المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خروج جيش الودايا على السلطان المولى عبد الرحمن والسبب في ذلك - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى - جـ ٣

[أحمد بن خالد الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌الدولة المرينية

- ‌الْخَبَر عَن دولة بني مرين مُلُوك فاس وَالْمغْرب وَذكر أوليتهم وأصلهم

- ‌الْخَبَر عَن دُخُول بني مرين أَرض الْمغرب الْأَقْصَى واستيلائهم عَلَيْهِ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي مُحَمَّد عبد الْحق بن محيو المريني رحمه الله

- ‌حَرْب بني مرين مَعَ عرب ريَاح ومقتل الْأَمِير عبد الْحق رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار الْأَمِير عبد الْحق وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن رياسة الْأَمِير أبي معرف مُحَمَّد بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مكناسة وبيعة أَهلهَا لِابْنِ أبي حَفْص بواسطته

- ‌اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على فاس وبيعة أَهلهَا لَهَا

- ‌انْتِقَاض أهل فاس على الْأَمِير أبي بكر ومحاصرته إيَّاهُم

- ‌اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على مَدِينَة سلا ثمَّ ارتجاعها مِنْهُ وهزيمة المرتضى بعد ذَلِك

- ‌اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر على سجلماسة وَدِرْعه وَسَائِر بِلَاد الْقبْلَة

- ‌وَفَاة الْأَمِير أبي بكر رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة أبي حَفْص الْأَمِير عمر بن أبي بكر بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على مَدِينَة سلا وإيقاع السُّلْطَان يَعْقُوب بهم وطردهم عَنْهَا

- ‌خُرُوج بني إِدْرِيس بن عبد الْحق على عمهم السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌حِصَار السُّلْطَان يَعْقُوب حَضْرَة مراكش ونزوع أبي دبوس مِنْهَا إِلَيْهِ وهلاك المرتضى بعد ذَلِك

- ‌وقْعَة تلاغ بَين يَعْقُوب بن عبد الْحق ويغمراسن بن زيان

- ‌فتح حَضْرَة مراكش ومقتل أبي دبوس وانقراض دولة الْمُوَحِّدين بهَا

- ‌مراسلة السُّلْطَان أبي عبد الله مُحَمَّد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الحفصي للسُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمهمَا الله

- ‌عقد السُّلْطَان يَعْقُوب ولَايَة الْعَهْد لِابْنِهِ أبي مَالك بسلا وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من خُرُوج قرَابَته عَلَيْهِ

- ‌هجوم النَّصَارَى على العرائش وتيشمس من ثغور الْمغرب

- ‌وقْعَة إيسلي بَين السُّلْطَان يَعْقُوب ابْن عبد الْحق ويغمراسن بن زيان

- ‌فتح طنجة وسبتة وَمَا كَانَ من أَمر العزفي بهما

- ‌فتح سجلماسة وَمَا كَانَ من أمرهَا

- ‌أَخْبَار السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فِي الْجِهَاد وَمَا كَانَ لَهُ بالأندلس من الذّكر الْجَمِيل وَالْفَخْر الجزيل رحمه الله

- ‌الْجَوَاز الأول للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

- ‌فتح جبل تينملل ونبش قُبُور بني عبد الْمُؤمن على يَد الملياني عَفا الله عَنهُ

- ‌بِنَاء الْمَدِينَة الْبَيْضَاء الْمُسَمَّاة الْيَوْم بفاس الْجَدِيد

- ‌الْجَوَاز الثَّانِي للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من حِصَار الجزيرة الخضراء وَغير ذَلِك

- ‌الْجَوَاز الثَّالِث للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس مغيثا للطاغية ومغتنما فرْصَة الْجِهَاد

- ‌انْعِقَاد الصُّلْح بَين السُّلْطَان يَعْقُوب وَابْن الْأَحْمَر وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌الْجَوَاز الرَّابِع للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

- ‌وفادة الطاغية على السُّلْطَان يَعْقُوب بأحواز الجزيرة الخضراء وَعقد الصُّلْح بَينهمَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان النَّاصِر لدين الله يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌قدوم بني اشقيلولة على السُّلْطَان يُوسُف بسلا وإقطاعه إيَّاهُم قصر كتامة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌انْتِقَاض الطاغية سانجة وإجازة السُّلْطَان يُوسُف إِلَيْهِ

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر واستيلاء الطاغية على طريف بمظاهرة ابْن الْأَحْمَر لَهُ عَلَيْهَا

- ‌انْعِقَاد الصُّلْح بَين السُّلْطَان يُوسُف وَابْن الْأَحْمَر ووفادته عَلَيْهِ بطنجة

- ‌فتكة ابْن الملياني بشيوخ المصامدة وتزويره الْكتاب بهم وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌نكبة بَين وقاصة من يهود فاس

- ‌ثورة عُثْمَان بن ابي الْعَلَاء بجبال غمارة

- ‌وَفَاة السُّلْطَان يُوسُف رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي ثَابت عَامر بن عبد الله ابْن يُوسُف ابْن يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌ثورة يُوسُف بن مُحَمَّد بن أبي عياد ابْن عبد الْحق وَمَا كَانَ من أمره

- ‌بِنَاء مَدِينَة تطاوين

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن أبي عَامر عبد الله بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌نكبة الْفَقِيه الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين واستئصال بني وقاصة الْيَهُودِيين بعد ذَلِك

- ‌انْتِقَاض أهل سبتة على بني الْأَحْمَر ومراجعتهم طَاعَة بني مرين

- ‌انْتِقَاض الْوَزير عبد الرَّحْمَن بن يَعْقُوب الوطاسي على السُّلْطَان أبي الرّبيع ومبايعته لعبد الْحق بن عُثْمَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي سعيد عُثْمَان ابْن يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌غَزْو السُّلْطَان أبي سعيد نَاحيَة تلمسان

- ‌خُرُوج الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وفادة أهل الأندلس على السُّلْطَان أبي سعيد واستصراخهم إِيَّاه على الطاغية وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌انْتِقَاض الْأَمِير أبي عَليّ على أَبِيه السُّلْطَان أبي سعيد وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌بِنَاء مدارس الْعلم بِحَضْرَة فاس حرسها الله

- ‌أَخْبَار بني العزفي أَصْحَاب سبتة

- ‌الْمُصَاهَرَة بَين السُّلْطَان أبي سعيد فِي ابْنه أبي الْحسن وَبَين أبي بكر بن أبي زَكَرِيَّاء الحفصي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة السُّلْطَان أبي سعيد بن يَعْقُوب رحمه الله

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه أبي الْحسن عَليّ ابْن عُثْمَان بن يَعْقُوب بن عبد الْحق رحمه الله

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بَين الْأَخَوَيْنِ أبي الْحسن وَأبي عَليّ ثمَّ مقتل أبي عَليّ وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وفادة السُّلْطَان ابْن الْأَحْمَر على السُّلْطَان أبي الْحسن بِحَضْرَة فاس وَفتح جبل طَارق

- ‌فتح تلمسان ومقتل صَاحبهَا أبي تاشفين وانقراض الدولة الأولى لبني زيان بمهلكه

- ‌مراسلة السُّلْطَان أبي الْحسن لسلطان مصر وَبَعثه الْمَصَاحِف من خطه إِلَى الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة شرفها الله

- ‌نكبة الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن يَعْقُوب ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن وفرار وزيره زيان بن عمر الوطاسي وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌ثورة ابْن هيدور الجزار وَمَا كَانَ من أمره

- ‌أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن فِي الْجِهَاد وَمَا كَانَ من وقْعَة طريف الَّتِي محص الله فِيهَا الْمُسلمين وَغير ذَلِك

- ‌اسْتِيلَاء الْعَدو على الجزيرة الخضراء

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار بني أبي الْعَلَاء

- ‌مراسلة السُّلْطَان أبي الْحسن لصَاحب مصر أبي الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن قلاوون

- ‌هَدِيَّة السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى ملك مَالِي من السودَان المجاورين للمغرب

- ‌مصاهرة السُّلْطَان أبي الْحسن ثَانِيًا مَعَ السُّلْطَان أبي بكر الحفصي رحمهمَا الله

- ‌غَزْو السُّلْطَان أبي الْحسن إفريقية واستيلاؤه على تونس وأعمالها

- ‌انْتِقَاض عرب سليم بإفريقية على السُّلْطَان أبي الْحسن وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌انْتِقَاض الْأَطْرَاف وثورة أبي عنان ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن واستيلاؤه على الْمغرب

- ‌ركُوب السُّلْطَان أبي الْحسن الْبَحْر من تونس إِلَى الْمغرب وَمَا جرى عَلَيْهِ من المحن فِي ذَلِك

- ‌اسْتِيلَاء السُّلْطَان أبي الْحسن على مراكش ثمَّ انهزامه عَنْهَا إِلَى هنتاته أهل جبل درن ووفاته هُنَاكَ

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي الْحسن وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان المتَوَكل على الله أبي عنان فَارس بن أبي الْحسن رحمه الله

- ‌تملك السُّلْطَان أبي عنان بجاية وتولية عمر بن عَليّ الوطاسي عَلَيْهَا

- ‌ثورة أهل بجاية ومقتل عمر بن الوطاسي بهَا

- ‌خُرُوج أبي الْفضل ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن بِبِلَاد السوس ثمَّ مَقْتَله عقب ذَلِك

- ‌وفادة الْوَزير ابْن الْخَطِيب من قبل سُلْطَانه الْغَنِيّ بِاللَّه على السُّلْطَان أبي عنان رحمهم الله

- ‌رحْلَة السُّلْطَان أبي عنان الى سلا وتطارحه على وَليهَا الْأَكْبَر أبي الْعَبَّاس بن عَاشر رضي الله عنه

- ‌غَزْوَة السُّلْطَان أبي عنان إفريقية وَفتح قسنطينة ثمَّ فتح تونس بعْدهَا

- ‌وزارة سُلَيْمَان بن دَاوُد ونهوضه بالعساكر إِلَى إفريقية

- ‌وَفَاة السُّلْطَان أبي عنان رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان أبي عنان وَسيرَته

