الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ أَمر بِالْقَاضِي المغيلي وَابْنه وَابْن أبي طاط وَابْنه وَابْن جشار وأخيه فَقتلُوا وَرفعت على الشرفات رؤوسهم وَأخذ البَاقِينَ بغرم المَال طَوْعًا وَكرها قَالَ ابْن خلدون فَكَانَ ذَلِك مِمَّا عبد رعية فاس وقادها لأحكام بني مرين وَضرب الرهب على قُلُوبهم فخشعت مِنْهُم الْأَصْوَات وانقادت مِنْهُم الهمم وَلم يحدثوا بعْدهَا أنفسهم بغمس يَد فِي فتْنَة وَكَانَ مقتل النَّفر الْمَذْكُورين خَارج بَاب الشَّرِيعَة يَوْم الْأَحَد الثَّامِن من رَجَب الْمَذْكُور
اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مَدِينَة سلا ثمَّ ارتجاعها مِنْهُ وهزيمة المرتضى بعد ذَلِك
لما أكمل الله للأمير أبي بكر فتح مَدِينَة فاس واستوسق أَمر بني مرين بهَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ من منازلة بِلَاد فازاز فافتتحها ودوخ أوطان زناتة وَاقْتضى مغارمهم وحسم علل الثائرين بهَا ثمَّ تخطى ذَلِك إِلَى مَدِينَة سلا ورباط الْفَتْح سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فملكها وتاخم الْمُوَحِّدين بثغرها وَاسْتعْمل عَلَيْهَا ابْن أَخِيه يَعْقُوب بن عبد الله بن عبد الْحق وَعقد لَهُ على ذَلِك الثغر وَضم الْأَعْمَال إِلَيْهِ
وَبلغ الْخَبَر بذلك إِلَى المرتضى بمراكش فأهمه الشَّأْن وأحضر الْمَلأ من الْمُوَحِّدين وفاوضهم واعتزم على حَرْب بني مرين وسرح العساكر سنة خمسين وسِتمِائَة فأحاطت بسلا ثمَّ افتتحوها وعادت إِلَى طَاعَة المرتضى وَعقد عَلَيْهَا لأبي عبد الله بن يَعْلُو من مشيخة الْمُوَحِّدين ثمَّ اجْمَعْ المرتضى النهوض بِنَفسِهِ إِلَى بني مرين فَبعث فِي الْمَدَائِن والقبائل حاشرين فأهرعت إِلَيْهِ أُمَم الْمُوَحِّدين وَالْعرب والمصامدة وَغَيرهم وَفصل من مراكش سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة فِي نَحْو الثَّمَانِينَ ألفا وَولى السّير حَتَّى انْتهى إِلَى جبال بهلولة من نواحي فاس وصمد إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر فِي عَسَاكِر بني مرين وَمن اجْتمع إِلَيْهِم من ذويهم
والتقى الْجَمْعَانِ هُنَالك وَصدقهمْ بَنو مرين الجلاد فاختل مصَاف الْمُوَحِّدين وانهزمت عَسَاكِر المرتضى وأسلمه قومه وَرجع إِلَى مراكش مفلولا وَاسْتولى بَنو مرين على مُعَسْكَره واستباحوا سرادقة وانتهبوا فساطيطه وغنموا جَمِيع مَا وجدوا لَهَا من المَال والذخيرة وَاسْتَاقُوا سَائِر الكراع وَالظّهْر وامتلأت أَيْديهم من الْغَنَائِم واعتز أَمرهم وانبسط سلطانهم وَكَانَ يَوْمًا لَهُ مَا بعده وَفِي القرطاس أَن انهزام جَيش المرتضى فِي هَذِه الْمرة كَانَ عَن جولان فرس بَين أخبيتهم لَيْلًا فَحَسبُوا أَن بني مرين قد أَغَارُوا عَلَيْهِم فَانْهَزَمُوا لَا يلوون على شَيْء وَالله أعلم
ثمَّ غزا الْأَمِير أَبُو بكر بعد هَذَا بِلَاد تادلا فاستباح حاميتها من بني جَابر عرب جشم واستلحم أبطالهم والآن من جدهم وخضد من شوكتهم وَفِي خلال هَذِه الحروب كَانَ مقتل عَليّ بن عُثْمَان بن عبد الْحق وَهُوَ ابْن أخي الْأَمِير أبي بكر شعر مِنْهُ بِفساد الدخيلة وَالْإِجْمَاع للتوثب على الْأَمر فَدس لِابْنِهِ أبي حَدِيد مِفْتَاح بن أبي بكر بقتْله فَقتله فِي جِهَات مكناسة سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة وَالله تَعَالَى أعلم
اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على سجلماسة وَدِرْعه وَسَائِر بِلَاد الْقبْلَة
لما كَانَت سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة نَهَضَ الْأَمِير أَبُو بكر إِلَى محاربة يغمراسن بن زيان وَسمع بِهِ يغمراسن فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَيْضا فَكَانَ اللِّقَاء بِأبي سليط فَاقْتَتلُوا وَانْهَزَمَ يغمراسن واعتزم الْأَمِير أَبُو بكر على اتِّبَاعه فثناه عَن رَأْيه فِي ذَلِك أَخُوهُ يَعْقُوب بن عبد الْحق لعهد تَأَكد بَينه وَبَين يغمراسن فَرجع
وَلما انْتهى إِلَى المقرمدة من أحواز فاس بلغه أَن يغمراسن قصد سجلماسة ودرعة لمداخلة كَانَت لَهُ من بعض أَهلهَا وعورة أطمعته فِي ملكهَا فأسرع الْأَمِير أَبُو بكر السّير بجموعه إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا قبل وُصُول يغمراسن إِلَيْهَا بِيَوْم ثمَّ جَاءَ يغمراسن حَتَّى نزل خَارِجهَا بِبَاب تاحسنت وَسقط فِي يَده ويئس من غَلَبَة الْأَمِير أبي بكر عَلَيْهَا ودارت بَينهمَا حَرْب تكافأ
الْفَرِيقَانِ فِيهَا وَهلك سُلَيْمَان بن عُثْمَان بن عبد الْحق ابْن أخي الْأَمِير أبي بكر وانقلب يغمراسن إِلَى بَلَده وَعقد الْأَمِير أَبُو بكر على سجلماسة ودرعة وَسَائِر بِلَاد الْقبْلَة ليوسف بن يزكاسن وَاسْتعْمل على الجباية عبد السَّلَام الأوربي وَجعل مسلحة الْجند بهَا لنظر أبي يحيى القطراني وَملكه قيادتهم وانكفأ رَاجعا إِلَى فاس وَالله تَعَالَى أعلم
وَفَاة الْأَمِير أبي بكر رحمه الله
لما رَجَعَ الْأَمِير أَبُو بكر من حَرْب يغمراسن على سجلماسة أَقَامَ بفاس أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى سجلماسة أَيْضا متفقدا لثغورها فَانْقَلَبَ مِنْهَا عليلا وَوصل إِلَى فاس فَتوفي بقصره من قصبتها أواسط رَجَب سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَدفن دَاخل بَاب الجيزيين من أَبْوَاب عدوة الأندلس بِإِزَاءِ الشَّيْخ أبي مُحَمَّد الفشتالي حَسْبَمَا أوصى بذلك وتصدى للْقِيَام بِالْأَمر بعده ابْنه عمر على مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أبي حَفْص الْأَمِير عمر بن أبي بكر بن عبد الْحق رحمه الله
