَة وَمَا بعثت إِلَيْكُم إِلَّا بِسَبَب هَذَا الْكَبْش وَالْعَسَل فَإِنِّي سهرت لَيْلَتي وَلم أنم وَذكرت مَا اتّفق للمنصور السَّعْدِيّ مَعَ كِتَابه فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة وَعلمت أَنه لم يبْق فِي وقتنا هَذَا كتاب وَلَا أدباء وَلَا أُمَرَاء وسأسمعكم مَا اتّفق للمنصور فِي زيارته هَذِه الْقرْيَة الأغماتية ثمَّ أَمر كَاتبه ابْن الْمُبَارك أَن يقْرَأ عَلَيْهِم مَا حَكَاهُ الفشتالي فِي مناهل الصَّفَا عَن خُرُوج الْمَنْصُور السَّعْدِيّ إِلَى أغمات بِقصد الزِّيَارَة والنزهة وَمَا اتّفق للْقَاضِي أبي مَالك عبد الْوَاحِد الْحميدِي مَعَ من أهْدى لَهُ الْكَبْش وَالْعَسَل من الشّعْر وَالَّذِي شايعه عَلَيْهِ جمَاعَة من كتاب الدولة وَقد ألممنا بِخَبَر هَذِه الخرجة للمنصور عِنْد ذكر أخباره حَسْبَمَا مر وَقد ذكر صَاحب النزهة أَبْيَات الْحميدِي وَمن قفا نهجه من الْكتاب فَلْتنْظرْ هُنَالك فَقَرَأَ الْكَاتِب الْمَذْكُور التَّرْجَمَة كلهَا على الْكتاب حَتَّى سمعوها وَعَابَ السُّلْطَان عَلَيْهِم تقصيرهم فِي قضيتهم الْمُوَافقَة لَهَا وَفِي ظَنِّي أَن السُّلْطَان رحمه الله أَمرهم بنسخ ذَلِك ومراجعته تحريكا لهمتهم وَالله أعلم
ذكر السَّبَب الَّذِي هاج غضب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله على ابْنه الْمولى يزِيد رحمه الله
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَألف فِيهَا قدم ولد السُّلْطَان الْمولى عبد السَّلَام من الْحجاز فولاه السُّلْطَان رحمه الله تارودانت والسوس وَمَا إِلَيْهَا ثمَّ لما حضر زمَان خُرُوج الركب الْحِجَازِي أحضر السُّلْطَان صهره وَابْن عَمه الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس وكاتبيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عُثْمَان المكناسي وَأَبا حَفْص عمر الوزريق وَشَيخ الركب أَبَا مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن يحيى وَحَملهمْ على وَجه الْأَمَانَة مَالا لأشراف مَكَّة وَالْمَدينَة وَسَائِر الْحجاز واليمن وَقدره ثَلَاثمِائَة ألف ريال وَخَمْسُونَ ألف ريال وَبعث مَعَهم صلات أخر لِأُنَاس مُعينين فِي حقاق مختوم عَلَيْهَا مَكْتُوب على كل وَاحِد مِنْهَا اسْم صَاحبه وَأمرهمْ أَن يذهبوا أَولا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة حَتَّى يكون مَسِيرهمْ إِلَى الْحجاز مَعَ أَمِين الصرة الَّذِي يوجهه السُّلْطَان العثماني إِلَى الْحَرَمَيْنِ كل عَام وَإِنَّمَا ارْتكب السُّلْطَان هَذِه الْمَشَقَّة حذرا من ابْنه الْمولى يزِيد أَن يعترضهم فِي الطَّرِيق وينتزع مِنْهُم المَال فبعثهم السُّلْطَان فِي الْبَحْر فِي بعض قراصين السُّلْطَان عبد الحميد وَكتب إِلَيْهِ أَن يَبْعَثهُم مَعَ أَمِين صرته فَلَمَّا وصلوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وجدوا أَمِين الصرة قد سَافر بالركب إِلَى الْحجاز فأقاموا بهَا إِلَى الْعَام الْقَابِل وَحِينَئِذٍ سافروا صُحْبَة الركب وَلما وصلوا إِلَى الْمَدِينَة المنورة فرقوا على أَهلهَا وعَلى سَائِر شرفاء الْحجاز حظهم من المَال