- ‌إِحْدَاث المكس بفاس وبسائر أَمْصَار الْمغرب وَمَا قيل فِي ذَلِك

- ‌مقتل أبي الصخور الخمسي وَمَا كَانَ من أمره

- ‌خُرُوج السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى الثغور وتفقده أحوالها

- ‌إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بالودايا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌مَجِيء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله من مراكش إِلَى الغرب مرّة أُخْرَى وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك

- ‌إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بقبيلة مسفيوة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌بِنَاء مَدِينَة الصويرة حرسها الله

- ‌هجوم الفرنسيس على ثغر سلا والعرائش ورجوعه عَنْهُمَا بالخيبة

- ‌مراسلة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله لطاغية الإصبنيول وَمَا اتّفق فِي ذَلِك

- ‌اعتناء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بثغر العرائش وشحنه بِآلَة الْجِهَاد

- ‌إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بآيت يمور أهل تادلا ونقلهم إِلَى سلفات وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌إغراء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بآيت أدراسن وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌مقتل عبد الْحق فنيش السلاوي ونكبة أهل بَيته وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وُرُود هَدِيَّة السُّلْطَان مصطفى العثماني على السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمهمَا الله

- ‌انْعِقَاد الصهر بَين السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَبَين سُلْطَان مَكَّة الشريف سرُور رحمه الله

- ‌اعتناء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بعبيد السوس والقبلة وجلبهم إِلَى أجدال رِبَاط الْفَتْح

- ‌فتح الجديدة

- ‌سعي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فِي فكاك أسرى الْمُسلمين وَمَا يسر الله على يَدَيْهِ من ذَلِك

- ‌حِصَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله مَدِينَة مليلية من ثغور الإصبنيول

- ‌نهوض السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى برابرة آيت ومالو وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌ذكر مَا آل إِلَيْهِ أَمر اليكشارية الَّذين استخدمهم السُّلْطَان من قبائل الْحَوْز

- ‌خُرُوج العبيد على السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله ومبايعتهم لِابْنِهِ الْمولى يزِيد وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌ذكر مَا سلكه السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فِي حق العبيد من التَّأْدِيب الْغَرِيب

- ‌إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بأولاد أبي السبَاع وتشريدهم إِلَى الصَّحرَاء وَمَا يتبع ذَلِك

- ‌ذهَاب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى تافيلالت وتمهيده إِيَّاهَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌خُرُوج السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى الصويرة بِقصد النزهة واغتنام الرَّاحَة وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك

- ‌ذكر السَّبَب الَّذِي هاج غضب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله على ابْنه الْمولى يزِيد رحمه الله

- ‌ذكر مَا كَانَ من السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله إِلَى أهل زَاوِيَة أبي الْجَعْد حماها الله

- ‌ذكر عدد عَسْكَر الثغور فِي دولة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا كَانَ يقبضهُ من الرَّاتِب

- ‌قدوم الْمولى يزِيد من الْمشرق واحترامه بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام ابْن مشيش رضي الله عنه وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد ابْن عبد الله ومآثره وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد وأوليته ونشأته رحمه الله

- ‌بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى يزِيد بن مُحَمَّد رحمه الله

- ‌انْتِقَال الودايا من مكناسة إِلَى فاس وَعبيد الثغور مِنْهَا إِلَى مكناسة

- ‌نقض الصُّلْح مَعَ جَيش الإصبنيول وحصاره سبتة

- ‌انْتِقَاض أهل الْحَوْز على السُّلْطَان الْمولى يزِيد ابْن مُحَمَّد وبيعتهم لِأَخِيهِ الْمولى هِشَام رحمهمَا الله

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بالمغرب وَظُهُور الْمُلُوك الثَّلَاثَة من أَوْلَاد سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الرّبيع الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رحمه الله

- ‌حَرْب السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان لِأَخِيهِ الْمولى مسلمة وطرده إِلَى بِلَاد الْمشرق

- ‌نهب عرب آنقاد لركب حَاج الْمغرب وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌بعث السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان الجيوش إِلَى الْحَوْز ونهوضه على أَثَرهَا إِلَى رِبَاط الْفَتْح وَعوده إِلَى فاس

- ‌ثورة مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الخمسي الْمَعْرُوف بزيطان بِالْجَبَلِ

- ‌أَخْبَار الْمولى هِشَام بن مُحَمَّد بمراكش والحوز وَمَا يتَّصل بذلك

- ‌ثورة الْمولى عبد الْملك بن إِدْرِيس بآنفا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌قدوم عرب الرحامنة على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ومسيره إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا

- ‌دُخُول آسفي وصاحبها الْقَائِد عبد الرَّحْمَن بن نَاصِر الْعَبْدي فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله

- ‌دُخُول الصويرة وأعمالها فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله

- ‌استرجاع السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان مَدِينَة وَجدّة وأعمالها من يَد التّرْك

- ‌فتْنَة الْفَقِير أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن الشريف الفليتي واستحواذه على تلمسان وبيعته للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌ذكر مَا اتّفق للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله فِي وسط دولته من الخصب والأمن والسعادة واليمن

- ‌بَدْء هيجان فتْنَة البربر وَمَا نَشأ عَنْهَا من التفاقم الْأَكْبَر

- ‌إجلاب السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان على برابرة كروان ورجوعه عَنْهُم من آصرو وَمَا نَشأ عَن ذَلِك

- ‌مراسلة صَاحب تونس حمودة باشا ابْن عَليّ باي للسُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله وَمَا اتّفق فِي ذَلِك

- ‌وُصُول كتاب صَاحب الْحجاز عبد الله بن سعود الوهابي إِلَى فاس وَمَا قَالَه الْعلمَاء فِي ذَلِك

- ‌حج الْمولى أبي اسحاق إِبْرَاهِيم ابْن السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله

- ‌وَقد مدح هَذَا النجل الأرضي جمَاعَة من أدباء مصر وَغَيرهَا بقصائد نفيسة وَمن جملَة من مدحه الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم عبد الْقَادِر الريَاحي التّونسِيّ فَإِنَّهُ بعث بقصيدة رائقة إِلَى وَالِده السُّلْطَان المرحوم يمدح النجل الْمَذْكُور ويهنئه بالقدوم وألم فِيهَا بِذكر

- ‌غَزْو السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان بِلَاد الرِّيف وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌خُرُوج السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى بِلَاد الْحَوْز وتمهيدها ثمَّ دُخُوله مراكش

- ‌غَزْو السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان قبائل الصَّحرَاء وإيقاعة بآيت عطة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌وقْعَة ظيان وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله

- ‌ذكر آل مهاوش وأوليتهم وَمَا آل إِلَيْهِ أَمرهم

- ‌حُدُوث الْفِتْنَة بفاس وقيامهم على عاملهم الصفار

- ‌خُرُوج السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من مكناسة إِلَى فاس وَمَا لَقِي من سُفَهَاء البربر فِي طَرِيقه إِلَيْهَا

- ‌ذكر مَا حدث من الْفِتَن بفاس وأعمالها بعد سفر السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان إِلَى مراكش

- ‌خُرُوج أهل فاس على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان وبيعتهم للولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌مسير الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد إِلَى تطاوين ووفاته بهَا

- ‌بيعَة الْمولى السعيد بن يزِيد بتطاوين ورجوعه إِلَى فاس

- ‌مَجِيء السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من مراكش إِلَى الْقصر ثمَّ مسيره إِلَى فاس وحصاره إِيَّاهَا

- ‌مَجِيء الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام من الصويرة إِلَى الغرب واستخلافه بفاس وَمَا تخَلّل ذَلِك

- ‌وقْعَة زَاوِيَة الشرادي وَمَا جرى فِيهَا على السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله

- ‌وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى سُلَيْمَان بن مُحَمَّد رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان رحمه الله ومآثره وَسيرَته

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌الدولة العلوية

- ‌الْقسم الثَّالِث

- ‌الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وأوليته ونشأته

- ‌بيعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رحمه الله

- ‌اجْتِمَاع البربر على بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن لتفقد أَحْوَال الرّعية ووصوله إِلَى رِبَاط الْفَتْح

- ‌خُرُوج السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن إِلَى مكناسة وَنَقله آيت يمور إِلَى الْحَوْز ومسيره إِلَى مراكش

- ‌نكبة ابْن الْغَازِي الزموري وَمَا آل إِلَيْهِ أمره

- ‌ولَايَة الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب على تامسنا ودكالة وأعمالها

- ‌شُرُوع السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله فِي غرس أجدال بِحَضْرَة مراكش

- ‌ولَايَة الْقَائِد أبي الْعَلَاء إِدْرِيس بن حمان الجراري على وَجدّة وأعمالها

- ‌فتح زَاوِيَة الشرادى وَالسَّبَب الدَّاعِي إِلَى غزوها

- ‌هجوم جنس النابريال على ثغر العرائش وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌اسْتِيلَاء الفرنسيس على ثغر الجزائر وَمَا ترَتّب على ذَلِك من دُخُول أهل تلمسان فِي بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله

- ‌خُرُوج جَيش الودايا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌ظُهُور الْحَاج عبد الْقَادِر بن محيي الدّين الْمُخْتَار بالمغرب الْأَوْسَط وَبَعض أخباره

- ‌انْتِقَاض الْهُدْنَة مَعَ الفرنسيس وتمحيص الْمُسلمين بإيسلي قرب وَجدّة وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار الْحَاج عبد الْقَادِر وانقراض أمره وَمَا آل إِلَيْهِ حَاله

- ‌ثورة إِبْرَاهِيم يسمور اليزدكي بالصحراء

- ‌بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن أَوْلَاده إِلَى الْحجاز وَمَا اتّفق لَهُم فِي ذَلِك

- ‌وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الرَّحْمَن وَسيرَته ومآثره

- ‌الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله

- ‌انْتِقَاض الصُّلْح مَعَ الإصبنيول واستيلاؤه على تطاوين ورجوعه عَنْهَا وَالسَّبَب فِي ذَلِك