لما مَاتَ الْأَمِير أَبُو بكر رحمه الله اشْتَمَل الْعَامَّة من بني مرين على ابْنه أبي حَفْص عمر فَبَايعُوهُ ونصبوه لِلْأَمْرِ وتباروا فِي خدمته ومالت المشيخة وَأهل العقد والحل إِلَى عَمه يَعْقُوب بن عبد الْحق وَكَانَ غَائِبا عِنْد مهلك أَخِيه بتازا فَلَمَّا بلغه الْخَبَر أسْرع اللحاق بفاس وتوجهت إِلَيْهِ وُجُوه الأكابر وأحس عمر بميل النَّاس إِلَى عَمه يَعْقُوب فقلق لذَلِك وأغراه أَتْبَاعه بِالْفَتْكِ بِعَمِّهِ فاعتصم بالقصبة ثمَّ سعى النَّاس فِي الْإِصْلَاح بَينهمَا فتفادى يَعْقُوب من الْأَمر وَدفعه إِلَى ابْن أَخِيه على أَن تكون لَهُ بِلَاد تازا وبطوية وملوية الَّتِي كَانَ أقطعه إِيَّاهَا أَخُوهُ من قبل فانفصلوا على ذَلِك وخلص الْأَمر لعمر وَاسْتمرّ بفاس أشهرا إِلَى أَن غلب عَلَيْهِ عَمه الْمَذْكُور حَسْبَمَا نقص عَلَيْك
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله
هَذَا السُّلْطَان جليل الْقدر عَظِيم الشان وَهُوَ سيد بني مرين على الْإِطْلَاق وستسمع من أخباره الْحَسَنَة مَا يسْتَغْرق الْوَصْف ويستوقف السّمع والطرف وَهُوَ رَابِع الْإِخْوَة الْأَرْبَعَة الَّذين ولوا الْأَمر بالمغرب من بني عبد الْحق وَكَانَت أمه وَاسْمهَا أم الْيمن بنت عَليّ البطوي رَأَتْ وَهِي بكر كَأَن الْقَمَر خرج من قبلهَا حَتَّى صعد إِلَى السَّمَاء وأشرق نوره على الأَرْض فقصت رؤياها على أَبِيهَا فَسَار إِلَى الشَّيْخ الصَّالح أبي عُثْمَان الورياكلي فَقَصَّهَا عَلَيْهِ فَقَالَ إِن صدقت رؤياها فستلد ملكا عَظِيما فَكَانَ كَذَلِك وَلما انْفَصل الْأَمِير يَعْقُوب بن عبد الْحق عَن ابْن أَخِيه عمر بِولَايَة تازا وَمَا أضيف إِلَيْهَا اجْتمع إِلَيْهِ كَافَّة بني مرين وعذلوه فِيمَا كَانَ مِنْهُ من التخلي عَن الْملك وَحَمَلُوهُ على الْعود فِي الْأَمر ووعدوه من أنفسهم المظاهرة والنصر إِلَى أَن يتم أمره فَأجَاب وَبَايَعُوهُ وصمد الى فاس فبرز الْأَمِير عمر للقائه
وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ خذل عمر جُنُوده وأسلموه فَرجع إِلَى فاس مفلولا وَوجه الرَّغْبَة إِلَى عَمه أَن يقطعهُ مكناسة وَينزل لَهُ عَن الْأَمر فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَدخل السُّلْطَان يَعْقُوب مَدِينَة فاس فملكها سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة ونفذت كَلمته فِي بِلَاد الْمغرب مَا بَين ملوية وَأم الرّبيع وَمَا بَين سجلماسة وَقصر كتامة وَاقْتصر عمر على إِمَارَة مكناسة فتولاها اياما ثمَّ اغتاله بعض عشيرته فَقَتَلُوهُ لنَحْو سنة من إمارته فَكفى الْأَمِير يَعْقُوب أمره واستقام سُلْطَانه وَذهب التَّنَازُع والشقاق عَن ملكه
وَكَانَ يغمراسن بن زيان لما سمع بِمَوْت قرنه الْأَمِير أبي بكر سما لَهُ أمل فِي الإجلاب على الْمغرب فَجمع لذَلِك قومه من بني عبد الواد وَاسْتظْهر ببني توجين ومغراوة وَوَعدهمْ ومناهم وأطمعهم فِي غيل الْأسد ثمَّ نَهَضَ بهم الى الْمغرب حَتَّى إِذا انْتَهوا إِلَى كلدمان صَمد إِلَيْهِم الْأَمِير يَعْقُوب ففلهم وردهم على أَعْقَابهم وَمر يغمراسن فِي طَرِيقه بتافرسيت من بِلَاد بطوية فَأحرق
وانتسف واستباح وَأعظم النكاية وَرجع الْأَمِير يَعْقُوب إِلَى فاس واقتفى مَذْهَب أَخِيه الْأَمِير أبي بكر فِي فتح أَمْصَار الْمغرب وتدويخ أقطاره وَكَانَ مِمَّا أكْرمه الله بِهِ أَن فتح أمره باستنقاذ مَدِينَة سلا من أَيدي نَصَارَى الإصبنيول فَكَانَ لَهُ بهَا أثر جميل وَذكر خَالِد رحمه الله
اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على مَدِينَة سلا وإيقاع السُّلْطَان يَعْقُوب بهم وطردهم عَنْهَا
كَانَ يَعْقُوب بن عبد الله بن عبد الْحق قد اسْتَعْملهُ عَمه الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق على مَدِينَة سلا لما ملكهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ وَلما استرجعها الموحدون من يَده أَقَامَ يتقلب فِي جهاتها مترصدا للفرصة وإمكانها فِيهَا وَلما بُويِعَ عَمه السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق آسفته بعض الْأَحْوَال مِنْهُ فَذهب مغاضبا حَتَّى نزل عين غبولة وألطف الْحِيلَة فِي تملك رِبَاط الْفَتْح وسلا ليعتدهما ذَرِيعَة لما اسر فِي نَفسه من التوثب على الْأَمر فتمت لَهُ الْحِيلَة وَملك سلا وَركب عاملها أَبُو عبد الله بن يَعْلُو الْبَحْر فَارًّا إِلَى آزمور وَخلف أَمْوَاله وَحرمه فتملك يَعْقُوب بن عبد الله ذَلِك وَتمكن من الْبَلَد وجاهر بِالْخلْعِ وَصرف إِلَى مُنَازعَة عَمه السُّلْطَان يَعْقُوب وُجُوه الْعَزْم وتمكنت الوحشة بَين اليعقوبين
وداخل يَعْقُوب سلا تجار الْحَرْب من الإصبنيول فِي الْإِمْدَاد بِالسِّلَاحِ فتباروا فِي ذَلِك وَكَثُرت سفن المترددين مِنْهُم إِلَيْهَا حَتَّى كَثُرُوا أَهلهَا وَزَاد عَددهمْ فعزموا على الثورة بهَا واهتبلوا فِيهَا غرَّة عيد الْفطر من سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة عِنْد اشْتِغَال النَّاس بعيدهم وثاروا بسلا فِي الْيَوْم الثَّانِي من شَوَّال فوضعوا السَّيْف فِي أَهلهَا وَقتلُوا الرِّجَال وَسبوا الْحرم وانتهبوا الْأَمْوَال وَكَانَ الْحَادِث بهَا عَظِيما وضبطوا الْبَلَد وتحصن يَعْقُوب بن عبد الله برباط الْفَتْح
وطار الصَّرِيخ إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَدِينَة تازا
دَخلهَا أَوَائِل شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة لاستشراف أَحْوَال يغمراسن بن زيان فوصل إِلَيْهِ الْخَبَر فِي الْيَوْم الرَّابِع من شَوَّال الْمَذْكُور فَنَهَضَ السُّلْطَان يَعْقُوب من فوره بعد أَن صلى الْعَصْر بتازا من ذَلِك الْيَوْم فَأسْرى ليلته تِلْكَ فِي نَحْو الْخمسين فَارِسًا وَمن الْغَد صلى الْعَصْر بِظَاهِر سلا فَكَانَ قطعه مَسَافَة مَا بَينهمَا فِي يَوْم وَلَيْلَة وَهَذَا أَمر خارق للْعَادَة بِلَا شكّ أظهره الله على يَد هَذَا السُّلْطَان لصدق عزمه وَحسن نِيَّته وَإِلَّا فالمسافة مَا بَين تازا وسلاست مراحل أَو أَكثر ثمَّ تلاحقت بِهِ جيوش الْمُسلمين من الْقَبَائِل المتطوعة من جَمِيع آفَاق الْمغرب فحاصر النَّصَارَى بهَا وضيق عَلَيْهِم ووالى الْقِتَال عَلَيْهِم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار حَتَّى اقتحمها عَلَيْهِم عنْوَة لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة من حصارها وأثخن فيهم بِالْقَتْلِ وَنَجَا من نجا مِنْهُم إِلَى سفنهم فنشروا قلوعهم وذهبوا يلتفتون وَرَاءَهُمْ ثمَّ شرع السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله فِي بِنَاء السُّور الغربي من سلا الَّذِي يُقَابل الْوَادي مِنْهَا فَإِنَّهَا كَانَ لَا سور لَهَا من تِلْكَ الْجِهَة من أَيَّام عبد الْمُؤمن بن عَليّ فَإِنَّهُ كَانَ قد هدم أسوار قَوَاعِد الْمغرب مثل فاس وسبتة وسلا حَسْبَمَا قدمنَا الْخَبَر عَنهُ فِي دولته وَمن هَذِه التلمة كَانَ دُخُول النَّصَارَى الى سلا فشرع السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله فِي بنائِهِ فبناه من أول دَار الصِّنَاعَة قبْلَة إِلَى الْبَحْر جوفا وَكَانَ رحمه الله يقف على بنائِهِ بِنَفسِهِ ويناول الْحجر بِيَدِهِ ابْتِغَاء ثَوَاب الله وتواضعا وسعيا فِي صَلَاح الْمُسلمين حَتَّى تمّ السُّور الْمَذْكُور على أحصن وَجه وأكمله
وَدَار الصِّنَاعَة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْخَبَر هِيَ الدَّار الَّتِي كَانَت تصنع بهَا الأساطيل البحرية والمراكب الجهادية يجلب إِلَيْهَا الْعود من غابة المعمورة فتصنع هُنَالك ثمَّ ترسل فِي الْوَادي وَكَانَ ذَلِك من الْأَمر المهم فِي دولة الْمُوَحِّدين حَسْبَمَا سلف قَالَ فِي الجذوة دَار الصِّنَاعَة بسلا بناها الْمعلم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحَاج من أهل إشبيلية وَكَانَ من العارفين بالحيل الهندسية وَمن أهل المهارة فِي نقل الأجرام وَرفع الأثقال بَصيرًا باتخاذ الْآلَات الحربية الجافية اه
وَأما يَعْقُوب بن عبد الله الثائر فَإِنَّهُ خشِي بادرة السُّلْطَان يَعْقُوب بن
عبد الْحق فَخرج من رِبَاط الْفَتْح وأسلمه فضبطه السُّلْطَان وثقفه ثمَّ نَهَضَ إِلَى بِلَاد تأمسنا فاستولى عَلَيْهَا وَملك مَدِينَة آنفى وَهِي الْمُسَمَّاة الْآن بِالدَّار الْبَيْضَاء فضبطها وَلحق يَعْقُوب بن عبد الله بحصن علودان من جبال غمارة فَامْتنعَ بِهِ وسرح السُّلْطَان ابْنه أَبَا مَالك عبد الْوَاحِد وَعلي بن زيان لمنازلته وَسَار هُوَ إِلَى لِقَاء يغمراسن فَلَقِيَهُ وَعقد مَعَه المهادنة وافترقا على السّلم وَوضع أوزار الْحَرْب وَرجع السُّلْطَان إِلَى الْمغرب فَخرج عَلَيْهِ بَنو أَخِيه إِدْرِيس على مَا نذكرهُ
خُرُوج بني إِدْرِيس بن عبد الْحق على عمهم السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله
قد تقدم لنا أَن الْأَمِير عبد الْحق المريني كَانَ لَهُ تِسْعَة من الْوَلَد أكبرهم إِدْرِيس وَقتل مَعَ وَالِده فِي حَرْب ريَاح وَكَانَ لإدريس هَذَا عدَّة أَوْلَاد بقوا فِي كَفَالَة أعمامهم وَلما أفْضى الْأَمر إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب وَكَانَ أَوْلَاد إِدْرِيس قد ملكوا أَمر أنفسهم واشتدت شكيمتهم فنفسوا عَلَيْهِ مَا أَتَاهُ الله من الْملك وَرَأَوا أَنهم أَحَق بِهِ مِنْهُ لِأَن أباهم هُوَ الْأَكْبَر من ولد عبد الْحق كَمَا مر فَخَرجُوا على عمهم يَعْقُوب وَلَحِقُوا بقصر كتامة وتابعوا ابْن عمهم يَعْقُوب بن عبد الله على رأية واجتمعوا الى كَبِيرهمْ مُحَمَّد بن ادريس بن عبد الْحق وانضم اليه من كَانَ على رَأْيهمْ من عشيرتهم ومواليهم واعتصموا بجبال غمارة فَنَهَضَ إِلَيْهِم السُّلْطَان يَعْقُوب وتلطف بهم حَتَّى اسْتَنْزَلَهُمْ واسترضاهم وَعقد لعامر بن إِدْرِيس مِنْهُم سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة على عَسْكَر من ثَلَاثَة آلَاف فَارس أَو يزِيدُونَ من المتطوعة من بني مرين وأغزاهم الأندلس لجهاد الْعَدو بهَا وَحَملهمْ وَفرض لَهُم فِي الْعَطاء وشفع بِهَذِهِ الفعلة الْحَسَنَة عمله فِي وَاقعَة سلا وَهُوَ أول جَيش عبر الْبَحْر إِلَى الأندلس من بني مرين فَكَانَ لَهُم فِي الْجِهَاد والمرابطة مَوَاقِف مَذْكُورَة ومقامات محمودة تبع الْخلف فِيهَا السّلف ودام ذَلِك فيهم بُرْهَة من الدَّهْر وَقَامُوا عَن أهل الْمغرب والأندلس بِهَذَا الْوَاجِب الْعَظِيم رحمهم الله وجزاهم عَن الْمُسلمين خيرا
وتمردهم فابتدأ أَولا بِنَهْب آيت سكاتو وثنى ببني سادان وَثلث بالحياينة فَفرُّوا إِلَى جبال غياثة وتحصنوا بهَا فَترك الجيوش ببلادهم تَأْكُل زُرُوعهمْ وَتقدم هُوَ إِلَى تازا ثمَّ اقتحم على الحياينة جبال غياثة فأبادهم قتلا وتشريدا والعساكر ببلادهم تنتسف الزروع وَتحرق العمائر وتستخرج الدفائن إِلَى أَن تركتهَا أنقى من الرَّاحَة وَعَاد إِلَى مكناسة
وَفِي مقَامه بهَا قبض على الشَّيْخ مَحْمُود الشنكيطي المتصوف النابغ بفاس كَانَ قد قدم من بِلَاده وَنزل بمستودع الْقرَوِيين وَأظْهر التنسك فَصَارَ يجْتَمع عَلَيْهِ الْأَعْيَان والتجار من أهل فاس ويعتقدونه قَالَ فِي الْبُسْتَان فَلم يقْتَصر على مَا هُوَ شَأْنه من إقبال الْخلق عَلَيْهِ بل صَار يتَكَلَّم فِي الدولة ويكاتب البربر وَيَزْعُم أَن سُلْطَان الْوَقْت جَائِر وَلم يُوَافق عَلَيْهِ من الْأَوْلِيَاء أحد فنما ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَبعث بِهِ إِلَى مراكش فسجن بهَا ثمَّ امتحن إِلَى أَن مَاتَ وَلم تبكه أَرض وَلَا سَمَاء
وَقَالَ أكنسوس إِنَّه كَانَ يَقُول إِن السُّلْطَان يَمُوت إِلَى شهر فَفَشَا ذَلِك فِي الْعَامَّة وتسابقوا إِلَى شِرَاء الفحم والحطب وادخار الأقوات وحصلت فتْنَة بفاس فأنهى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَكتب إِلَى عَامل فاس بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وتوجيهه إِلَى مراكش ثمَّ أَمر السُّلْطَان أَيْضا وَهُوَ بمكناسة بِالْقَبْضِ على الْأمين الْحَاج الْخياط عديل وَإِخْوَته فسجنوا فِي مَال كَانَ عَلَيْهِم بعضه لَهُ وَبَعضه لوالده من قبله وَفِي تَمام السّنة أَمر بتسريحهم وَبعث الْحَاج الْخياط مِنْهُم وَالسَّيِّد الطَّاهِر بناني الرباطي سفيرين عَنهُ إِلَى السُّلْطَان مصطفى بن أَحْمد العثماني صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وفيهَا أَيْضا اسْتخْلف السُّلْطَان رحمه الله ابْن عَمه الْمولى إِدْرِيس بن الْمُنْتَصر بفاس وولاه على قبائل الْجَبَل كلهَا وفيهَا أَمر بتحبيس الْكتب الإسماعيلية الَّتِي كَانَت بدويرة الْكتب بمكناسة وعددها اثْنَا عشر ألف مُجَلد وَزِيَادَة فحبسها على مَسَاجِد الْمغرب كُله وَلَا زَالَت خزائنها مشحونة بهَا إِلَى الْآن مَكْتُوبًا عَلَيْهَا رسم التحبيس باسم السُّلْطَان
