الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مكناسة وبيعة أَهلهَا لِابْنِ أبي حَفْص بواسطته
ثمَّ سَار الْأَمِير أَبُو بكر بمحلته فَنزل جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إِلَى بيعَة الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء بن أبي حَفْص صَاحب إفريقية لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ على دَعوته وَفِي ولَايَته وحاصرها وضيق عَلَيْهَا بِمَنْع الْمرَافِق وترديد الغارات إِلَى أَن أذعنوا لطاعته فافتتحها صلحا بمداخلة أَخِيه يَعْقُوب بن عبد الْحق لزعيمها أبي الْحسن بن أبي الْعَافِيَة وبعثوا ببيعتهم إِلَى الْأَمِير أبي زَكَرِيَّاء الحفصي وَكَانَت الْبيعَة من إنْشَاء أبي الْمطرف بن عميرَة المَخْزُومِي وَكَانَ من أَعْلَام ذَلِك الْعَصْر ومشاهيره ولي الْقَضَاء لبني عبد الْمُؤمن بِمَدِينَة سلا ثمَّ استقضوه بعْدهَا بمكناسة فَشهد هَذِه الْقَضِيَّة وَكتب الْبيعَة
وَلما فتح الْأَمِير أَبُو بكر مكناسة أقطع أَخَاهُ يَعْقُوب ثلث جبايتها جَزَاء لَهُ على وساطته وَكَانَ فتح مكناسة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ آنس الْأَمِير أَبُو بكر من نَفسه الاستبداد وَمن قبيله الِاسْتِيلَاء فَاتخذ الْآلَة لذَلِك وسما بِنَفسِهِ إِلَى مرتبَة الْملك وَأعد لَهُ عدته وانْتهى الْخَبَر إِلَى السعيد صَاحب مراكش بتغلب الْأَمِير أبي بكر على مكناسة وصرفها لِابْنِ أبي حَفْص فَوَجَمَ لَهَا وفاوض الْمَلأ من أهل دولته فِي أمره وأراهم كَيفَ اقتطع الْأَمر عَنْهُم شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى لم يبْق بيدهم إِلَّا قرارة مراكش وَمَا حولهَا بعد امتداد ظلّ ملكهم على المغربين وإفريقية والأندلس
ثمَّ نَهَضَ السعيد من مراكش سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة يُرِيد مكناسة وَبني مرين أَولا ثمَّ تلمسان ويغمراسن بن زيان ثَانِيًا ثمَّ إفريقية وَابْن أبي حَفْص آخرا
وَلما وصل إِلَى وَادي بهت عرض جيوشه وميزها واتصل الْخَبَر بالأمير أبي بكر وَهُوَ بمكناسة فَخرج وَحده لَيْلًا يتجسس الْأَخْبَار ويستطلع أَحْوَال السعيد وجموعه فَتقدم حَتَّى أشرف على محلّة السعيد من كثب وَلَا علم
لأحد بِهِ فَرَأى مَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ وَرَأى من الرَّأْي أَن يتخلى للسعيد عَن الْبِلَاد وَلَا يناجزه الْحَرْب فلحق بمكناسة واستدعى بني مرين من أماكنهم الَّتِي عين لَهُم فتلاحقوا بِهِ وَسَارُوا إِلَى قلعة تازوطا من بِلَاد الرِّيف فَتَحَصَّنُوا بهَا
وَتقدم السعيد إِلَى مكناسة فَتَلقاهُ أَهلهَا خاضعين مستشفعين إِلَيْهِ بشيوخهم وصبيانهم فَعَفَا عَنْهُم ثمَّ سَار إِلَى فاس فَنزل بظاهرها من نَاحيَة الْقبْلَة وَخرج إِلَيْهِ أشياخها فَسَلمُوا عَلَيْهِ وسألوه الدُّخُول إِلَى الْبَلَد فتكرم عَنْهُم وَأبي ثمَّ ارتحل إِلَى رِبَاط تازا فَنزل بظاهرها وَهُنَاكَ بعث إِلَيْهِ الْأَمِير أَبُو بكر ببيعته فقبلها وَكتب لَهُ ولقومه بالأمان وَكَانَ فِيمَا خاطبه بِهِ الْأَمِير أَبُو بكر أَن قَالَ لَهُ ارْجع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى حضرتك وَأَنا أكفيك أَمر يغمراسن وَافْتَحْ لَك تلمسان فَشَاور السعيد خاصته فِي ذَلِك فَقَالُوا لَا تفعل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الزناتي أَخُو الزناتي لَا يُسلمهُ وَلَا يَخْذُلهُ وَإِنَّا نَخَاف أَن يصطلحا على حربك فاسعفهم وَكتب إِلَى الْأَمِير أبي بكر يَقُول لَهُ أقِم بموضعك وَابعث إِلَيّ بِحِصَّة من قَوْمك فأمده بِخَمْسِمِائَة من بني مرين وَعقد عَلَيْهَا لِابْنِ عَمه أبي عياد بن أبي يحيى بن حمامة