وَلما وصلوا إِلَى مَكَّة وجدوا الْمولى يزِيد بهَا يترصدهم ففرقوا على أهل مَكَّة حظهم وَبَقِي عِنْدهم حَظّ الْيمن والحقاق الَّتِي فِيهَا صلات الذَّهَب فتغفلهم الْمولى يزِيد وَقت القيلولة وهجم عَلَيْهِم فِي جمع من أَصْحَابه وهم بدار شيخ الركب عبد الْكَرِيم بن يحيى فَانْتزع مِنْهُم مَا قدر عَلَيْهِ وَأخذ الحقاق وَذهب فَذهب شيخ الركب وَالْمولى عبد الْملك والكاتبان إِلَى أَمِير
بَقِيَّة أَخْبَار الْحَاج عبد الْقَادِر وانقراض أمره وَمَا آل إِلَيْهِ حَاله
قد قدمنَا مَا كَانَ من فَسَاد نِيَّة الْحَاج عبد الْقَادِر وَأَنه رام الاستبداد بل والتملك على الْمغرب فَلَمَّا كَانَت الْهَزِيمَة بإيسلي ازْدَادَ طمعه فَصَارَ يَدْعُو أهل النواحي إِلَى مبايعته وَالدُّخُول فِي طَاعَته وَكَاتب الْخَواص من أهل فاس والدولة وكاتبوه على مَا قيل ثمَّ احتال بِأَن بعث جمَاعَة وافرة من الحشم وَبني عَامر شيعته إِلَى السُّلْطَان قدمهم أَمَامه فِي صُورَة هراب مستجيرين بالسلطان فقبلهم السُّلْطَان وأنزلهم على نهر سبو ثمَّ تقدم الْحَاج عبد الْقَادِر حَتَّى وصل إِلَى الْقعدَة الْحَمْرَاء بَين التسول والبرانس وَكَانَ قَصده أَن يجْتَمع بشيعته ويصل يدهم بِيَدِهِ وَيتم لَهُ مَا أَرَادَ فَلَمَّا أطلع السُّلْطَان على دسيسته بعث إِلَى أُولَئِكَ الْجَمَاعَة عسكرا من الشراردة عَلَيْهِم الْقَائِد إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الأكحل فاجتاحوهم بعد جهد جهيد وقتال شَدِيد من ذَلِك أَنهم اعتصموا بِرَبْوَةٍ وَجعلُوا يُقَاتلُون على حريمهم وَكَانُوا رُمَاة لَا تسْقط لَهُم رصاصة فِي الأَرْض فَكَانُوا كلما تَوَجَّهت إِلَيْهِم طَائِفَة من الْجَيْش استأصلوها بالرصاص وَكَانُوا يجمعُونَ موتاهم وينصبونهم أشبارا يتترسون بِهِ ويقاتلون من خَلفه وَلما أعيا الْجَيْش أَمرهم حملُوا عَلَيْهِم حَملَة وَاحِدَة حَتَّى خالطوهم فِي معتصمهم وجالدوهم بِالسُّيُوفِ وطاعنوهم بِالرِّمَاحِ والتوافل وَانْقطع البارود فَكَانُوا يقتلُون أَبْنَاءَهُم ونساءهم بِأَيْدِيهِم فِرَارًا من السَّبي والعار ثمَّ جعلُوا يقتلُون أنفسهم حِين تحققوا أَنهم فِي قَبْضَة الأسار وَبعد هَذَا وَجه السُّلْطَان وَلَده سَيِّدي مُحَمَّدًا لحسم دائه فِي جَيش كثيف وَكَانَ رَئِيس الْجَيْش وكبيره بعد الْخَلِيفَة الْقَائِد مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الشَّرْقِي الْمَدْعُو أَبَا مُحَمَّد وَكَانَ لَهُ ذكر فِي الشجَاعَة والرأي وَلما وصل الْخَلِيفَة إِلَى سلوان بعث إِلَيْهِ الْحَاج عبد الْقَادِر جمَاعَة فيهم وزيره أَبُو عبد الله البوحميدي يتنصل مِمَّا رمي بِهِ وَأَنه لَا زَالَ على الطَّاعَة والخدمة للسُّلْطَان وَقدمُوا إِلَى الْخَلِيفَة هَدِيَّة ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن يقدموا على السُّلْطَان رحمه الله فينهوا إِلَيْهِ الْأَمر وَالْعَمَل على مَا قَالَ