- ‌القَوْل فِي اتِّخَاذ الْجَيْش وترتيبه وَبَعض آدابه

- ‌ثورة الجيلاني الروكي ومقتله

- ‌إِيقَاع السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله بعرب الرحامنة

- ‌وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله

- ‌بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن رحمه الله ومآثره وَسيرَته

- ‌الْخَبَر عَن دولة ملك الزَّمن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى حسن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن خلد الله ملكه

- ‌تقريظ الطبعة الأولى لكتاب الاستقصا

- ‌تقريظ الْعَلامَة الأديب السَّيِّد أَحْمد بن الْمَأْمُون البلغيثي الْحُسَيْنِي

- ‌تقريظ الأديب السَّيِّد إِبْرَاهِيم الْأَزْهَرِي

الفصل: ‌خروج جيش الودايا على السلطان المولى عبد الرحمن والسبب في ذلك

وارتحل يُرِيد تلمسان

وَلما انْتهى إِلَى أنكاد قدمت عَلَيْهِ رسل ابْن الْأَحْمَر ووفد أهل الأندلس يستصرخونه على الْعَدو ويسألونه الْإِعَانَة والنصر ويخبرونه بِأَنَّهُ قد كلب عَلَيْهِم وشره لالتهام بِلَادهمْ فتحركت همته رحمه الله للْجِهَاد وَنصر الْمُسلمين وإغاثة الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُم وَنظر فِي صرف الشواغل عَن ذَلِك وجنح للسلم مَعَ يغمراسن وعزم عَلَيْهَا وَاسْتَشَارَ الْمَلأ من أَشْيَاخ الْعَرَب وَبني مرين فِي ذَلِك فصوبوا رَأْيه لما كَانُوا عَلَيْهِ أَيْضا من إِيثَار الْجِهَاد ومحبته فَبعث السُّلْطَان يَعْقُوب جمَاعَة من أَشْيَاخ الْقَبَائِل إِلَى يغمراسن يَدعُونَهُ إِلَى الصُّلْح واجتماع الْكَلِمَة وَقَالَ لَهُم فِي جملَة قَوْله إِن الصُّلْح خير كُله فَإِن جنح يغمراسن إِلَيْهِ وأناب فَذَاك وَإِلَّا فَأَسْرعُوا إِلَيّ بالْخبر فَسَار الْأَشْيَاخ إِلَى يغمراسن فوافوه بِظَاهِر تلمسان وَقد أَخذ أهبته واستعد للقاء وحشد قبائل زناتة المجاورين لَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَاد من بني عبد الواد وَبني رَاشد وأحلافهم ومغراوة من عرب بني زغبة فبلغوه الرسَالَة وعرضوا عَلَيْهِ مقَالَة السُّلْطَان يَعْقُوب فَأبى واستكبر وصم عَن سَماع قَوْلهم وموعظتهم وَقَالَ أبعد مقتل وَلَدي أصالحه وَالله لَا كَانَ ذَلِك أبدا حَتَّى أثأر بِهِ وأذيق أهل الْمغرب النكال من أَجله فَرَجَعت الرُّسُل إِلَى السُّلْطَان يَعْقُوب بالْخبر وتزاحف الْفَرِيقَانِ فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي ايسلي من بسيط وَجدّة وعبأ السُّلْطَان يَعْقُوب كتائبه ورتب مصافه وَجعل ابْنه عبد الْوَاحِد فِي الميمنة وَابْنه يُوسُف فِي الميسرة ووقف هُوَ فِي الْقلب ودارت بَينهم رحى الْحَرْب وركدت مَلِيًّا وَهلك فِي الحومة أَبُو عنان فَارس بن يغمراسن بن زيان فِي جمَاعَة من بني عبد الواد وَهلك عَامَّة عَسْكَر الفرنج الَّذين كَانُوا مَعَهم لثباتهم بثبات يغمراسن فطحنتهم رحى الْحَرْب وتقبض على قائدهم برنيس وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَنَجَا يغمراسن فِي فَلهُ حاميا لَهُم ومدافعا عَنْهُم من خَلفهم وَمر فِي هزيمته بفساطيطه فأضرمها نَارا تفاديا من حصرة اسْتِيلَاء الْعَدو عَلَيْهَا وانتهبت بَنو مرين بَاقِي مُعَسْكَره واستبيحت حرمه وارتحل السُّلْطَان يَعْقُوب من الْغَد فِي أَثَره حَتَّى إِذا انْتهى إِلَى وَجدّة وقف عَلَيْهَا فَأمر بهدمها فتسارعت أَيدي الْجند إِلَيْهَا وَجعلُوا عاليها

ص: 32

سافلها وألصقوا بالرغام جدرانها وتركوها قاعا صفصفا وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة منتصف رَجَب من سنة سبعين وسِتمِائَة

ثمَّ تقدم إِلَى تلمسان فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها أَيَّامًا وَأطلق الْأَيْدِي فِي ساحتها بالنهب والعيث ثمَّ شن الغارات على البسائط فاكتسحها سَببا ونسفها نسفا وَهلك فِي طَرِيقه إِلَى تلمسان وزيره عِيسَى بن ماساي وَكَانَ من عَلَيْهِ وزرائه وحماة ميدانه وَله فِي ذَلِك أَخْبَار مَذْكُورَة وَكَانَ مهلكه فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَقدم عَلَيْهِ وَهُوَ محاصر لتلمسان الْأَمِير أَبُو زيان مُحَمَّد بن عبد الْقوي بن الْعَبَّاس بن عَطِيَّة كَبِير بني توجين من زناتة فِي جَيش كثيف من قومه مباهيا ببنوده وطبوله وَآلَة حربه وَكَانَ قدومه هَذَا بِقصد مُظَاهرَة السُّلْطَان يَعْقُوب على يغمراسن وتلمسان لعداوة كَانَت بَينهمَا فَأكْرم السُّلْطَان يَعْقُوب وفادته واستركب النَّاس للقائه وَاتخذ رُتْبَة السِّلَاح لمباهاته وَاسْتمرّ الْحصار على تلمسان وعظمت نكاية بني توجين فِيهَا بتخريب الرباع وانتساف الجنات وَقطع الثِّمَار وإفساد الزَّرْع وتحريق الْقرى والضياع لما كَانَ يغمراسن يعاملهم فِي بِلَادهمْ بِمثل ذَلِك أَو أَكثر وَلما امْتنعت تلمسان على السُّلْطَان يَعْقُوب وأيس من فتحهَا لحصانتها واشتداد شَوْكَة حاميتها عزم على الإفراج عَنْهَا وَأَشَارَ على الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الْقوي بالقفول إِلَى مأمنه قبل أَن ينْهض هُوَ عَن تلمسان وَوَصله وَقَومه وملأ حقائبهم من التحف وجنب لَهُم مائَة من الْخَيل المقربات الْجِيَاد بمراكبها وأراح عَلَيْهِم ألف نَاقَة حَلُوب وعمهم بِالْخلْعِ الفاخرة والصلات الوافرة واستكثر لَهُم من السِّلَاح والفازات والفساطيط وَحَملهمْ على الظّهْر وَارْتَحَلُوا إِلَى منجاتهم ومقرهم من جبل وانشريس وتلوم السُّلْطَان يَعْقُوب عَلَيْهِم أَيَّامًا ريثما وصلوا حذرا عَلَيْهِم من يغمراسن أَن ينتهز الفرصة فِي اتباعهم ثمَّ أقلع السُّلْطَان عَن تلمسان وثنى عنانه إِلَى الْمغرب فوصل إِلَى رِبَاط تازا فِي أول يَوْم من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة فعيد بهَا عيد النَّحْر ثمَّ ارتحل إِلَى فاس فَدَخلَهَا فاتح سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى الْيَوْم الْحَادِي عشر من صفر فَتوفي وَلَده وَولي عَهده الْأَمِير أَبُو مَالك عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فأسف لفقده ثمَّ

ص: 33

صَبر واحتسب ثمَّ نَهَضَ إِلَى مراكش فَدَخلَهَا أَوَائِل ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة فَأَقَامَ بهَا شهرا حَتَّى أصلح من شَأْنهَا ثمَّ نَهَضَ إِلَى طنجة وسبتة على مَا نذكرهُ

‌فتح طنجة وسبتة وَمَا كَانَ من أَمر العزفي بهما

قد تقدم لنا فِي دولة أبي حَفْص عمر المرتضي أَن الْفَقِيه أَبَا الْقَاسِم العزفي استبد عَلَيْهِ بسبتة وتوارث ذَلِك بنوه من بعده وَكَانَ هَؤُلَاءِ العزفيون من بيوتات سبتة وَأهل الرياسة وَالْعلم وَالدّين فيهم وَلما ضعف أَمر بني عبد الْمُؤمن بالمغرب اسْتَقل الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم بن أبي الْعَبَّاس العزفي برياستها وضبطها وانتظم فِي طَاعَته سَائِر أَعمالهَا وَلما كَانَت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بعث الْفَقِيه الْمَذْكُورَة أجفانه إِلَى مَدِينَة أصيلا فهدموا أسوارها وَنَقَضُوا قصبتها لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْهَا من خلائها أَن يملكهَا الْعَدو ويتمنع بهَا واستمرت أُمُوره فِي سبتة ونواحيها على الشداد وَكَانَت طنجة تالية لسبتة فِي سَائِر أحوالها وكانتا مَعًا من أحصن بِلَاد الْمغرب فَدخل صَاحب طنجة وَهُوَ أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن مُحَمَّد الْهَمدَانِي الْمَعْرُوف بِابْن الْأَمِير فِي طَاعَة أبي الْقَاسِم الْمَذْكُور ثمَّ انتفض عَلَيْهِ لمضي سنة من طَاعَته واستبد وخطب لِابْنِ أبي حَفْص صَاحب إفريقية ثمَّ للخليفة العباسي صَاحب بَغْدَاد ثمَّ لنَفسِهِ وسلك فِي طنجة مَسْلَك العزفي فِي سبتة وَلَبِثُوا على ذَلِك مَا شَاءَ الله حَتَّى إِذا ملك بَنو مرين الْمغرب وافتتحوا معاقله وحصونه وَهلك الْأَمِير أَبُو بكر بن عبد الْحق وَابْنه أَبُو حَفْص عمر من بعده فتحيز بنوه فِي أتباعهم وحشمهم إِلَى نَاحيَة طنجة وَأَصِيلا فأوطنوا