وَتقدم السعيد إِلَى تلمسان فَكَانَ من هَلَاكه على قلعة تامذردكت مَا قدمْنَاهُ فِي أَخْبَار دولته وَكَانَ الْأَمِير أَبُو بكر لما نزل حصن تازوطا وَأهل ذَلِك الْحصن يَوْمئِذٍ هم بَنو وطاس بطن من بني مرين أَجمعُوا الفتك بِهِ غَيره ونفاسة عَلَيْهِ فَدس إِلَيْهِ بذلك بعض شيوخهم وأعلمه بِمَا تواطؤوا عَلَيْهِ من غدره فارتحل الْأَمِير أَبُو بكر عَنْهُم إِلَى بني بزناسن وَكَانُوا نازلين يَوْمئِذٍ بِعَين الصَّفَا فَأَقَامَ هُنَالك مَعَهم حَتَّى رجعت إِلَيْهِ الْحصَّة الَّتِي كَانَت مَعَ السعيد وأعلموه بمقتله وافتراق جموعه فانتهز الْأَمِير أَبُو بكر الفرصة فِي فل الْمُوَحِّدين واعترضهم بأكرسيف فاستلبهم وانتزع الْآلَة من أَيْديهم وأدار إِلَيْهِ كَتِيبَة الفرنج والناشبة من الأغزاز وَاتخذ الْمركب الملوكي من يَوْمئِذٍ ثمَّ أغذ السّير إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا ثمَّ نَهَضَ إِلَى أَعمال وطاط وحصون ملوية فافتتحها ودوخ جبالها وَذَلِكَ أَوَاخِر صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
بهَا فَلَمَّا مثلُوا بَين يَدي السُّلْطَان فِي هَذِه الْمرة أكْرمهم وَفرق المَال والكسي فيهم وَأمر الباشا عبد الصَّادِق أَن يبْعَث أَخَاهُ عبد الْهَادِي للوقوف على إنْشَاء الغلائط بتطاوين
ثمَّ سَار السُّلْطَان رحمه الله إِلَى العرائش فألفاها خَالِيَة لَيْسَ بهَا إِلَّا نَحْو الْمِائَتَيْنِ من أهل الرِّيف تَحت كنف أهل الغرب فولى عَلَيْهَا عبد السَّلَام بن عَليّ وعدي ثمَّ أنزل بهَا مائَة من عبيد مكناسة
ثمَّ سَار إِلَى سلا فَعبر الْوَادي وَنزل برباط الْفَتْح وَأقَام بِهِ أَيَّامًا وَأمر قائده أَبَا الْحسن عليا مارسيل أَن يَبْنِي صقالة أَي برجا كَبِيرا على الْبَحْر وَأمر قَائِد سلا عبد الْحق فنيش أَن يَبْنِي مثلهَا بسلا على الْبَحْر مقابلتها ثمَّ أَمر بإنشاء سفينتين إِحْدَاهمَا لأهل سلا وَالْأُخْرَى لأهل رِبَاط الْفَتْح وَكَانَت عِنْدهم سفينة وَاحِدَة مُشْتَركَة بَينهم أنشؤوها أَيَّام الفترة وفيهَا كَانُوا قد خَرجُوا إِلَى حصن آكادير وَمِنْه بعثوا وفدهم إِلَى سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَليفَة بمراكش فَأكْرم الرُّسُل وَبعث مَعَهم مَالا كثيرا إِلَى الْمُجَاهدين بالعدوتين وَفِي مُدَّة مقَامه برباط الْفَتْح هَذِه الْمرة صرف جَيش العبيد والودايا إِلَى بِلَادهمْ وَسَار هُوَ إِلَى مراكش وَلما احتل بهَا كتب إِلَى تجار النَّصَارَى بآسفي يَأْمُرهُم أَن يشتروا لَهُ إِقَامَة المراكب القرصانية من صواري ونطاقات وقمن ومخاطيف وحبال وقلوع وبتاتي وَغير ذَلِك فتنافسوا فِي شِرَاء ذَلِك وازدلفوا إِلَى السُّلْطَان بجلبه وانتخابه ثمَّ استقدم جراطين الصَّحرَاء الَّذين بالرتب وتافيلالت وهم الْجَبَابِرَة والمعاركة وَأَوْلَاد أبي أَحْمد لما بلغه عَنْهُم من أَنهم يعينون عَمه الْمولى الْحسن على محاربة الْأَشْرَاف الَّذين هُنَالك فنقلهم إِلَى مكناسة وَأَعْطَاهُمْ الْكسْوَة وَالسِّلَاح وكتبهم فِي ديوَان الْجَيْش