الْمَذْكُور ثمَّ ارتحل إِلَى مراكش وفيهَا أَيْضا تولى الْحَاج مُحَمَّد الصفار مكس فاس بِاثْنَيْنِ وَعشْرين ألف مِثْقَال فِي السّنة
إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بقبيلة مسفيوة وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ هَؤُلَاءِ مسفيوة شيعَة للْمولى المستضيء حَسْبَمَا تقدم وَلما زحف السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد الْحَوْز وشرد أَخَاهُ الْمولى المستضيء عَن مسفيوة وأوقع بهم الْوَقْعَة الَّتِي تقدم الْخَبَر عَنْهَا أذعنوا إِلَى طَاعَته فِي الظَّاهِر وَبقيت الحسائف كامنة فِي صُدُورهمْ فَكَانَت تِلْكَ الطَّاعَة الَّتِي أظهروها لَهُ هدنة على دخن وَاسْتمرّ حَالهم على ذَلِك إِلَى أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله فشرى فسادهم وَقَالَ فِي الْبُسْتَان كَانَ هَؤُلَاءِ مسفيوة من الطغيان وَالِاسْتِخْفَاف من الدولة على غَايَة لم تكن لأحد من يَوْم اسْتخْلف سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش وَهُوَ يعالج داءهم فَمَا نفع فِيهِ ترياق إِلَى أَن قدم مراكش قَدمته هَذِه فوفد عَلَيْهِ بهَا مائَة وَخَمْسُونَ من أعيانهم فانتهز فيهم الفرصة وقتلهم كلهم سوى القَاضِي ثمَّ سرب الْخُيُول للغارة على حلتهم فانتسفوها وأبلغوا فِي النكاية فانخضدت بذلك شوكتهم واستقامت طاعتهم وصلحت أَحْوَالهم فِيمَا بعد ذَلِك
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَألف فِيهَا جَاءَ السُّلْطَان من مراكش إِلَى الغرب وَنهب فِي طَرِيقه آيت سيبر من زمور الثَّلج وبددهم وَلما وصل إِلَى مكناسة أَمر الْقَبَائِل بِدفع الزكوات والأعشار فَكَانَت الحياينة وشراقة وَسَائِر الحوزية يدْفَعُونَ واجبهم بهري فاس وَكَانَ أهل الغرب وَبَنُو حسن والبربر يدْفَعُونَ بهري مكناسة ثمَّ نَهَضَ السُّلْطَان إِلَى غَزْو مرموشة فَهَزَمَهُمْ وَنهب أَمْوَالهم وَاسْتولى على معاقلهم وَقتل مِنْهُم عددا وافرا وَذَلِكَ بعد أَن انتصروا على عَسْكَر السُّلْطَان أَولا وظهروا عَلَيْهِ فَتقدم إِلَيْهِم رحمه الله بِنَفسِهِ وعبيده
المسخرين فأوقع بهم وشرهم ثمَّ صَار إِلَى تازا فَأصْلح شؤونها وثقف أطرافها وَعَاد سالما مظفرا
وَفِي هَذِه السّنة توفّي قَائِد القواد الَّذِي كَانَ من السُّلْطَان بِمَنْزِلَة الْوَزير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حدو الدكالي الَّذِي كَانَ ولاه على دكالة لأوّل ولَايَته ثمَّ أضَاف إِلَيْهِ تامسنا وتادلا مَكَان اليوزراري الجابري عَمُود الدولة المحمدية رحمه الله وَلما توفّي ولى السُّلْطَان مَكَانَهُ ابْن عَمه الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَمِائَة وَألف فِيهَا أَمر السُّلْطَان بِبِنَاء قبَّة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم بفاس وفيهَا ثار رجل اسْمه أَحْمد الْخضر بصحراء فجيج فَكَانَ يزْعم أَنه الْمولى عبد الْملك ثمَّ صَار يزْعم أَنه داعيته وَفتن النَّاس بِتِلْكَ الْجِهَات وَجَرت على يَدَيْهِ حروب وخطوب فَبعث السُّلْطَان إِلَى عرب تِلْكَ الْبِلَاد فَقَتَلُوهُ وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ بمكناسة وَكَانَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ مَرِيضا فعافاه الله وسافر إِلَى مراكش
وَلما اجتاز برباط الْفَتْح بعث مِنْهُ الرئيس الْحَاج التهامي مدور الرباطي باشدورا إِلَى بِلَاد السويد ليَأْتِيه بِإِقَامَة المراكب والبارود وَبعث أَيْضا الرئيس أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ المستيري الرباطي باشدورا إِلَى بِلَاد النجليز ليصلح بهَا قرصانه وَيجْعَل لَهُ إِقَامَة جَدِيدَة فَقَدمهَا وجدد قرصانه واستصحب مَعَه إِقَامَة مركبين ومدافع نحاسية وَغير ذَلِك وَعَاد لتَمام السّنة
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف فِيهَا كَانَت وَلِيمَة عرس ولد السُّلْطَان الْمولى على بن مُحَمَّد بمراكش على ابْنة عَمه الْمولى أَحْمد بن عبد الله وعرس ابْن أَخِيه سَيِّدي مُحَمَّد بن أَحْمد على ابْنة السُّلْطَان وَكَانَت وَلِيمَة عَظِيمَة حضرها عَامَّة أهل الْمغرب بهداياهم وأبهاتم وشاراتهم واستقامت الْأُمُور للسُّلْطَان رَحمَه الله
بِنَاء مَدِينَة الصويرة حرسها الله
لما فرغ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله من وَلِيمَة عرس أَوْلَاده سَار إِلَى نَاحيَة الصويرة بِقصد بنائها وعمارتها فَوقف على اختطاطها وتأسيسها وَترك البنائين والعملة بهَا وَأمر عماله وقواده بِبِنَاء دُورهمْ بهَا وَعَاد إِلَى مراكش
وَقَالَ الْكَاتِب أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمهْدي الغزال فِي رحلته مَا ملخصه إِن السَّبَب فِي بِنَاء مَدِينَة الصويرة هُوَ أَن السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله كَانَ لَهُ ولوع بِالْجِهَادِ فِي الْبَحْر وَاتخذ لذَلِك قراصين حربية تكون فِي غَالب الْأَوْقَات بمرسى العدوتين ومرسى العرائش وَكَانَ سفرها فِي الْبَحْر مَقْصُورا على شَهْرَيْن فِي السّنة زمَان الشتَاء لِأَن المراسي مُتَّصِلَة بالأودية وَفِي غير إبان الشتَاء يقل المَاء ويعلو الرمل بأفواه المراسي فَيمْنَع من اجتياز القراصين بهَا ويتعذر السّفر ففكر السُّلْطَان رحمه الله فِي حِيلَة يَتَأَتَّى بهَا سفر قراصينه فِي سَائِر أَيَّام السّنة فَبنى ثغر الصويرة واعتنى بِهِ لِسَلَامَةِ مرساه من الآفة الْمَذْكُور ة