ص: 34

ضاحيتها وعاثوا فِي نَوَاحِيهَا وضيقوا على أهل طنجة حَتَّى شارطهم ابْن الأميرعلى خراج مَعْلُوم على أَن يكفوا الأذية ويحموا الْحَوْزَة ويصلحوا السابلة فاتصلت يَده بيدهم وترددوا إِلَى الْبَلَد لاقْتِضَاء حاجاتهم ثمَّ مكروا وأضمروا الْغدر فَدَخَلُوا فِي بعض الْأَيَّام متأبطين السِّلَاح وفتكوا بِابْن الْأَمِير غيلَة فثارت بهم عَامَّة أهل طنجة واستلحموهم لحينهم فِي مصرع وَاحِد سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة واجتمعوا على وَلَده فَبَايعُوهُ وَبقيت فِي ملكته خَمْسَة أشهر ثمَّ استولى عَلَيْهَا أَبُو الْقَاسِم العزفي فَنَهَضَ إِلَيْهَا بعساكره من الرجل برا وبحرا وملكها وفر ابْن الْأَمِير فلحق بتونس وَنزل على الْمُسْتَنْصر الحفصي واستقرت طنجة فِي إيالة العزفي فضبطها وَقَامَ بأمرها وَولي عَلَيْهَا من قبله وأشرك الْمَلأ من أَشْرَافهَا فِي الشورى

وَلما استولى السُّلْطَان يَعْقُوب على حَضْرَة مراكش ومحا دولة آل عبد الْمُؤمن مِنْهَا وَفرغ من أَمر عدوه يغمراسن هم بِتِلْكَ النَّاحِيَة وَأحب أَن يضيفها إِلَى مَا بِيَدِهِ ليصفوا لَهُ أَمر الْمغرب الْأَقْصَى كُله فَنَهَضَ إِلَى طنجة ونازلها مفتتح اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة لِأَنَّهَا كَانَت فِي الْبَسِيط دون سبتة فَكَانَ أمرهَا أسهل فحاصرها نَحْو ثَلَاثَة أشهر فامتنعت عَلَيْهِ ويئس مِنْهَا وعزم على الإفراج عَنْهَا فَبَيْنَمَا هُوَ يُقَاتل فِي عشي الْيَوْم الَّذِي عزم على النهوض فِي غده إِذا بِجَمَاعَة من رماتها قَامُوا على برج وَرفعُوا لِوَاء أَبيض وَنَادَوْا بشعار بني مرين وَذَلِكَ لخلاف وَقع بَينهم دَاخل الْبَلَد فَتسَارع الْجند إِلَيْهِم فملكوهم البرج فتسوروا إِلَيْهِ الْحِيطَان وقاتلوا عَلَيْهِ سَائِر ليلتهم إِلَى الصَّباح ثمَّ تكاثرت جيوش بني مرين واقتحموا الْبَلَد عنْوَة ونادى مُنَادِي السُّلْطَان يَعْقُوب بالأمان فَلم يهْلك من أَهلهَا إِلَّا نفر يسير مِمَّن رفع يَده لِلْقِتَالِ وَشهر السِّلَاح سَاعَة الدُّخُول وَكَانَ ذَلِك فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة وَلما فرغ السُّلْطَان يَعْقُوب من طنجة بعث وَلَده الْأَمِير يُوسُف إِلَى سبتة فحاصر بهَا العزفي أَيَّامًا ثمَّ لَاذَ بِالطَّاعَةِ على أَن يبْقى مُمْتَنعا بحصنه وَيُؤَدِّي للسُّلْطَان خراجا مَعْلُوما كل سنة فَقبل السُّلْطَان مِنْهُ ذَلِك وأفرجت عَنهُ عساكره وَعَاد إِلَى فاس وَالله غَالب على أمره

ص: 35

‌فتح سجلماسة وَمَا كَانَ من أمرهَا

قد ذكرنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الْأَمِير أبي بكر بن عبد الْحق على سجلماسة ودرعة وَأَنه عقد على مسلحتها لأبي يحيى الفطراني الَّذِي كَانَ السَّبَب فِي غَلبه عَلَيْهَا المرتضى وَقتل القطراني بِوَاسِطَة القَاضِي ابْن حجاج حَسْبَمَا تقدم ذَلِك كُله ثمَّ غلب عَلَيْهَا بعد حِين يغمراسن بن زيان بِوَاسِطَة عرب المنبات من بني معقل أهل الصَّحرَاء وَعقد عَلَيْهَا لعبد الْملك بن مُحَمَّد العَبْد الْوَادي الْمَعْرُوف بِابْن حنينة نِسْبَة إِلَى أمه وَهِي أُخْت يغمراسن بن زيان وَلما فتح السُّلْطَان يَعْقُوب بِلَاد الْمغرب وانتظمها فِي ملكته وَجه عزمه إِلَى افْتِتَاح سجلماسة وانتزاعها من أَيدي بني عبد الواد المتغلبين عَلَيْهَا فَنَهَضَ إِلَيْهَا فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة فِي جموع بني مرين وقبائل الْمغرب من الْعَرَب والبربر ونازلها وَنصب عَلَيْهَا آلَات الْحصار من المجانيق والعرادات وَغير ذَلِك

قَالَ ابْن خلدون وَنصب عَلَيْهَا هندام النفط الْقَاذِف بحصى الْحَدِيد ينبعث من خزانَة أَمَام النَّار الموقدة فِي البارود بطبيعة غَرِيبَة ترد الْأَفْعَال إِلَى قدرَة بارئها اه كَلَامه قلت وَفِيه فَائِدَة أَن البارود كَانَ مَوْجُودا فِي ذَلِك التَّارِيخ وَأَن النَّاس كَانُوا يُقَاتلُون بِهِ ويستعملونه فِي محاصراتهم وحروبهم يَوْمئِذٍ وَفِيه رد لما نَقله أَبُو زيد الفاسي فِي شرج منظومته الْمَوْضُوعَة فِي الْعَمَل الْجَارِي بفاس قَالَ كَانَ حُدُوث البارود سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة حَسْبَمَا ذكره بَعضهم فِي تأليف لَهُ فِي الْجِهَاد وَأَنه استخرجه حَكِيم كَانَ يعْمل الكيمياء ففرقع لَهُ فَأَعَادَهُ فأعجبه فاستخرج مِنْهُ هَذَا البارود اه وصرخ الشَّيْخ أَبُو عبد الله بناني فِي حَاشِيَته على مُخْتَصر الشَّيْخ خَلِيل بِأَن حُدُوثه كَانَ فِي وسط الْمِائَة الثَّامِنَة وَهُوَ غير صَوَاب لما علمت من كَلَام ابْن خلدون أَنه كَانَ مَوْجُودا قبل ذَلِك بِنَحْوِ مائَة سنة ويغلب على ظَنِّي أَن لفظ الستمائة تصحف بالسبعمائة فسرى الْغَلَط من ذَلِك وَالله أعلم

ص: 36

وَأقَام السُّلْطَان يَعْقُوب على حِصَار سجلماسة حولا كَامِلا وَكَانَ سفهاؤها يصعدون فَوق الأسوار ويعلنون بالسب وَالْفُحْش إِلَى أَن هتك المنجنيق ذَات يَوْم طَائِفَة من سورها فَدخلت من هُنَالك عنْوَة بِالسَّيْفِ وعاث الْجند فِي أَهلهَا فَقتلُوا الْمُقَاتلَة وَسبوا الذُّرِّيَّة وأتى الْقَتْل على عاملها عبد الْملك بن حنينة وَمن كَانَ بهَا من أَشْيَاخ بني عبد الواد وعرب المنبات وَكَانَ فتحهَا آخر صفر وَقيل يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث ربيع الأول سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة وكمل بِفَتْحِهَا للسُّلْطَان يَعْقُوب فتح بِلَاد الْمغرب وتمشت طَاعَته فِي أقطاره فَلم يبْق فِيهِ أهل حصن يدينون بِغَيْر دَعوته وَلَا جمَاعَة تتحيز إِلَى غير فئته

‌أَخْبَار السُّلْطَان الْمَنْصُور بِاللَّه يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فِي الْجِهَاد وَمَا كَانَ لَهُ بالأندلس من الذّكر الْجَمِيل وَالْفَخْر الجزيل رحمه الله

قد تقدم لنا مَا كَانَ لِلْعَدو الْكَافِر على الْمُسلمين فِي وقْعَة الْعقَاب من الظُّهُور وَالْغَلَبَة وَأَن تِلْكَ الْوَقْعَة كَانَت سَبَب ضعف الْمُسلمين بالمغرب والأندلس واستيلاء الْعَدو الْكَافِر على جلّ ثغورها وحصونها وَلما ضعف أَمر الْمُوَحِّدين بالمغرب استبد السَّادة مِنْهُم بالأندلس وصاروا إِلَى المنافسة فِيمَا بَينهم واستظهار بَعضهم على بعض بالطاغية وَإِسْلَام حصون الْمُسلمين إِلَيْهِ فِي سَبِيل تِلْكَ الْفِتْنَة فمشت رجالات الأندلس بَعضهم إِلَى بعض وَأَجْمعُوا على إِخْرَاج الْمُوَحِّدين من أَرضهم فثاروا بهم لوقت وَاحِد وأخرجوهم وَتَوَلَّى كبر ذَلِك مُحَمَّد بن يُوسُف بن هود الجذامي ثمَّ من بعده مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْمَعْرُوف بِابْن الْأَحْمَر وَنَازع ابْن هود الرياسة بالأندلس وَلَا الشهيرة الَّتِي مِنْهَا قرطبة وإشبيلية قاعدتا أَرض الأندلس كَانَ كل وَاحِد من هذَيْن الثائرين يتَقرَّب إِلَى الطاغية بِمَا غلب عَلَيْهِ من ذَلِك ليعينه على صَاحبه

