الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صَبر واحتسب ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش فَدَخلَهَا أَوَائِل ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بهَا شهرا حَتَّى أصلح من شَأْنهَا ثمَّ نَهَضَ إِلَى طنجة وسبتة على مَا نذكرهُ
فتح طنجة وسبتة وَمَا كَانَ من أَمر العزفي بهما
قد تقدم لنا فِي دولة أبي حَفْص عمر المرتضي أَن الْفَقِيه أَبَا الْقَاسِم العزفي استبد عَلَيْهِ بسبتة وتوارث ذَلِك بنوه من بعده وَكَانَ هَؤُلَاءِ العزفيون من بيوتات سبتة وَأهل الرياسة وَالْعلم وَالدّين فيهم وَلما ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن بالمغرب اسْتَقل الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْعَبَّاس العزفي برياستها وضبطها وانتظم فِي طَاعَته سَائِر أَعمالهَا وَلما كَانَت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بعث الْفَقِيه الْمَذْكُورَة أجفانه إِلَى مَدِينَة أصيلا فهدموا أسوارها وَنَقَضُوا قصبتها لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهَا من خلائها أَن يملكهَا الْعَدو ويتمنع بهَا واستمرت أُمُوره فِي سبتة ونواحيها على الشداد وَكَانَت طنجة تالية لسبتة فِي سَائِر أحوالها وكانتا مَعًا من أحصن بِلَاد الْمغرب فَدخل صَاحب طنجة وَهُوَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي الْمَعْرُوف بِابْن الْأَمِير فِي طَاعَة أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور ثمَّ انتفض عَلَيْهِ لمضي سنة من طَاعَته واستبد وخطب لِابْنِ أبي حَفْص صَاحب إفريقية ثمَّ للخليفة العباسي صَاحب بَغْدَاد ثمَّ لنَفسِهِ وسلك فِي طنجة مَسْلَك العزفي فِي سبتة وَلَبِثُوا على ذَلِك مَا شَاءَ الله حَتَّى إِذا ملك بَنو مرين الْمغرب وافتتحوا معاقله وحصونه وَهلك الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق وَابْنه أَبُو حَفْص عمر من بعده فتحيز بنوه فِي أتباعهم وحشمهم إِلَى نَاحيَة طنجة وَأَصِيلا فأوطنوا
فاعترضوهم دون القصبة وقبضوا عَلَيْهِ وَلما صَار فِي أَيْديهم فر من كَانَ مَعَه من الطغام وساقوه إِلَى السُّلْطَان فَقتله وسكنت جعجعته للحين
انْعِقَاد الصهر بَين السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَبَين سُلْطَان مَكَّة الشريف سرُور رحمه الله
كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله يحب الْفَخر ويعنى بِهِ وَله رَغْبَة فِي الْخَيْر وَأَهله وَلما كَانَ سُلْطَان مَكَّة الشريف سرُور رحمه الله بِالْمحل الَّذِي أكْرمه الله بِهِ بَلَدا ومحتدا رغب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله فِي مصاهرته وسمحت نَفسه الشَّرِيفَة ببذل كريمته
فَمَا دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وعزم ركب الْحَاج المغربي على السّفر إِلَى الْحجاز بعث مَعَهم السُّلْطَان الْمَذْكُور ابْنَته وزفها على بَعْلهَا الْمَذْكُور وَبعث وَلَده الْأَكْبَر وخليفته الْأَشْهر الْمولى عَليّ بن مُحَمَّد لإِقَامَة فَرِيضَة الْحَج وَمَعَهُ شقيقه الْمولى عبد السَّلَام صَغِيرا دون بُلُوغ ليَكُون مَعَ أُخْته وَكِلَاهُمَا فِي صُحْبَة الركب المغربي كَمَا قُلْنَا وأصحبهما هَدِيَّة لأمير طرابلس وهدية لأمير مصر وَالشَّام وهدية عَظِيمَة لأهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين ومالا