وَذكر غير الغزال أَن الْبَاعِث للسُّلْطَان الْمَذْكُور على بِنَاء الصويرة هُوَ أَن حصن آكادير كَانَت تتداولة الثوار من أهل السوس مثل الطَّالِب صَالح وَغَيره ويسرحون وسق السّلع مِنْهُ افتياتا ويستبدون بأرباحها فَرَأى أَن حسم تِلْكَ الْمَادَّة لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بإحداث مرسى آخر أقرب إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَة وَأدْخل فِي وسط المملكة من آكادير حَتَّى تتعطل على أُولَئِكَ الثوار منفعَته فَلَا يتشوف أحد إِلَيْهِ فاختط مَدِينَة الصويرة وأتقن وَضعهَا وتأنق فِي بنائها وشحن الجزيرتين الدائرتين بمرساها كبرى وصغرى بالمدافع وشيد برجا على صَخْرَة دَاخل الْبَحْر وشحنه كَذَلِك فَصَارَ القاصد للمرسى لَا يدخلهَا إِلَّا تَحت رمي المدافع من البرج والجزيرة مَعًا
وَلما تمّ أمرهَا جلب إِلَيْهَا تجار النَّصَارَى بِقصد التِّجَارَة بهَا وَأسْقط عَنْهُم
وظيف الأعشار ترغيبا لَهُم فِيهَا فأهرعوا إِلَيْهَا من كل أَوب وانحدروا إِلَى مرْسَاها من كل صوب فعمرت فِي الْحِين وَاسْتمرّ الترخيص لَهُم فِيهَا مُدَّة من السنين ثمَّ رد أمرهَا إِلَى مَا عَلَيْهِ حَال المراسي من أَدَاء الصاكة وَغَيرهَا من اللوازم وَهِي الْآن بِهَذَا الْحَال وَالله تَعَالَى أعلم
هجوم الفرنسيس على ثغر سلا والعرائش ورجوعه عَنْهُمَا بالخيبة
قد قدمنَا مَا كَانَ للسُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله من الولوع بِأَمْر الْبَحْر وَالْجهَاد فِيهِ فَلم تزل قراصينه تَتَرَدَّد فِي أكناف الْبَحْر وتجوس خلال ثغور الْكفْر فَتقْتل وتأسر وتغنم وَتَسْبِي إِلَى أَن ضَاقَ بهم رحب الفضاء وَكَاد يستأصل جمهورهم حكم الْقَضَاء فَمنهمْ من فزع إِلَى طلب المهادنة وَحسن الْجوَار وَمِنْهُم من كَذبته نَفسه فتطاول إِلَى الْأَخْذ بالثأر
وَمن هَذَا الْقسم الثَّانِي جنس الفرنسيس فَإِن قراصين السُّلْطَان رحمه الله كَانَت قد غنمت مِنْهُ مركبا ساقته إِلَى مرسى العرائش وغنمت مِنْهُ غير ذَلِك فِي مَرَّات مُتعَدِّدَة فَدَعَاهُ ذَلِك إِلَى أَن هجم على ثغر سلا أَوَاخِر سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف قَالَ الغزال فِي رحلته رمى الفرنسيس بمرسى سلا من الأنفاض والبنب مَا ظن أَنه يحصل بِهِ على طائل فَأُجِيب مِنْهَا بِضعْف ذَلِك فَلم يلبث إلاوأجفانه هاربة تقفو أواخرها الْأَوَائِل وفر هَارِبا مهزوما سَاقِط الألوية مذموما اه وَرَأَيْت بِخَط الْفَقِيه الْعَلامَة أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمَكِّيّ السدراتي السلاوي رحمه الله مَا صورته هجم الفرنسيس على مَدِينَة سلا يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي عشر من ذِي الْحجَّة متم سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وَألف فأقاموا يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم السبت بِظَاهِر الْبَحْر لم يَفْعَلُوا شَيْئا وَفِي يَوْم الْأَحَد تقدّمت سفنهم فرموا من البنب مائَة وَسبعا وَسبعين وهدمت الدّور وفر النِّسَاء وَالصبيان خَارج الْبَلَد وَلم يبْق بهَا إِلَّا الْقَلِيل وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَفِي
صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ أرسل الله عَلَيْهِم الرّيح ففرقت مراكبهم وَنَفس الله عَن الْمُسلمين وَفِي يَوْم السبت الْآتِي بعده رجعُوا فرموا مائَة وَعشْرين وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّالِث وَالْعِشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور رموا مائَة ونيفا وَثَلَاثِينَ وَلم يستشهد من الْمُسلمين فِي تِلْكَ الْمدَّة سوى رجل وَاحِد اه قَالَ الغزال ثمَّ إِن الفرنسيس عالج مَا انصدع من أجفانه فِي حَرْب سَار ثمَّ هجم على ثغر العرائش قَالَ السدراتي فَرمى عَلَيْهَا فِيمَا ذكرُوا أَرْبَعَة آلَاف نفض ونيفا وَثَلَاثِينَ نفضا وخربوها وهدموا دورها ومسجدها قَالَ وَذَلِكَ مفتتح سنة تسع وَسبعين وَمِائَة وَألف وَفِي يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي من الْمحرم وَقيل التَّاسِع مِنْهُ لَيْلَة عَاشُورَاء اقتحموا المرسى فِي خَمْسَة عشر قاربا مشحونة من الْعَسْكَر بِنَحْوِ الْألف وفيهَا من الشلظاظ والفسيان عدد كثير وتصاعدوا مَعَ مجْرى الْوَادي إِلَى مراكب السُّلْطَان الَّتِي كَانَت هُنَالك فحرقوا سفينة مِنْهَا وَهِي الَّتِي غنمها الْمُسلمُونَ مِنْهُم وعمدوا إِلَى أُخْرَى فكسروها بالمعاول والفؤوس ثمَّ تكاثر عَلَيْهِم الْمُسلمُونَ وَقَاتلهمْ بَنو جرفط وَأهل السَّاحِل حَتَّى ردوهم عل أَعْقَابهم
وَلما انقلبوا رَاجِعين إِلَى مراكبهم وجدوا عرب الغرب مَعَ قائدهم حبيب الْمَالِكِي قد أخذُوا بمخنقهم على فَم المرسى وانبثوا لَهُم على الْحجر الَّذِي هُنَالك وَبعث الله ريحًا من جِهَة الْبَحْر عظمت بهَا أمواجه ومنعتهم من الْخُرُوج فَكَانُوا إِذا توسطوا الْوَادي لِيخْرجُوا ردتهم الرّيح وَإِذا انحازوا إِلَى أحد الشطين رماهم الْمُسلمُونَ بالرصاص حَتَّى استأصلوا جمهورهم ثمَّ سبحوا إِلَيْهِم حَتَّى خالطوهم فِي قواربهم فَاسْتَاقُوا أحد عشر قاربا وَنَجَا أَرْبَعَة وتقسمهم الْمُسلمُونَ بَين قَتِيل وأسير وَتَفَرَّقُوا فِي الْأَعْرَاب والبادية أَيدي سبا ثمَّ أَمر السُّلْطَان بِجَمْعِهِمْ وَأعْطى كل من أَتَى بأسير مِنْهُم مَالا وَكِسْوَة فَاجْتمع مِنْهُم نَحْو الْخمسين فبقوا فِي الْأسر إِلَى أَن توَسط فِي فدائهم طاغية الإصبنيول ففدوا بِمَال لَهُ بَال
وَأما رُؤُوس الْقَتْلَى فقد أَمر السُّلْطَان رحمه الله بتوجيه نَحْو الثَّمَانِينَ مِنْهَا إِلَى سلا فعلقت بالصقالة الْقَرِيبَة من ضريح الشَّيْخ ابْن عَاشر رضي الله عنه وَبعد هَذَا وَقع الصُّلْح مَعَ جنس الفرنسيس وانعقدت الشُّرُوط مَعَه كَمَا سَيَأْتِي
ثمَّ إِن السُّلْطَان رحمه الله قدم العرائش عقب الْوَقْعَة وَأقَام بهَا شهرا واعتنى بشأنها فَبنى بهَا الصقائل والأبراج حَتَّى صَارَت من أعمر الثغور وبيد الله تصاريف الْأُمُور