ص: 37

وَالْأَمر لله وَحده وانقرض أَمر ابْن هود عَن أمد قريب واستمرت دولة ابْن الْأَحْمَر فِي عقبه إِلَى آخر الْمِائَة التَّاسِعَة وَلما استتب أَمر ابْن الْأَحْمَر بالأندلس عقد السّلم مَعَ الطاغية على أَن ينزل لَهُ عَن جَمِيع بسائط عرب الأندلس فَنزل لَهُ عَنْهَا أجمع ولجأ بِالْمُسْلِمين إِلَى سيف الْبَحْر معتصمين بأوعاره ومتشبثين بمعاقله وحصونه وَاخْتَارَ ابْن الْأَحْمَر لنزوله مَدِينَة غرناطة واتخذها كرْسِي مَمْلَكَته وابتنى بهَا لسكناه حصن الْحَمْرَاء

وَكَانَ ابْن الْأَحْمَر هَذَا يدعى بالشيخ وَكَانَ قد عهد إِلَى وَلَده الْقَائِم من بعده مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالفقيه لانتحاله طلب الْعلم فِي صغره وأوصاه إِذا نابه أَمر من الْعَدو أَو وصل إِلَيْهِ مَكْرُوه أَن يستنصر عَلَيْهِ ببني مرين ويدرا بهم فِي نَحره ويجعلهم وقاية بَين الْعَدو وَبَين الْمُسلمين فَلَمَّا تكالب الطاغية على بِلَاد الأندلس بَادر مُحَمَّد الْفَقِيه إِلَى الْعَمَل بِإِشَارَة وَالِده وأوفد مشيخة الأندلس كَافَّة على السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله فَلَقِيَهُ وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة فتبادروا للسلام عَلَيْهِ وألقوا إِلَيْهِ كنه الْخَبَر عَن كلب الْعَدو على الْمُسلمين وَثقل وطأته فَحَيَّا وفدهم واستبشر بمقدمهم وبادر لإجابة دَاعِي الله وإيثار الْجنَّة وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله مُنْذُ أول أمره مؤثرا عمل الْجِهَاد كلفا بِهِ مُخْتَارًا لَهُ لَو أعطي الْخِيَار على سَائِر أَعماله حَتَّى لقد كَانَ اعتزم على الْغَزْو إِلَى الأندلس أَيَّام أَخِيه الْأَمِير أبي بكر وَطلب إِذْنه فِي ذَلِك فَلم يَأْذَن لَهُ فَكَانَ فِي نَفسه من ذَلِك شغل وَله إِلَيْهِ صاغية فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ هَذَا الْوَفْد نبهوا عزيمته وأيقظوا همته فأعمل فِي الاحتشاد وَبعث فِي النفير ونهض من فاس فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة فوصل إِلَى طنجة وَأقَام هُنَالك وجهز خَمْسَة آلَاف من قومه أزاح عللهم وأجزل أعطياتهم وَعقد عَلَيْهِم لِابْنِهِ أبي

ص: 38

زيان وَأَعْطَاهُ الرَّايَة واستدعى من العزفي صَاحب سبتة السفن لإجازتهم فوافاه بقصر الْمجَاز مِنْهُ عشرُون أسطولا فَأجَاز الْعَسْكَر الْمَذْكُور وَنزل بطريف فِي السَّادِس عشر من ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة فأراح الْأَمِير أَبُو زيان بطريف ثَلَاثًا ثمَّ دخل دَار الْحَرْب وتوغل فِيهَا وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلات أَيْديهم من الْمَغَانِم وأثخنوا بِالْقَتْلِ والأسر وتخريب الْعمرَان ونسف الْآثَار حَتَّى نزل بِسَاحَة شريش فخام حاميتها عَن اللِّقَاء وتحصنوا بالأسوار وقفل الْأَمِير أَبُو زيان الجزيرة الخضراء وَقد أمتلأت أَيدي عسكره من الْأَمْوَال وحقائبهم من السَّبي وركائبهم من السِّلَاح والأثاث وَرَأى أهل الأندلس أَن قد ثأروا بعام الْعقَاب بعد أَن لم تنصر لَهُم راية من ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْآن وَالله غَالب على أمره

‌الْجَوَاز الأول للسُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس برسم الْجِهَاد

ثمَّ اتَّصل الْخَبَر بالسلطان يَعْقُوب رحمه الله أَن الْعَدو قد أَخذ فِي الاستعداد وعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فاعتزم على الْغَزْو بِنَفسِهِ وخشي على ثغور بِلَاده من عَادِية يغمراسن صَاحب تلمسان فَبعث حافده تاشفين بن عبد الْوَاحِد بن يَعْقُوب فِي وَفد من بني مرين لعقد السّلم مَعَ يغمراسن وَالرُّجُوع للاتفاق وَالْمُوَادَعَة وَوضع أوزار الْحَرْب بَين الْمُسلمين للْقِيَام بوظيفة الْجِهَاد فَأكْرم موصله وموصل قومه وبادر إِلَى الْإِجَابَة والألفة وأوفد مشيخة بني عبد الواد على السُّلْطَان يَعْقُوب لعقد السّلم وَبعث مَعَهم الرُّسُل وأسني الْهَدِيَّة وَجمع الله كلمة الْإِسْلَام وَعظم موقع هَذَا السّلم من السُّلْطَان يَعْقُوب لما كَانَ فِي نَفسه من الْميل الى الْجِهَاد وإيثار مبرورات الْأَعْمَال فَبَثَّ الصَّدقَات شكرا لله تَعَالَى على مَا منحه من التفرغ لذَلِك ثمَّ اسْتنْفرَ الكافة واحتشد الْقَبَائِل والجموع ودعا الْمُسلمين إِلَى جِهَاد عدوهم وخاطب فِي ذَلِك سَائِر أهل الْمغرب من زناتة وَالْعرب والموحدين والمصامدة وصنهاجة وغمارة وأروبة ومكناسة وَجَمِيع قبائل البربر من المرتزقة والمتطوعة وأهاب بهم وَشرع فِي عبور الْبَحْر فأجازهم من فرضة قصر الْمجَاز فِي صفر

ص: 39

سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة واحتل بساحل طريف وَكَانَ السُّلْطَان يَعْقُوب حِين استصرخه ابْن الْأَحْمَر وأوفد عَلَيْهِ مَشَايِخ الأندلس اشْترط عَلَيْهِ السُّلْطَان يَعْقُوب النُّزُول عَن بعض الثغور بساحل الفرضة لاحتلال عساكره بهَا فتجافى لَهُ عَن رندة وطريف

وَلما أحس الرئيس أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة بِإِجَازَة السُّلْطَان يَعْقُوب قدم إِلَيْهِ الْوَفْد من أهل مالقة ببيعتهم وصريخهم وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة وَأَخُوهُ أَبُو إِسْحَاق من أَصْهَار ابْن الْأَحْمَر وَكَانَا مستوليين على مالقة ووادي آش وقمارش وَوَقعت بَينهمَا وَبَين ابْن الْأَحْمَر مُنَافَسَة فَخَرَجَا عَن طَاعَته وَلما عبر السُّلْطَان يَعْقُوب إِلَى الأندلس بَادر أَبُو مُحَمَّد بن أشقيلولة إِلَيْهِ واتصل بِهِ وأمحضه الود والنصح وسابق ابْن الْأَحْمَر فِي ذَلِك ونازعه فِي برور مقدمه والإذعان لَهُ وَرُبمَا صدرت من ابْن أشقيلولة فِي حق ابْن الْأَحْمَر جفوة بِمحضر السُّلْطَان يَعْقُوب أدَّت إِلَى بعض الْفساد وَانْصَرف ابْن الْأَحْمَر مغاضبا للسُّلْطَان من أجل ذَلِك

وَلما احتل السُّلْطَان بِنَاحِيَة طريف مَلَأت كتائبه ساحة الأَرْض مَا بَينهَا وَبَين الجزيرة الخضراء ثمَّ نَهَضَ إِلَى الْعَدو قبل أَن يسْبق إِلَيْهِم الْخَبَر فَدخل دَار الْحَرْب وانْتهى إِلَى الْوَادي الْكَبِير فعقد هُنَالك لوَلَده الْأَمِير يُوسُف على خَمْسَة آلَاف من عسكره قدمهَا بَين يَدَيْهِ ثمَّ تبعه على أَثَره وسرح كتائبه فِي البسائط وخلال المعاقل تنسف الزروع وتخطم الغروس وتخرب الْعمرَان وتنتهب الْأَمْوَال وتكتسح السَّرْح وَتقتل الْمُقَاتلَة وَتَسْبِي النِّسَاء والذرية حَتَّى انْتهى إِلَى حصن المدور وبياسة وأبدة واقتحم حصن بلمة عنْوَة وأتى على سَائِر الْحُصُون فِي طَرِيقه فطمس معالمها واكتسح أموالها

وقفل السُّلْطَان يَعْقُوب رحمه الله وَالْأَرْض تموج سبيا إِلَى أَن عرس بأستجه من تخوم دَار الْحَرْب وجاءه النذير بِاتِّبَاع الْعَدو آثاره لاستنقاذ أسراه واسترجاع أَمْوَاله وَأَن زعيم الفرنج وعظيمهم نونه خرج فِي طَلَبهمْ فِي أُمَم النَّصْرَانِيَّة من المحتلم إِلَى الشَّيْخ فَقدم السُّلْطَان الْغَنَائِم بَين يَدَيْهِ وسرح ألفا من الفرسان أمامها وَسَار يقتفيها من خلفهَا حَتَّى إِذا أطلت رايات الْعَدو مر ورائهم كَانَ

ص: 40

باشدورا إِلَى السُّلْطَان مصطفى العثماني وأصحبه هَدِيَّة نفيسة مُكَافَأَة لَهُ على هديته الَّتِي كَانَ أرسلها مَعَ السَّيِّد الطَّاهِر بن عبد السَّلَام السلاوي وَالسَّيِّد الطَّاهِر بناني الرباطي حَسْبَمَا مر