كثيرا يفرق على أَشْرَاف الْحجاز واليمن وجوائز سنية للْعُلَمَاء والنقباء وأرباب الْوَظَائِف بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَبعث مَعَهُمَا من وُجُوه أهل الْمغرب وَأَوْلَاد أُمَرَاء الْقَبَائِل وأشياخهم وَمن أكَابِر خُدَّامه وَأَصْحَاب أشغاله بالخيول المسومة وَالسِّلَاح الشاكي والشارة الْحَسَنَة وَمَا تحدث بِهِ أهل الْمشرق دهرا وَكَانَ فِي جهاز ابْنة السُّلْطَان مَا يزِيد على مائَة ألف دِينَار من الحلى والياقوت والجوهر وَكَانَ يَوْم دُخُولهَا إِلَى مَكَّة يَوْمًا مشهودا حَضَره عَامَّة أهل الْمَوْسِم الْأَعْظَم من الْآفَاق وتناقلت حَدِيثه الركْبَان والرفاق
ترصد بِبَاب دَار السُّلْطَان للْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر ليفتكه وَصَاحبه فَلَمَّا خرجا قَامَ الطَّاهِر بن مَسْعُود إِلَى الأعوان فراودهم على إِطْلَاق المسجونين فَأَبَوا وَقَالُوا إنَّهُمَا مسجونان عَن أَمر السُّلْطَان فتصامم عَن ذَلِك واستل خنجره وَضرب إِدْرِيس البواب الوديي على ترقوته فخدشه وانتزع مِنْهُ المسجون وَتقدم لافتكاك أَحْمد بن المحجوب فَأبى وانتهره وَقَالَ لَا أُخَالِف أَمر السُّلْطَان وَكَانَ الودايا يظنون قيام العبيد مَعَهم لحلفهم السَّابِق فخذل الله فِيمَا بَينهم ثمَّ أسْرع الطَّاهِر وَابْن الطَّاهِر إِلَى فرسيهما فركباهما ونجوا إِلَى نَاحيَة دَار الدبيبغ وثارت المغافرة بِبَاب دَار السُّلْطَان وحملوا السِّلَاح وأخرجوا البارود والرصاص وَقَامَت شيعَة السُّلْطَان لمدافعتهم فكثرهم الودايا وهزموهم حَتَّى أغلقوا عَلَيْهِم بَاب المشور وَسَأَلَ السُّلْطَان عَن الهيعة فَأعْلم بالْخبر وَكَانَ مَعَه الْحسن بن حمو واعزيز فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن هَؤُلَاءِ مَا جسروا على هَذَا الْفِعْل ببابك حَتَّى عزموا على مَا هُوَ أَكثر فَدَعَا السُّلْطَان بفرسه وَركبهُ مَعَ الْغُرُوب وَخرج من بَاب البجاة وَمَعَهُ ابْن واعزيز وَبَعض أَصْحَابه خيلا ورجلا وَلما علم الودايا بِخُرُوج السُّلْطَان ركبُوا بقضهم وقضيضهم من فاس الْجَدِيد وَمن قَصَبَة شراقة فأدركوا السُّلْطَان عِنْد قنطرة عياد فنزلوا إِلَى الأَرْض يقبلُونَ حوافر فرسه ويتشفعون لَهُ ويتبرؤون من فعل أُولَئِكَ السُّفَهَاء وَكَانَ الْحَال إِذْ ذَاك حَال مطر خَفِيف وَالشَّمْس قد غربت أَو كَادَت تغرب فساعدهم رحمه الله على الرُّجُوع وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْحَاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ بِأَن يذهب مَعَه إِلَى قَصَبَة شراقة وَكَانَت يَوْمئِذٍ لأهل السوس فَذهب مَعَه إِلَى دَاره من غير أَن يطمئن إِلَيْهِ وَلَكِن ذَلِك الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَال فِي تِلْكَ السَّاعَة وَلما اسْتَقر بدار ابْن فَرِحُونَ اجْتمع عَلَيْهِ المغافرة والودايا وَأهل السوس وأساء عَلَيْهِ المغافرة الْأَدَب بل عزموا على الفتك بِهِ وَلَكِن الله تَعَالَى وَقَاه شرهم فاختلفت كلمتهم وتذامر أهل السوس فِيمَا بَينهم وَقَالُوا لَا يبيتن السُّلْطَان اللَّيْلَة إِلَّا بداره واستنهضوه فَنَهَضَ رحمه الله وَركب فرسه وصحبوه إِلَى دَاره فِي ذَلِك اللَّيْل فاستقر بهَا وَبعد ذَلِك بأيام انْتقل السُّلْطَان إِلَى بُسْتَان أبي الْجُلُود خَارج فاس الْجَدِيد على حِين غَفلَة من الودايا وانحاز