مراسلة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله لطاغية الإصبنيول وَمَا اتّفق فِي ذَلِك
كَانَ السَّبَب الَّذِي أوجب مراسلة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله لطاغية الإصبنيول أَن جمَاعَة من أسرى الْمُسلمين الَّذين كَانُوا بأصبانيا كتبُوا مكاتيب عديدة إِلَى السُّلْطَان رحمه الله يعلمونه بِمَا هم فِيهِ من ضيق الْأسر وَثقل الإصر وَمَا نالهم من الْكفَّار من الامتهان وَالصغَار وَكَانَ فيهم من ينتمي للْعلم وَمن يقْرَأ الْقُرْآن وَغير ذَلِك فَلَمَّا وصلت كتبهمْ إِلَى السُّلْطَان وقرئت عَلَيْهِ تأثر لذَلِك وَوَقعت مِنْهُ موقعا كَبِيرا وَأمر فِي الْحسن بالكتب إِلَى طاغية الإصبنيول يَقُول لَهُ إِنَّه لَا يسعنا فِي ديننَا إهمال الْأُسَارَى وتركهم فِي قيد الْأسر وَلَا حجَّة فِي التغافل عَنْهُم لمن ولاه الله الْأَمر وَفِيمَا نظن أَنه لَا يَسَعكُمْ ذَلِك فِي دينكُمْ أَيْضا وأوصاه أَن يعتني بخواص الْمُسلمين الَّذين هُنَالك من أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن وَأَن لَا يسْلك بهم مَسْلَك غَيرهم من عَامَّة الْأُسَارَى قَالَ مثل مَا نَفْعل نَحن بأساركم من الفرايلية فَإنَّا لَا نكلفهم بِخِدْمَة وَلَا نخفر لَهُم ذمَّة
فَلَمَّا وصل هَذَا الْكتاب إِلَى الطاغية أعظمه وَكَاد يطير سُرُورًا بِهِ وللحين أَمر بِإِطْلَاق الْأُسَارَى الَّذين بِحَضْرَتِهِ وَبعث بهم إِلَى السُّلْطَان ووعده أَن يلْحق بهم غَيرهم من الَّذين بقوا بِسَائِر إيالته فَوَقع ذَلِك من السُّلْطَان رَحمَه
أصيلا وزار وَليهَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن مَرْزُوق وتبرك بِهِ ثمَّ مر بالعرائش وَهَكَذَا تتبع الثغور ثغرا ثغرا إِلَى آسفي وَفِي أثْنَاء ذَلِك ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بانتقاض الشراردة على الْمولى الْمَأْمُون صَاحب مراكش وخروجهم عَن الطَّاعَة وإفسادهم السابلة ونهبهم الرفاق وأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا حَتَّى كَانُوا يصلونَ إِلَى جنَّات مراكش فسدد السُّلْطَان رحمه الله قَصده نحوهم وَكَانَ من أمره مَعَهم مَا نذكرهُ
فتح زَاوِيَة الشرادى وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى غزوها
قد قدمنَا مَا كَانَ من أَمر الْمهْدي بن الشرادي الزراري مَعَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله بِمَا فِيهِ كِفَايَة ثمَّ لما بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بَايعه الْمهْدي فِي جملَة النَّاس وَلما قدم السُّلْطَان مراكش قَدمته الأولى لقِيه الشراردة فِي خَمْسمِائَة فَارس بمشرع ابْن حمى مؤدين الطَّاعَة ففرح السُّلْطَان بهم وَأكْرم وفادتهم وَلما عزموا على الرُّجُوع كَانَ فِي جملَة مَا قَالَ لَهُم السُّلْطَان رحمه الله إِن مَا فَاتَ قد مَاتَ وَمَا نهب فِي أَيَّام الْفِتْنَة فَهُوَ هدر وَمن الْآن من فعل شَيْئا يخَاف على نَفسه فَرجع الشراردة إِلَى بِلَادهمْ وَعِيد السُّلْطَان بمراكش عيد المولد فَحَضَرت الْوُفُود وَحضر الشراردة فِي جُمْلَتهمْ وَسَاقُوا للسُّلْطَان خَمْسَة عشر جملا من الْكَتَّان وَخَمْسَة أحمال من الملف وَأَرْبَعَة آلَاف مِثْقَال عينا مِمَّا كَانُوا نهبوه من صاكة الصويرة قبيل وَفَاة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله حَسْبَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ قبل فَكَانَ من تَمام إِحْسَان السُّلْطَان إِلَيْهِم وتألفه إيَّاهُم أَن قَالَ لَهُم افرضوا لي مِائَتي فَارس مِنْكُم تذْهب إِلَى درعة وَهَذَا الْكَتَّان والملف هُوَ كسوتهم وَالْمَال صائرهم فَفَعَلُوا وكساهم السُّلْطَان وأنعم عَلَيْهِم ثمَّ لما ولى أَخَاهُ الْمولى الْمَأْمُون على مراكش مرضوا فِي طَاعَته ودعا الْمهْدي تهوره إِلَى أَن شكاه إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بمكناسة يَوْمئِذٍ ويعتد عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْهُم الزكوات والأعشار على غير وَجههَا الشَّرْعِيّ وَأَنه ولي عَلَيْهِم أَرْبَعَة عُمَّال أَو خَمْسَة عوض عَامل وَاحِد
كَانَ يتَوَلَّى عَلَيْهِم فأغضى السُّلْطَان عَن ذَلِك وَبَالغ فِي الأنة القَوْل لَهُ فِي كِتَابه ووعده بِأَنَّهُ إِذا وصل إِلَى مراكش يشكيه من أَخِيه وَفِي أثْنَاء ذَلِك وَقبل وُصُول كتاب السُّلْطَان إِلَيْهِ أغرى إخوانه بِالْخرُوجِ عَن طَاعَة السُّلْطَان والاشتغال بِمَا يسْخط الله ويرضي الشَّيْطَان فانبثت خيولهم فِي الطرقات ومخروها مخرا وانتسفوها نسفا وعمدوا إِلَى قوادهم الَّذين ولاهم الْمولى الْمَأْمُون عَلَيْهِم فقبضوا عَلَيْهِم وأودعوهم السجْن وانتهبوا دُورهمْ وَوصل المسافرون والتجارإلى بَاب السُّلْطَان مجردين عُرَاة يَشكونَ مَا دهمهم من أَمر الشراردة وتكاثر عَلَيْهِ شذاذهم فَحِينَئِذٍ اسْتَأْنف السُّلْطَان جده وأرهف حَده وَكتب إِلَى أَخِيه الْمولى الْمَأْمُون باستنفار قبائل الْحَوْز وَجَمعهَا عَلَيْهِ حَتَّى يقدم عَلَيْهِ وَسَار السُّلْطَان فِي جَيش العبيد والودايا وآيت أدراسن وزمور وعرب بني حسن وَبني مَالك وسُفْيَان وَكتب إِلَى الشاوية ودكالة أَن تكون خيلهم معدة حِين يمر بهم وَكَانَ الْمهْدي قد عظم ناموسه وَتمكن من جهلة قومه وَكَاد يتجاوزهم إِلَى غَيرهم حَتَّى صَار يعرض أَو يُصَرح بِأَنَّهُ الْمهْدي المنتظر وَكَانَ السَّبَب الْأَقْوَى فِي طغيانه وطغيان قومه مَا اتّفق لَهُ فِي هزيمَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله فَظن الْمهْدي وشراردته أَن لَا غَالب لَهُم من الله وَلما برز السُّلْطَان رحمه الله من رِبَاط الْفَتْح لقِيه ركب الْحجَّاج الَّذين انتهبهم هشتوكة والشياظمة الَّذين بأحواز آزمور وَكَانَت الْعَادة يَوْمئِذٍ بالمغرب أَن ركاب الْحَاج تَأتي من آفَاق الْمغرب فتجتمع بفاس وَمِنْهَا يخرج الركب على الْهَيْئَة الْمَعْهُودَة فِي ذَلِك الزَّمَان فَلَمَّا وصل هَؤُلَاءِ الْحجَّاج من أهل السوس وَغَيرهم إِلَى الشياظمة وهشتوكة انتهبوهم وجردوهم من الْمخيط وَالْمُحِيط فَسمع السُّلْطَان رحمه الله شكواهم وامتعض لانتهاك حرمتهم وزحف إِلَى هَؤُلَاءِ المفسدين فأوقع بهم وقْعَة شنعاء بالموضع الْمَعْرُوف بفرقالة من أَعمال آزمور حَتَّى كَانُوا يلقون أنفسهم فِي الْبَحْر طلبا للنجاة بعد أَن أثروا فِي الْمحلة أول النَّهَار ثمَّ كَانَت الكرة عَلَيْهِم وَحكم السُّلْطَان السَّيْف فِي رقابهم وامتلأت أَيدي الْعَسْكَر من أثاثهم وماشيتهم وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة طَلِيعَة الْفَتْح ومقدمة الظفر ثمَّ عبر إِلَى آزمور وَمِنْهَا إِلَى الجديدة ثمَّ سَار مَعَ السَّاحِل