ثمَّ لما دخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف قدم الْحَاج عبد الْكَرِيم الْمَذْكُور من عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور وَمَعَهُ هَدِيَّة عَظِيمَة أعظم من الأولى وَهِي مركب موسوق بالمدافع والمهاريس النحاسية وإقامتها وَإِقَامَة المراكب القرصانية من صوار ومخاطيف وقلوع وقمن وحبال وبراميل وَغير ذَلِك من آلَات الْبَحْر وفيهَا ثَلَاثُونَ من مهرَة المعلمين الَّذين لَهُم الْمعرفَة بأفراع المدافع والمهاريس والكور والبنب وبصناعة المراكب القرصاينة وَفِيهِمْ معلم مجيد فِي الرَّمْي بالمهراس إِلَى الْغَايَة فنزلوا بمرسى العرائش

قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَكنت يَوْمئِذٍ واليا بهَا فورد أَمر السُّلْطَان بتوجيه المعلمين إِلَى فاس يُقِيمُونَ بهَا حَتَّى يقدم السُّلْطَان من مراكش إِلَى مكناسة فيجتمعون بِهِ هُنَالك وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى مكناسة وحضروا عِنْده فاوضهم فِي الْخدمَة وَأَرَادَ أَن يحيي آثَار دَار الصَّنْعَة الَّتِي كَانَت بسلا تصنع بهَا المراكب الجهادية على عهد الْمُوَحِّدين وَبني مرين فَقَالُوا نحتاج أَن تبني لنا دَارا على هَيْئَة كَذَا وَمن نعتها كَذَا وَكَذَا ورسموا لَهُ شكلها فِي قرطاس فَرَأى أَن أمرهَا لَا يتم فِي عشر سِنِين وَلَا أَكثر وَلَا يَكْفِي فِي بنائها مَال فَأَعْرض عَن ذَلِك وَبعث معلمي البنب إِلَى تطاوين فَكَانَ أحدهم يفرغ البنبة من قنطارين وَبعث معلمي المراكب إِلَى سلا فأنشؤوا فِيهَا ثَلَاث شكظريات وَبعث معلم الرَّمْي إِلَى رِبَاط الْفَتْح فَكَانَ يعلم بهَا الطبجية من أهل سلا والرباط وَتخرج على يَدَيْهِ نجباء وَمن ثمَّ توارث أهل العدوتين هَذِه الصِّنَاعَة مُدَّة إِلَى أَن لم يبْق بهَا الْيَوْم إِلَّا الِاسْم ورد أَصْحَاب المدافع والمهاريس إِلَى فاس فأقاموا بهَا إِلَى أَن توفوا هُنَالك رَحِمهم الله

ص: 32

وَفِي هَذِه السّنة انْعَقَدت الشُّرُوط بَين السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَبَين جنس الدينمرك وَهِي عشرُون شرطا ترجع إِلَى تَمام الصُّلْح والأمن من الْجَانِبَيْنِ أَيْضا وَالْأول مِنْهَا مضمنة خُرُوج أَمر المراسي المغربية من يَد تجار الدينمرك فَلَا يتصرفون فِيهَا بِشَيْء لكَون الكمبانية الَّتِي كَانَت تدفع من المراسي قد تَفَرَّقت بعد الْتِزَام قنصلهم بأَدَاء اثْنَي عشر ألف ريال وَخَمْسمِائة ريال الَّتِي بقيت بِذِمَّة تجارهم من ذَلِك وَلَا تعود المراسي لأيديهم بِحَال وَالْآخر مِنْهَا مضمنة أَن يدْفع طاغية الدينمرك للسُّلْطَان كل سنة خَمْسَة وَعشْرين مدفعا من مدافع الْمَعْدن وزر كورتها من ثَمَانِيَة عشر رطلا إِلَى أَرْبَعَة وَعشْرين وَيدْفَع مَعهَا ثَلَاثِينَ قمنة وَمن اللَّوْح الروبلي ألفي لوحة مختلطة وَمن الريال سِتَّة آلَاف وَخَمْسمِائة وَالْكل وَاصل إِلَى الْمحل الَّذِي يُريدهُ السُّلْطَان وَإِن أَرَادَ الطاغية أَن يدْفع بَدَلا عَن جَمِيع ذَلِك خَمْسَة وَعشْرين ألف ريال فَلهُ ذَلِك وَمثل هَذَا انْعَقَد مَعَ جنس السويد أَيْضا إِلَّا أَن قدر الْمَدْفُوع من جَانِبه عشرُون ألف ريال فَقَط فِي كل سنة وَمَعَ أَجنَاس أخر وظائف أخر واستمرت هَذِه السّنة إِلَى أَن انْقَطَعت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَألف فِي دولة السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رحمه الله حَسْبَمَا نذْكر ذَلِك فِي مَحَله

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف كَانَت فتْنَة الدعي كلخ بمراكش وَهُوَ رجل صعلوك اسْمه عمر كَانَ ينتسب إِلَى الشَّيْخ أبي الْعَزْم سَيِّدي رحال وَكَانَ يظْهر للعامة الكرامات الكاذبة وَتَبعهُ السوَاد الْأَعْظَم من جهلة الْبَادِيَة لِأَنَّهُ وعدهم أَن يفتح لَهُم بَيت المَال ويهيلون مِنْهُ الذَّهَب وَالْفِضَّة هيلا من غير ممانع فأهرع النَّاس إِلَيْهِ وَتقدم إِلَى مراكش فَدَخلَهَا فِي عَالم من الأوباش شعارهم هَاتَانِ الكلمتان كلخ شلخ رافعين بهَا أَصْوَاتهم وهم كالسيل المنحدر من عل فَوَقع الْهَرج بِالْمَدِينَةِ وغلقت الْأَسْوَاق واتصل الْخَبَر بالسلطان وَهُوَ بداره فَأمر الوزعة وَالْعَبِيد

ص: 33

فاعترضوهم دون القصبة وقبضوا عَلَيْهِ وَلما صَار فِي أَيْديهم فر من كَانَ مَعَه من الطغام وساقوه إِلَى السُّلْطَان فَقتله وسكنت جعجعته للحين

‌انْعِقَاد الصهر بَين السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله وَبَين سُلْطَان مَكَّة الشريف سرُور رحمه الله

كَانَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله يحب الْفَخر ويعنى بِهِ وَله رَغْبَة فِي الْخَيْر وَأَهله وَلما كَانَ سُلْطَان مَكَّة الشريف سرُور رحمه الله بِالْمحل الَّذِي أكْرمه الله بِهِ بَلَدا ومحتدا رغب السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد رحمه الله فِي مصاهرته وسمحت نَفسه الشَّرِيفَة ببذل كريمته

فَمَا دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وعزم ركب الْحَاج المغربي على السّفر إِلَى الْحجاز بعث مَعَهم السُّلْطَان الْمَذْكُور ابْنَته وزفها على بَعْلهَا الْمَذْكُور وَبعث وَلَده الْأَكْبَر وخليفته الْأَشْهر الْمولى عَليّ بن مُحَمَّد لإِقَامَة فَرِيضَة الْحَج وَمَعَهُ شقيقه الْمولى عبد السَّلَام صَغِيرا دون بُلُوغ ليَكُون مَعَ أُخْته وَكِلَاهُمَا فِي صُحْبَة الركب المغربي كَمَا قُلْنَا وأصحبهما هَدِيَّة لأمير طرابلس وهدية لأمير مصر وَالشَّام وهدية عَظِيمَة لأهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين ومالا كثيرا يفرق على أَشْرَاف الْحجاز واليمن وجوائز سنية للْعُلَمَاء والنقباء وأرباب الْوَظَائِف بِمَكَّة وَالْمَدينَة وَبعث مَعَهُمَا من وُجُوه أهل الْمغرب وَأَوْلَاد أُمَرَاء الْقَبَائِل وأشياخهم وَمن أكَابِر خُدَّامه وَأَصْحَاب أشغاله بالخيول المسومة وَالسِّلَاح الشاكي والشارة الْحَسَنَة وَمَا تحدث بِهِ أهل الْمشرق دهرا وَكَانَ فِي جهاز ابْنة السُّلْطَان مَا يزِيد على مائَة ألف دِينَار من الحلى والياقوت والجوهر وَكَانَ يَوْم دُخُولهَا إِلَى مَكَّة يَوْمًا مشهودا حَضَره عَامَّة أهل الْمَوْسِم الْأَعْظَم من الْآفَاق وتناقلت حَدِيثه الركْبَان والرفاق

ص: 34

‌اعتناء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله بعبيد السوس والقبلة وجلبهم إِلَى أجدال رِبَاط الْفَتْح

وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة وَألف بعث السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عَمه الْمولى عَليّ بن الفضيل وكاتبه أَبَا عُثْمَان سعيد الشليح الْجُزُولِيّ إِلَى بِلَاد السوس لجمع عبيد المخزن الَّذين بهَا وَبعث وصيفه المحجوب ابْن قَائِد رَأسه لإقليم طاطا وآقاوتيشيت من بِلَاد الْقبْلَة لجمع العبيد الَّذين هُنَالك فجاؤوا بِأَلفَيْنِ من عبيد السوس بأولادهم وألفين من عبيد الْقبْلَة بأولادهم كَذَلِك فأنزلهم السُّلْطَان بِظَاهِر مراكش إِلَى أَن أَعْطَاهُم السِّلَاح والكسي وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد المحجوب الْمَذْكُور

ثمَّ لما سَار إِلَى رِبَاط الْفَتْح أَمر بِقطع جنَّات أجدال الَّذِي بِظَاهِر الْبَلَد وَأنزل العبيد بِهِ وَبنى لَهُم الدّور وَالْمَسْجِد والمدرسة وَالْحمام والسوق وَزَاد عَلَيْهِم أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة من الودايا جلبها من الْقَبَائِل وَكتب الْجَمِيع فِي الدِّيوَان وجعلهم فِي مُقَابلَة عبيد مكناسة والودايا الَّذين بهَا وأفاض فيهم الْعَطاء الْكثير لسكناهم بثغر من ثغور الْإِسْلَام