فَوجه مَعَهم الْخَلِيفَة من يصحبهم إِلَى أَبِيه بفاس وَفِي أثْنَاء ذَلِك عمد الْحَاج عبد الْقَادِر ذَات لَيْلَة إِلَى طَائِفَة من جنده نَحْو الْخمس عشرَة مائَة على مَا قيل كلهم بَطل مجرب انتقاهم انتقاء وَكَانَ جَيش الْخَلِيفَة منقسما قسمَيْنِ بعضه مَعَه وَبَعضه مَعَ أَخِيه الْمولى أَحْمد فضمد الْحَاج عبد الْقَادِر إِلَيْهِمَا
(فِي لَيْلَة من جُمَادَى ذَات أندية
…
لَا يبصر الْكَلْب من ظلمائها الطنبا)
بِتِلْكَ الْعصبَة الَّذين هم فتيَان الكريهة ومساعير الهيجاء وجمرات الْحَرْب كالما شهد بهم الوقائع وخاض غَمَرَات الْمَوْت مَعَ الفرنسيس وَغَيره فَلم يقف بهم إِلَّا بَين المجلتين وأطلقوا الرصاص مثل الْمَطَر وَأَرْسلُوا حراقيات على الْجمال وتهاويل مفزعة فماج النَّاس فِي ذَلِك الظلام الْغَاسِق وَنزل بهم من الهول مَا يقصر اللِّسَان عَن وَصفه وَقَامَ الْخَلِيفَة فَجعل يسكن النَّاس بِنَفسِهِ ويمنعهم من الرّكُوب خوف الْفِرَار وَأمر الْعَسْكَر والطبجية بِالرَّمْي بالكور والضوبلي فَكَانُوا يرْمونَ إِلَى جِهَة محلّة الْمولى أَحْمد ظنا مِنْهُم أَن الْعَدو لَا زَالَ مقابلهم ومحلة الْمولى أَحْمد يرْمونَ إِلَى جهتهم كَذَلِك فَهَلَك من المحلتين بِسَبَب ذَلِك بشر كثير وَأما الْحَاج عبد الْقَادِر فَإِنَّهُ فر فِي أَصْحَابه بعد أَن حملُوا الْكثير من موتاهم مَعَهم وَكَانَ للقائد مُحَمَّد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة ذكر وَلما أصبح النَّاس وتفقدوا حَالهم وجدوا فيهم من الْجَرْحى نَحْو الْألف وَمن الْقَتْلَى مَا يقرب ذَلِك وَأصْبح حول الْمحلة من قَتْلَى أَصْحَاب الْحَاج عبد الْقَادِر الَّذين أجهضهم الْقِتَال عَن حملهمْ نَحْو الْخمسين وأسروا نَفرا أَحيَاء فشاهدوا من طمأنينتهم عِنْد الْقَتْل مَا قضوا مِنْهُ الْعجب ووجدوا عَلَيْهِم كسى رفيعة مطرزة بالصقلى وَالْحَرِير وَنَحْو ذَلِك فَلَقَد كَانَ للرجل اعتناء بالجيش كَمَا نرى ثمَّ إِن الْخَلِيفَة رحمه الله أَمر بِاتِّبَاع الْحَاج عبد الْقَادِر فتبعته الْكَتَائِب المختارة فَكَانَ اللِّقَاء ثَانِيًا بمشرع الرحائل من وَادي ملوية قرب الْبَحْر عِنْد مسْقط ملوية فِي الْبَحْر فصدمته الجيوش صدمة أُخْرَى فنى فِيهَا كماته وَكسرت شوكته وفل حَده وخشعت نَفسه وأيس من جبر حَاله ففر إِلَى الفرنسيس ولجأ إِلَيْهِ وَترك محلته بِمَا فِيهَا فاستولى جَيش الْخَلِيفَة عَلَيْهَا