حَتَّى وصل إِلَى آسفي فزار الشَّيْخ أَبَا مُحَمَّد صَالح رضي الله عنه وَعطف إِلَى الزاوية الشرادية فبغتها وطلعت عَلَيْهَا راياته المنصورة بِاللَّه مَعَ الصَّباح وَلم يعرج على مراكش وَقبل نزُول الْجَيْش وَضرب الأخبية أنشبت الْحَرْب مَعَهم فتقاتلوا وتحاجزوا مَعَ الظّهْر وَكَانَ الزَّمَان زمَان مصيف ودامت الْحَرْب سَبْعَة أَيَّام وَنصب عَلَيْهِم السُّلْطَان المدافع والمهاريس الْعِظَام وَفِي الْيَوْم الْخَامِس من تِلْكَ الْأَيَّام كَانَ عيد المولد الْكَرِيم يَوْم الْأَرْبَعَاء من سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَأَرَادَ السُّلْطَان رحمه الله أَن يعفي النَّاس من الْحَرْب ذَلِك الْيَوْم فَحمل الشراردة طغيانهم وبغيهم على أَن تقدمُوا للجيش وأنشبوا الْحَرْب فَأمر السُّلْطَان بالزحف إِلَيْهِم والنكاية فيهم وَكَانَ الْمعلم الْأَكْبَر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله ملاح السلاوي حَاضرا فِي هَذِه الْوَقْعَة فَتقدم إِلَيْهِ السُّلْطَان بالوصاة بالجد وَالِاجْتِهَاد فِي الرَّمْي فَرمى عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْيَوْم مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بنبة كلهَا فِي وسط الزاوية تتفرقع عِنْد نُزُولهَا فتأتي على مَا جاورها من جِدَار وَغَيره حَتَّى شاهدوا فِي ذَلِك الْيَوْم الْمَوْت الْأَحْمَر وَكَانُوا هم أَيْضا يرْمونَ بالكور والبنب من المدافع والمهاريس الَّتِي استولوا عَلَيْهَا فِي محلّة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ثمَّ لما كَانَ عشي الْجُمُعَة السَّابِع من أَيَّام الْحَرْب افْتَرَقت كلمتهم وعزم الْمهْدي على الْفِرَار فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه كَيفَ تَفِر وتتركنا وَأَيْنَ مَا كنت تعدنا فَقَالَ لَهُم أما أَنْتُم فَالَّذِي أورثكم أسلافكم هُوَ الْخدمَة مَعَ السُّلْطَان فَلَا تستنكفوا مِنْهَا وَأما أَنا فَالَّذِي عِنْدِي وسمعته من آبَائِي أَن الْحَرْب تدوم على هَذِه الْقرْيَة سَبْعَة أَيَّام ثمَّ يستولي عَلَيْهَا السُّلْطَان الَّذِي يَجِيء من نَاحيَة الْبَحْر وَهُوَ هَذَا فِي كَلَام آخر تكهن لَهُم فِيهِ واعتقد الجهلة صدقه بعد أَن أتلفوا عَلَيْهِ نُفُوسهم وَأَمْوَالهمْ وَمن يضلل الله فَمَا لَهُ من هاد وَلما جن اللَّيْل ركب فِيمَا قيل على حمَار وَركب مَعَه شرذمة من أَصْحَابه نَحْو الْعشْرين فَارِسًا فشيعوه إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بتيزكي فودعهم وَذهب إِلَى السوس بعد أَن سفك الدَّم الْحَرَام وانتهب المَال الْحَرَام وملأ صَحِيفَته من الآثام نسْأَل الله الْعَفو والعافية وَلما فر الْمهْدي عَنْهُم تفَرقُوا شذر مذر وَبَاتُوا يتحملون بنسائهم وَأَوْلَادهمْ إِلَى منجاتهم وَالَّذين صَعب عَلَيْهِم الْخُرُوج
اجْتَمعُوا وَسَارُوا إِلَى القواد الْأَرْبَعَة فسرحوهم وَرَغبُوا إِلَيْهِم فِي الوساطة عِنْد السُّلْطَان فَأَصْبحُوا على أَطْرَاف الْمحلة يستأذنون على الْمولى الْمَأْمُون فَأذن لَهُم ودخلوا عَلَيْهِ وشفعوا فِيمَن بَقِي مِنْهُم وطلبوا الْأمان فَأَمنَهُمْ ثمَّ تقدمُوا إِلَى السُّلْطَان فَاسْتَأْذنُوا فَأذن لَهُم ودخلوا وأخبروا بِمَا عقد لَهُم الْمولى الْمَأْمُون من الْأمان فأمضاه لَهُم ثمَّ أَمر السُّلْطَان بِجمع الشراردة الَّذين بقوا بالقصبة فَجمع لَهُ مِنْهُم نَحْو الْأَلفَيْنِ وعاثت الجيوش فِي بُيُوتهم وأمتعتهم
وَقيل إِن السُّلْطَان رحمه الله لم يؤمنهم وَلما قبض عَلَيْهِم عزم على تحكيم السَّيْف فِي رقابهم فاستفتى الْعلمَاء فيهم فتحاموا الْإِفْتَاء بإراقة الدَّم حَتَّى أَن مِنْهُم من أفتى وَهُوَ الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المرابط المراكشي بِأَنَّهُم تَابُوا قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِم فتوقف السُّلْطَان رحمه الله عَن قَتلهمْ وَكَانَ وقافا عِنْد الْحق دائرا مَعَ الشَّرْع حَيْثُ دَار ثمَّ أَمر رحمه الله بِالِاحْتِيَاطِ على عِيَال الْمهْدي وَأَوْلَاده فاحتيط عَلَيْهِم فجيء بهم إِلَيْهِ وبعثهم إِلَى مكناسة فأنزلوا بدار الْقَائِد مُحَمَّد بن الشَّاهِد البُخَارِيّ الَّذِي هلك فِي وقْعَة آعليل مَعَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَأمر السُّلْطَان بسور القصبة فهدم إبرارا لقسمه وحيزت المدافع والمهاريس الَّتِي كَانَت مَنْصُوبَة عَلَيْهِ وَلما انْقَضى أَمر الْحَرْب وَتمّ الْفَتْح هلك الْمعلم مُحَمَّد ملاح نفطت فِيهِ بنبة فَقتلته وَقتلت جمَاعَة مَعَه فَوقف السُّلْطَان عَلَيْهِ بِنَفسِهِ حَتَّى أقبر وَأحسن إِلَى أَوْلَاده بعد ذَلِك وَرَأَيْت بِخَط الْوَزير ابْن إِدْرِيس فِي بعض مكاتيبه مَا نَصه وَاعْلَم أَن الله سُبْحَانَهُ قد فتح علينا الزاوية الشرادية وَأهْلك أَهلهَا الظَّالِمين وَلم تبْق لَهُم بَاقِيَة وَلَا زَالَت العساكر مُقِيمَة على هدمها وتخريبها وَقد قبض مِنْهُم على أَكثر من سِتّمائَة رجل وربحت النَّاس بِمَا وجدت فِيهَا من الأثاث والذخائر والأنعام اه
ثمَّ إِن السُّلْطَان رحمه الله فرق مساجين الشراردة فسجن بَعضهم برباط الْفَتْح وَبَعْضهمْ بمكناسة وَبَعْضهمْ بفاس ثمَّ بعد مُضِيّ نَحْو السّنة سرحهم ونقلهم إِلَى بسيط آزغار وَجمع إخْوَانهمْ من الْقَبَائِل فضمهم إِلَيْهِم وَلَا زَالُوا