‌فتح الجديدة

قد ذكر لويز مَارِيَة خبر هَذَا الْفَتْح وَنحن نلخص مَا ذكره من ذَلِك قَالَ لما ولي السُّلْطَان سيد مُحَمَّد بن عبد الله سلطنة الْمغرب كَانَ لَا يقر لَهُ قَرَار من أجل مُشَاركَة البرتغال لَهُ فِي قِطْعَة من أرضه وَكَانَ شهما ذَا أَنَفَة وإباية فَاسْتَشَارَ أهل الرَّأْي من دولته فِي غَزْو الجديدة وَفتحهَا فَقَالُوا لَهُ لَا يظنّ سيدنَا أَن أَخذهَا يكون بِأَن تحمل الْمُسلمُونَ عَلَيْهَا دفْعَة وَاحِدَة حَتَّى يقتحموها مثلا فَإِن ذَلِك لَا يجدي شَيْئا وَلَا يحصلون إِلَّا على الْقَتْل كَمَا وَقع فِي أَيَّام السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه السَّعْدِيّ وَإِنَّمَا يتَوَصَّل إِلَى فتحهَا بالحصار

ص: 35

والمطاولة برا وبحرا فَعمل على ذَلِك بعد أَن كرهه أَولا وَلما عزم على النهوض إِلَيْهَا جمع جَيْشًا كثيفا من قبائل مراكش والحوز والسوس وَغير ذَلِك

زعم لويز أَنه اجْتمع لَهُ من الْمُقَاتلَة نَحْو سبعين ألفا ويظن أَن هَذَا من مبالغته على عَادَته فِي ذَلِك وَكَانَ نُزُوله على الجديدة فِي رَابِع مارس العجمي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَألف مسيحية وَفِي تواريخ الْإِسْلَام أَن نُزُوله عَلَيْهَا كَانَ فِي فاتح رَمَضَان من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف عَرَبِيَّة وَلما نزل عَلَيْهَا أَمر بِحَفر الأساس لاتخاذ أشبار من جَمِيع جهاتها وَنصب عَلَيْهَا خَمْسَة وَثَلَاثِينَ مدفعا بَين كَبِير وصغير وَرمى عَلَيْهَا كورا وبنبا كثيرا فِي أَيَّام مُتعَدِّدَة سقط مِنْهُ داخلها أَكثر من أَلفَيْنِ وهدمت كثيرا من أبنيتها وَقتلت عددا وافرا من أَهلهَا وَكَانَ من جملَة أَهلهَا رجل عسكري قد أناف على السّبْعين سنة وَعجز عَن حُضُور الْقِتَال وَله زَوْجَة وَأَوْلَاد فَلَمَّا رأى تساقط البنب مثل الْمَطَر طلب النجَاة لنَفسِهِ وَعِيَاله ففر إِلَى هري هُنَالك كَانَ فَوْقه خَزَائِن قَمح فاختفى تَحْتَهُ واختفى مَعَه أنَاس آخَرُونَ وظنوا أَن البنبة لَا تنفذ فِي خزين الْقَمْح وتخرق السّقف الَّذِي تَحْتَهُ وَتصل إِلَى الهري الَّذِي هم بِهِ فَقضى الله تَعَالَى بِأَن سَقَطت بِهِ بنبة تجاوزت الْقَمْح والسقف وَسَقَطت على الشَّيْخ فَقتلته وَمن مَعَه وَكَانُوا تِسْعَة أنفس وانجرح آخَرُونَ

وَلما طَال الْحصار على أهل الجديدة كتبُوا إِلَى طاغيتهم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بِالْخرُوجِ إِن عجزوا عَن المدافعة وَكَانَت هَذِه الْمُكَاتبَة من غير علم من الْعَامَّة وبينما هم كَذَلِك إِذْ ورد عَلَيْهِم مركب من أشبونة ظنوه مدَدا لَهُم فَإِذا بِهِ قد أَتَى بِكِتَاب الطاغية يَأْمُرهُم بِالْخرُوجِ ويتحملوا بأولادهم وعيالهم فِي مراكبه ويدفعوا الْبَلَد للْمُسلمين وَلما علم الْعَامَّة بذلك امْتَنعُوا وحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَسبوا الْكتاب وَمن أرْسلهُ وَقَالُوا لَا نخرج مِنْهَا حَتَّى نهلك عَن أخرنا إِذْ هِيَ مأثرة أجدادنا عجنت طينتها بدمائهم وفنيت عَلَيْهَا

ص: 36

نفوس أكابرهم وأشرافهم ثمَّ توَسط بَين عامتهم وَكَبِيرهمْ القسيسون وسهلوا عَلَيْهِم الْأَمر حَتَّى انقادوا وَبعث كَبِيرهمْ إِلَى السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله يطْلب مِنْهُ أَن يكف عَن الْقِتَال ويؤجله ثَلَاثَة أَيَّام ليدفع لَهُ الْبَلَد فَأَجَابَهُ السُّلْطَان إِلَى ذَلِك وَاشْترط عَلَيْهِ أَن لَا يخرجُوا إِلَّا فِي ثِيَابهمْ الَّتِي على ظُهُورهمْ وَلَا يحملوا مَعَهم شَيْئا غَيرهَا فامتثلوا

قَالَ لويز حَتَّى أَن عسكريا مِنْهُم حمل مَعَه كسْوَة أُخْرَى لم تسمح بهَا نَفسه فرآها كَبِيرهمْ وَهُوَ يُرِيد أَن يصعد إِلَى الْمركب فانتزعها مِنْهُ وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْر وَلما أيسوا من حمل شَيْء مَعَهم أحرقوا الأثاث والفراش وعرقبوا الْخَيل وَقتلُوا الْمَاشِيَة وكسروا الْأَوَانِي وَالْعدة وفلسوا أَكثر من مائَة مدفع وَآخر الْأَمر أَنهم دفنُوا مينات البارود فِي حوماتها كل مينا فِيهَا أَكثر من أَرْبَعِينَ برميلا وَتركُوا رجلا حدادا اسْمه بطروس فَيُقَال إِنَّه الَّذِي أوقد المينا عِنْد دُخُول الْمُسلمين إِلَيْهَا فَهَلَك فِيهَا نَحْو خَمْسَة آلَاف وتهدم السُّور الجنوبي مِنْهَا

وَلما وصلوا إِلَى أشبونة أسكنهم طاغيتهم ببلدة يُقَال لَهَا بلين فَأَصَابَهُمْ الوخم وَهلك مِنْهُم أَكثر من ثَلَاثمِائَة نفس ثمَّ انتقلوا إِلَى بِلَاد البرازيل فبنوا هُنَالك مَدِينَة سَموهَا مازكان الثَّانِيَة باسم الجديدة هَذَا ملخص مَا ذكره لويز وَمن خطّ الْفَقِيه الْعَلامَة أبي الْعَبَّاس أَحْمد السدراتي أَن فتح الجديدة كَانَ صَبِيحَة يَوْم السبت الثَّانِي من ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم الثَّامِن وَالْعِشْرين من فبراير العجمي وَهُوَ ثَالِث أَيَّام الحسوم اه وَكَانَ مِمَّن شهد هَذَا الْفَتْح الْمعلم الْحَاج سُلَيْمَان التركي الْمجِيد فِي صناعَة الرَّمْي بالمهراس فأبدأ وَأعَاد وحضرها أَيْضا جمَاعَة من فنانشة سلا فأبلوا بلَاء حسنا وعمرها السُّلْطَان بِأَهْل دكالة إِذْ هِيَ فِي وسط أَرضهم وأضاف إِلَيْهِم حِصَّة من عَسْكَر اليكشارية وَأَعْقَابهمْ بهَا لهَذَا الْعَهْد وَالله أعلم

ص: 37

‌سعي السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فِي فكاك أسرى الْمُسلمين وَمَا يسر الله على يَدَيْهِ من ذَلِك

قد تقدم أَن السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله كَانَ قد بعث خاليه عمَارَة بن مُوسَى وَمُحَمّد بن نَاصِر الوديين وكاتبه أَبَا الْعَبَّاس الغزال إِلَى طاغية الإصبنيول وَأَن الغزال قد أحكم الصُّلْح وَقضى الْغَرَض على مَا يَنْبَغِي وَفِي تِلْكَ السفرة وَقع التفادي بَين السُّلْطَان والطاغية فِي الأسرى الَّتِي كَانَت بَينهمَا حَسْبَمَا مر

فَلَمَّا كَانَت هَذِه السّنة الَّتِي هِيَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف كتب طاغية الإصبنيول إِلَى السُّلْطَان يَقُول إِنَّه لم يبْق ببلادي أحد من أسرى إيالتكم وَلم يبْق عِنْدِي إِلَّا أسرى أهل الجزائر الَّذين عِنْدهم أسرانا وَطلب مِنْهُ مَعَ ذَلِك أَن يتوسط لَهُ عِنْد صَاحب الجزائر فِي المفاداة بَينه وَبَينه وَكَانَت أسرى الإصبنيول تزيد على أسرى الجزائر بِكَثِير وَطلب أَن تكون هَذِه المفاداة على يَدَيْهِ أَعنِي على يَد السُّلْطَان رحمه الله الرئيس بالرئيس والبلوط بالبلوط واليكانجي باليكانجي والبحري بالبحري والجندي بالجندي وَمن فضلت عِنْده فضلَة فالبحيري بِخَمْسِمِائَة ريال والرئيس بِأَلف فأسعفه السُّلْطَان فِي طلبه وانتدب للسعي فِي إنقاذ الْمُسلمين من أَيدي الْكفَّار ابْتِغَاء مرضاة الله ورجاء ثَوَابه وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب إِلَيْهِ مَعَ الغزال وصاحبيه فِيمَن تَحت أَيْديهم من سَائِر أسرى الْمُسلمين فبعثوا إِلَيْهِ بِأَهْل الْمغرب فَقَط وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّهُم حبسوا أسرى الجزائر ليفكوا بهم أَسْرَاهُم

وَلما كَاتب السُّلْطَان أهل الجزائر وَعرض عَلَيْهِم مَا طلبه طاغية الإصبنيول امْتَنعُوا من الْفِدَاء فَكتب السُّلْطَان إِلَى باي الجزائر ثَانِيًا فَامْتنعَ ثمَّ