وَفِي هَذِه السّنة وصل الْخَبَر بِمَوْت الْمولى المستضيء بن إِسْمَاعِيل بتافيلالت كَمَا مر
إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بالودايا وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ هَؤُلَاءِ الودايا أحد أَرْكَان الْعَسْكَر الْإِسْمَاعِيلِيّ حَسْبَمَا تقدم وَكَانَ الْمولى إِسْمَاعِيل رحمه الله قد اعتنى بشأنهم وَأخذ بضبعهم وجمعهم بعد الْفرْقَة وأغناهم بعد الْعيلَة وأسكنهم فاسا الجديدة وأعماله فاستوطنوه وألفوه وصاروا هم أَهله بَين سَائِر الْجند فَكَانَ لَهُم فِي الدولة الْغناء الْكَبِير وَاتَّخذُوا الدّور والقصور وتوالت عَلَيْهِم بالعز وإباية الضيم السنون والشهور
وَلما توفّي رحمه الله كَانُوا بفاس الْجَدِيد على غَايَة من تَمام الشَّوْكَة وَكَمَال العصبية وَقد ملكوا أَمر أنفسهم على الدولة وغلظت قناتهم على من يُرِيد غمزها من أَهلهَا فَكَانَت أَحْكَام الْمُلُوك من أَوْلَاد الْمولى إِسْمَاعِيل لَا تمْضِي عَلَيْهِم سِيمَا مَعَ مَا حازوه من شرف الخؤلة للسُّلْطَان الْمولى عبد الله الَّذِي هُوَ أكبرهم قدرا وأعظمهم صيتًا وَكَانَ شَأْنه مَعَهم أَن يستكثر بهم تَارَة وَعَلَيْهِم أُخْرَى والفتن فِيمَا بَين ذَلِك قَائِمَة حَسْبَمَا مر شرح ذَلِك مُسْتَوفى
فَلَمَّا كَانَت أَوَاخِر دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَهلك مُحَمَّد واعزيز كَبِير البربر افْتَرَقت آيت أدراسن وجروان وَوَقعت الْحَرْب بَينهم مرَّتَيْنِ أعَان فِيهَا الودايا جروان وألحوا على آيت أدراسن بالنهب وَالْقَتْل حَتَّى أجلوهم من تِلْكَ الْبِلَاد
ثمَّ لما بُويِعَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد انحاز إِلَيْهِ آيت أدراسن إِذْ هم شيعَة أَبِيه أَيَّام مُحَمَّد واعزيز فولى عَلَيْهِم ولد مُحَمَّد واعزيز وأنزلهم بأحواز مكناسة إِذْ كَانَ عَالما بِمَا ناله من جروان والودايا وتظاهرهم عَلَيْهِم واشتغالهم مَعَ ذَلِك بإفساد السابلة وَقبض الخفارات عَلَيْهَا وَكَانَ رئيسهم لذَلِك الْعَهْد رجلا يُقَال لَهُ جبور لصا مبيرا فآخى السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بَين آيت أدراسن وآيت يمور وحالف بَينهم وَأوصى عَامله على مكناسة
وَفِي هَذِه السّنة انْعَقَدت الشُّرُوط بَين السُّلْطَان رحمه الله وَبني جنس الصاردو وَهِي ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ شرطا كلهَا ترجع إِلَى تَمام الصُّلْح ودوام الْأَمْن والمجاملة فِي التِّجَارَات وَسَائِر أَنْوَاع المخالطات وَالثَّالِث عشر مِنْهَا يتَضَمَّن لُزُوم مراكب الْمُسلمين أَن تعْمل الكرنتينة إِن تعين مُوجبهَا عِنْد دُخُول مرسى من مراسي الصاردو وَكَذَلِكَ هم أَيْضا
ولَايَة الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب على تامسنا ودكالة وأعمالها
كَانَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله قد ولى ابْن عَمه الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد بن عبد الله على فاس فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ ولاه على قبائل تامسنا ودكالة بأسرها وفوض إِلَيْهِ النّظر فِي أمرهَا وَكَانَ سَيِّدي مُحَمَّد هَذَا ذَا شدَّة وشكيمة على العصاة دوسري الْبَطْش حجاجي السَّيْف وَكَانَ قد اتخذ كلابا ضخاما تسميها الْعَامَّة القناجر يُوهم النَّاس