موطنين بِهِ إِلَى الْآن وَأما الْمهْدي فَإِنَّهُ ذهب إِلَى السوس وانْتهى إِلَى آيت باعمران من ولتيتة فَنزل على مرابطها أبي عبد الله مُحَمَّد آعجلي الباعمراني وَاسْتمرّ عِنْده ثَلَاث سِنِين وَضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ بعث من شفع لَهُ عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقبل السُّلْطَان شَفَاعَته وَجَاء الْمهْدي فِي قَيده إِلَى أَن دخل على السُّلْطَان بمراكش وَبكى أَمَامه وتضرع فسامحه السُّلْطَان ثمَّ بَعثه إِلَى مكناسة فَاجْتمع بأولاده وَبعد مُدَّة يسيرَة ولاه السُّلْطَان على إخوانه
قَالَ أكنسوس عاملهم بالإساءة فَعَادَت محبتهم لَهُ عَدَاوَة وضجوا إِلَى السُّلْطَان مِنْهُ فَعَزله ثمَّ حج الْمهْدي بِإِذن السُّلْطَان وَرجع فولاه أَيْضا فَلم يقبلوه ثمَّ سجن ثمَّ سرح وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال وتأخرت وَفَاته إِلَى أَوَائِل شَوَّال من سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي أول دولة سُلْطَان الْعَصْر وَإِمَام النَّصْر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الْحسن بن مُحَمَّد رضي الله عنه وَلما تمّ فتح الزاوية الْمَذْكُورَة قَالَ شعراء الْعَصْر فِي ذَلِك فَمنهمْ الْفَقِيه الأديب أَبُو عبد الله أكنسوس قَالَ
(بشائر لَا تحيط بهَا الشُّرُوح
…
كَأَن سميعها فنن مروح)
(سقى ربع البشير بهَا غمام
…
يباكرها هتون أَو يروح)
(تفديه المحافل وَهُوَ يشدو
…
فتوح فِي مضمنها فتوح)
(وَتَأمل أَن تقبله الغواني
…
تذيل لَهُ المباسم أَو تبيح)
(بشائر كَاد يسْمعهَا دَفِين
…
ويسري فِي الجماد بِهن روح)
(شفى الْمولى الْمُؤَيد كل صدر
…
بِهِ من قبل وقعتها جروح)
(وَأدْركَ ثار عصبته وأضحى
…
لعزة قدره شرف صَرِيح)
(لقد حسم الْفساد بِكُل أَرض
…
فَسَاد بِهِ لنا الدّين السميح)
(وزر على زُرَارَة كل خزي
…
تشق لَهُ المجاسد إِذْ تنوح)
(وَقد كَانَت تصر على ازورار
…
وَكَانَت لَا ينهنهها قَبِيح)
(وَمن كَانَت مراكبه جماحا
…
فسحقا حِين تصرعه الجموح)
(أتيح لَهُم لحينهم جهول
…
غوى للضلال لَهُ جنوح)
(يقودهم إِلَى الْعِصْيَان سرا
…
وَيظْهر أَنه الْبر النصوح)
(يُحَدِّثهُمْ إِذا مَا حم خطب
…
حَدِيثا كَانَ مصدره سطيح)
(هُوَ الدَّجَّال فِي سمت وَفعل
…
فَمن يَدعُوهُ مهديا وقوح)
(فَأَهْلَكَهُ الإِمَام فَكَانَ عِيسَى
…
كَذَا الدَّجَّال يهلكه الْمَسِيح)
(فصير دَار منعته فلاتا
…
على أطلالها البوم السنيح)
(وفر عَن الذمار على حمَار
…
عليل الْعرض جؤجؤه صَحِيح)
(فيالؤم الذَّلِيل فَلَا وهين
…
فيعذر بالفرار وَلَا جريح)
(وَخير من جباة فِي هوان
…
يبوء بِهِ الْفَتى موت مريح)
(أيطمع فِي النجَاة فَلَا نجاة
…
سيدركه الهزيز المستبيح)
(إِذا كَانَ الشَّرَاب لَهُ بحارا
…
تخوض إِلَيْهِ سلهبة سبوح)
(ستدركه العزائم من إِمَام
…
تدك لَهُ المعاقل والصروح)
(إِمَام قد أعَاد لنا سُرُورًا وجاد لنا بِهِ الزَّمن الشحيح)
(أعز الله ملك بني عَليّ
…
بصولته وَتمّ لَهُ الوضوح)
(وجرد من جلالته حساما
…
يزِيل بِهِ الضَّلَالَة أَو يزيح)
(وَقد كَانَ الْخَلَائق فِي ظلام
…
فلاح على الْخَلَائق مِنْهُ بوح)
(وأصبحت الأباطح باسمات
…
وَكَانَ على مناظرها كلوح)
(أعز معود للنصر ساع
…
إِلَى العلياء مسعاه نجيح)
(يخاطر فِي منال الْعِزّ دأبا
…
بِرَأْي كل مدركه رجيح)
(فرايات السُّعُود عَلَيْهِ نشر
…
وساحات الفخار لَدَيْهِ جوح)
(أَبَا زيد فَأَنت لنا ملاذ
…
وجاهك فِي المهم لنا فسيح)
(فقد زانت مآثرك اللَّيَالِي
…
ولاح لعدلك الْوَجْه الْمليح)
(وَهَذَا الدَّهْر كالطوفان موجا
…
وطاعتك السفين وَأَنت نوح)
(وَأَنت خَليفَة الرَّحْمَن من لَا
…
تؤمنه فمشربه نشوح)
(كَمَا أَن الشبانة حِين زاغت
…
وهب لَهَا من الطغيان ريح)
(عصفت عَلَيْهِم باليأس تزجي
…
كتائب كالسحاب إِذا تلوح)
(فألقيت الجران على ذراهم
…
بِجَيْش كلهم بَطل مشيح)
(فجَاء الْعَفو مِنْك وهم ثَلَاث
…
أَسِير أَو كسير أَو ذبيح)
(وَقد قسمت بِلَادهمْ بِعدْل
…
ودورهم كَمَا قسم الوطيح)
(وَقد نظمت مكايدهم قَدِيما
…
بني سعد وزيدان نطيح)
(فظنوا آل إِسْمَاعِيل يرنو
…
لغير الحزم طرفهم الطموح)
(وَمَا علمُوا بأنكم سيوف
…
لحدكم نجيعهم سفوح)
(أَبَا زيد إِذا تبقى عَلَيْهِم
…
بصفح رُبمَا نَدم الصفوح)
(فَلَا تحلم فَإِن الْجرْح يكوي
…
طريا بالمحاور أَو يقيح)
(فَلَا زَالَت بك الدُّنْيَا عروسا
…
ومجدك من مفارقها يفوح)
وَمن ذَلِك قَول بَعضهم وَلَعَلَّه الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد عبد الله الديماني قَالَ
(بشرى تقر بأعين الْإِيمَان
…
كالوصل ينْسَخ دولة الهجران)
(جاد الزَّمَان بهَا على مقداركم
…
فتقاصرت عَنْهَا خطا الأذهان)
(أَيْن المفر لمن عَنَّا عَن أَمركُم
…
أَتَرَى البغاث تفوت مَا لعقبان)
(الْأَمر أَمر الله غير مُنَازع
…
لَاحَ الصَّباح لمن لَهُ عينان)
(يَا من يُطَالب أَمرهم بدلائل
…
أتطالب الْبُرْهَان بالبرهان)
(إِن كنت تجْهَل فالحسام معلم
…
يشفي البريء بِهِ ويشقي الْجَانِي)
(كم من غوي قد عتا عَن أَمرهم
…
كزرارة فَمضى إِلَى الخسران)
(أَيْن المفر لمن عتا عَن أَمركُم
…
يَوْم الكفاح إِذا التقى الْجَمْعَانِ)
(لم يمْنَع الْأَعْدَاء مِنْهُم معقل
…
لَو أَنهم صعدوا إِلَى كيوان)
(لكِنهمْ باؤوا بأخسر صَفْقَة
…
فكأنهم غصبوا أَبَا غبشان)
(جَيش تسد وفوده مسرى الصِّبَا
…
وتهد وطأته ذرى ثهلان)
(يَا مَالِكًا مَلأ الْوُجُود محاسنا
…
لَا تختفي عَن أعين العميان)
(أجريت بَين المعتقين مكارما
…
يسلوا الْغَرِيب بهَا عَن الأوطان)
(لوقيل للغيث اعْترف لم يعْتَرف
…
إِلَّا بِفضل نداكم الهتان)
(إِنْسَان عين الدَّهْر أَنْت وَإِنَّمَا
…
تَكْمِيل شكل الْعين بالإنسان)
(ذكراك بالأفواه تعذب كاللما
…
وتخف كالبشرى على الآذان)
(أيقظت جفن الْحق من إغفائه
…
وأقمت مَيْلَة عطفه الكسلان)