أَنه إِذا غضب على أحد أَلْقَاهُ إِلَيْهَا فتفترسه وَكَانَ رُبمَا جِيءَ إِلَيْهِ بالجاني فَيقوم إِلَيْهِ ويباشر ذبحه بِيَدِهِ حَتَّى لقد حز أُصْبُعه فِي ذبحه لبَعض الجناة فَقدم سَيِّدي مُحَمَّد هَذَا تامسنا وأوقع بأولاد حريز وقْعَة شنعاء فَقبض على جمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم وَضرب مِنْهُم نَحْو مِائَتي رَقَبَة وَهدم قَصَبَة كريران الحريزي الْمُسَمَّاة بمرجانة فَتَسَامَعَتْ الْقَبَائِل بسطوته فذعروا واقشعرت جُلُودهمْ لهيبته ثمَّ زحف إِلَى دكالة وَمَعَهُ بعض مساجين أهل تامسنا فَلَمَّا وصل إِلَى شاطىء وَادي آزمور أحضر أُولَئِكَ المساجين فَقطع الْبَعْض وَقتل الْبَعْض ثمَّ عبر الْوَادي وَنزل بآزمور فازداد النَّاس رعْبًا مِنْهُ وخشعت لَهُ قبائل دكالة بأسرها ثمَّ تقدم إِلَى الجديدة فاحتل بهَا وَكَانَت يَوْمئِذٍ خربة لَا زَالَت على الْهَيْئَة الَّتِي فتحت عَلَيْهَا أَيَّام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله وَكَانَت تسمى قبل الْفَتْح بالبريجة فَلَمَّا فتحت وتهدم صورها بالمينى صَار النَّاس يسمونها بالمهدومة فَأمر سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب بِبِنَاء سورها وترميم مَا تلثم مِنْهَا وسماها
الجديدة وتهدد من يسميها بِغَيْر ذَلِك فسميت الجديدة من يَوْمئِذٍ وَهُوَ الَّذِي بنى القبيبة الصُّغْرَى الْمُقَابلَة لباب الْمَسْجِد الْجَامِع بهَا
ثمَّ لما صفا للسُّلْطَان أَمر هَذِه الْبِلَاد بِسَبَب ابْن الطّيب وبسبب مَا حدث فِي الْمغرب من الْجُوع الَّذِي أهلك النَّاس وَكَاد يَأْتِي عَلَيْهِم بَعثه إِلَى الصَّحرَاء لتدويخ أَهلهَا وجباية زكواتها وأعشارها فَذهب إِلَيْهَا وَعَاد مخففا فولاه السُّلْطَان على وَجدّة فَأَقَامَ بهَا يَسِيرا وَرجع بِلَا طائل
شُرُوع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله فِي غرس أجدال بِحَضْرَة مراكش
لما صفا للسُّلْطَان رحمه الله أَمر الْمغرب شرع فِي غرس آجدال غربي مراكش وَهُوَ بُسْتَان عَظِيم جدا يشْتَمل على جنَّات كَثِيرَة مَعْرُوفَة بحدودها وأسمائها وأكرتها وتشتمل كل وَاحِدَة مِنْهَا على نوع أَو أَنْوَاع من الْأَشْجَار المثمرة النفاعة من زيتون ورمان وتفاح وليمون وعنب وتين وَجوز ولوز وَغير ذَلِك وكل نوع مِنْهَا يغل ألوفا فِي السّنة بِحَيْثُ أَن غلَّة الليمون وَحده تبَاع بِخَمْسِينَ ألفا وَأكْثر إِذا كَانَت صَالِحَة وَفِي خلال هَذِه الجنات من قطع الأزهار والرياحين والبقول الْمُخْتَلفَة اللَّوْن والطعم والرائحة والخاصية مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحصْر حَتَّى أَن مِنْهَا مَا لَا يعرفهُ جلّ أهل الْمغرب وَلَا رَأَوْهُ قطّ لكَونه جلب من أقطار أُخْرَى وَفِي وَسطه برك عِظَام تسير فِيهَا القوارب والفلك وتصب فِيهِ الْعُيُون كأمثال الْأَنْهَار لسقي تِلْكَ الجنات وَعَلِيهِ من الأرحاء شَيْء كثير وَتلك البرك مِنْهَا مَا ضلعها الْوَاحِد يكون مِائَتَيْنِ خطْوَة وَأَقل وَأكْثر وَفِي دَاخله أَيْضا من المنتزهات الكسروية والقباب القيصرية والمقاعد المروانية مَا يستوقف الطّرف ويستغرق الْوَصْف مثل دَار الهناء وَالدَّار الْبَيْضَاء والصالحة والزاهرة وَغير ذَلِك ويتصل بِهِ جنان رضوَان الْفَائِق بحسنه وقبابه ومقاعده البهية على ذَلِك كُله وَالْحَاصِل أَن هَذَا الْبُسْتَان