ص: 38

أعَاد إِلَيْهِم الْكِتَابَة ثَالِثا وحضهم على فكاك أسرى الْمُسلمين ووعظهم وخوفهم عِقَاب الله ورغبهم فِي ثَوَابه فأذعنوا وامتثلوا وطلبوا مِنْهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِم رجلا من خاصته يقف على المفاداة بِنَفسِهِ ويدفعون إِلَيْهِ أَسْرَاهُم فِي يَده ويتسلم مثل عَددهمْ من إخْوَانهمْ فَلَمَّا ورد على السُّلْطَان كتاب أهل الجزائر بالامتثال كتب إِلَى الطاغية يَأْمُرهُ أَن يبْعَث بِمَا عِنْده من أسرى الْمُسلمين فِي مركب إِلَى الجزائر وينتظر هُنَالك الباشدور الَّذِي يوجهه من قبله حَتَّى تكون المفاداة على يَده وَبعث السُّلْطَان لهَذَا الْغَرَض كَاتبه أَبَا الْعَبَّاس الغزال وصاحبيه وَعند وصولهم إِلَى الجزائر أرسى مركب الإصبنيول بِظَاهِر مرْسَاها وَأنزل من أسرى الْمُسلمين ألفا وسِتمِائَة ونيفا فَأخْرج أهل الجزائر من أسرى النَّصَارَى مثلهم ألفا وسِتمِائَة ونيفا أَيْضا وَبقيت عِنْدهم من أسرى النَّصَارَى فَضله ففداها الإصبنيول بِالْمَالِ وانفصلوا وَرجع الباشدور وَمن مَعَه إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان وَكتب الله أجر ذَلِك فِي صَحِيفَته

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان قبائل تادلا لإفسادهم ومحاربة بَعضهم بَعْضًا فنهب أَمْوَالهم وشردهم فِي كل وَجه وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد صَالح بن الرضي الورديغي فاستصفى أَمْوَالهم وأفقرهم حَتَّى لم يقدروا على الِانْتِقَال من مَحل إِلَى آخر من قلَّة الظّهْر

ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان برابرة جروان لما ظهر مِنْهُم من الْفساد وإغرائهم ابْنه الْمولى يزِيد بالانتزاء على الْملك واجتماعهم على مُحَمَّد وناصر الْمَعْرُوف بمهاوش رَأس الْفِتْنَة وتباريهم فِي خدمته فَقدم من مراكش وطرقهم وَادي كريكرة فأوقع بهم وَنهب أَمْوَالهم وَقتل مِنْهُم نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس بمكناسة وفاس ثمَّ نقلهم إِلَى بسيط آزغار وأنزلهم وسط الْعَرَب فانحسمت مَادَّة فسادهم

ص: 39

‌حِصَار السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله مَدِينَة مليلية من ثغور الإصبنيول

لما كَانَت أَوَاخِر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف غزا السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله مَدِينَة مليلية وفيهَا نَصَارَى الإصبنيول فأحاطت عساكره بهَا وَنصب عَلَيْهَا المدافع والمهاريس وَشرع فِي رميها أول يَوْم من الْمحرم سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَألف وَاسْتمرّ على ذَلِك أَيَّامًا فَكتب إِلَيْهِ طاغية الإصبنيول يعاتبه على حصارها ويذكره المهادنة وَالصُّلْح الَّذِي انْعَقَد بَينه وَبَينه وَيَقُول لَهُ هَذَا خطّ كاتبك الغزال الَّذِي كَانَ وَاسِطَة بيني وَبَيْنك فِي عقد الصُّلْح لَا زَالَ تَحت يَدي فَأَجَابَهُ السُّلْطَان رحمه الله بِأَن قَالَ إِنَّمَا عقدت مَعَك المهادنة فِي الْبَحْر فَأَما المدن الَّتِي فِي إيالتنا فَلَا مهادنة فِيهَا وَلَو كَانَت فِيهَا مهادنة لخرجتم إِلَيْنَا ودخلنا إِلَيْكُم فَكيف ادِّعَاء المهادنة مَعَ هَذِه المداهنة فَبعث إِلَيْهِ الطاغية عقد الصُّلْح بِعَيْنِه فَإِذا هُوَ عَام فِي الْبر وَالْبَحْر فَكف عَن حربها وَأَفْرج عَنْهَا وَترك هُنَالك جَمِيع آلَات الْحَرْب من مدافع ومهاريس وكراريص وبنب وكور وبارود وَشرط على الطاغية حملهَا فِي الْبَحْر وردهَا إِلَى الثغور الَّتِي جلبت مِنْهَا لما فِي جرها فِي الْبر من الْمَشَقَّة على الْمُسلمين فأنعم بذلك وَبعث مراكبه فَحملت بَعْضهَا إِلَى تطاوين وَبَعضهَا إِلَى الصويرة وَذَلِكَ محلهَا الَّذِي سيقت مِنْهُ وَكَانَ ذَلِك سَبَب تَأْخِيره الغزال عَن كِتَابَته وَبَقِي عاطلا إِلَى أَن كف بَصَره وَمَات رحمه الله

وَسمعت من بعض فُقَهَاء الْعَصْر وَقد جرت المذاكرة فِي كَيْفيَّة هَذَا الصُّلْح فَقَالَ إِن الغزال رحمه الله لما أعْطى خطّ يَده بِالصُّلْحِ والمهادنة كتب فِي الصَّك مَا صورته وَإِن المهادنة بَيْننَا وَبَيْنكُم بحرا لَا برا فَلَمَّا حَاز النَّصَارَى خطّ يَده كشطوا لَام الْألف وَجعلُوا مكنانها واوا فَصَارَ الْكَلَام هَكَذَا بحرا وَبرا وَأَن السُّلْطَان رحمه الله إِنَّمَا أَخّرهُ لاختصاره الْكَلَام وإجحافه بِهِ حَتَّى سهل على النَّصَارَى تحريفه وَكَانَ من حَقه أَن يَأْتِي بِعِبَارَة مُطَوَّلَة مفصلة

ص: 40

السَّلَام البوعناني فولاه خطة الْحِسْبَة بتلمسان وَبعث من الكسي والرايات والأعلام والمدافع والمهاريس والبارود والرصاص شَيْئا كثيرا لَكِن لم يكن إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله تَعَالَى فافترقت كلمة الْعَرَب الَّذين هُنَالك لضعف إِيمَانهم وَقلة همتهم فجلهم مَال إِلَى الدُّخُول فِي حزب النَّصَارَى عِنْدَمَا استولوا على مَدِينَة وهران فِي هَذِه الْأَيَّام ثمَّ سرى ذَلِك الِاخْتِلَاف فِي قواد جَيش السُّلْطَان فتنافسوا وتحاسدوا وَكثر القيل والقال مِنْهُم على السُّلْطَان ثمَّ ختموا عَمَلهم بانتهاب أثاث الكرغلية وتقاعدهم عَلَيْهِ ثمَّ بانتهاب مَال الزمالة والدوائر وماشيتهم فِي جوَار الشريف سَيِّدي الْحَاج الْعَرَبِيّ بن عَليّ الوزاني وَفَسَد الْعَمَل وخاب الأمل فَحِينَئِذٍ رأى السُّلْطَان رحمه الله استرجاع تِلْكَ الجيوش الَّتِي لم يبْق طمع فِي صَلَاحهَا بعد أَن أَمر بِالْقَبْضِ على الْقَائِد إِدْرِيس لكَونه سعى بِهِ عِنْده وَأَنه شَارك فِي نهب الكرغلية والزمالة والدوائر وتقاعد على النفيس من أثاثهم فَرَجَعت الْحلَّة وَكَانَ رُجُوعهَا فِي آخر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي هَذِه السّنة منتصف جُمَادَى الثَّانِيَة مِنْهَا حدثت زَلْزَلَة بقرية من قرى تلمسان تسمى البليدة فَجعلت عاليها سافلها وَهلك أَهلهَا وَالْأَمر لله كَيفَ شَاءَ فعل

‌خُرُوج جَيش الودايا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ خُرُوج جَيش الودايا على السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن رحمه الله فِي الْمحرم فاتح سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الطَّاهِر بن مَسْعُود المغفري الحساني والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر الغفري الْعقيلِيّ والحاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ الجراري كَانُوا من كبار قواد هَذَا الْجَيْش وأعيانه وَكَانَ السُّلْطَان رحمه الله يَبْعَثهُم فِي الْمُهِمَّات ويستكفي بهم فِي الأقطار النائية والجهات وَكَانُوا هم يظهرون للسُّلْطَان الطَّاعَة وهم فِي الْبَاطِن منحرفون عَنهُ بِسَبَب أَن الدَّالَّة الَّتِي كَانُوا يدلون بهَا على السُّلْطَان الْمولى

ص: 32

سُلَيْمَان رحمه الله انْقَطَعت عَنْهُم مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الرَّحْمَن وزالت من أَيْديهم فَكَانُوا يمرضون فِي الطَّاعَة بعض الأحيان وَالسُّلْطَان يطويهم على غرهم ويلبسهم على عرهم إِلَى أَن كَانَ الْبَعْث إِلَى تلمسان فوجههم إِلَيْهِ فِيمَن وَجه من أَعْيَان الْجَيْش ورؤسائه فَكَانَت قوارصهم لَا تَنْقَطِع عَن الدولة وشغبهم لَا يفتر من التطاول والصولة ثمَّ كَانَ نهب الزمالة والدوائر فأبدؤوا فِي ذَلِك وأعادوا وشايعهم على فعلهم الْقَائِد أَحْمد بن المحجوب البُخَارِيّ وأظهروا عدم المبالاة بالسلطان وخليفته وعامله وَكَانَت بَينهم وَبَين الْقَائِد إِدْرِيس الجراري مُنَافَسَة باطنية فخاف من الِاعْتِرَاض عَلَيْهِم فِيمَا ارتكبوه من النهب أَن يسدوا بِرَأْسِهِ هَذَا الْخرق فأسعفهم وانتهب مَعَهم وَكَانَ مَا قدمْنَاهُ من استرجاع السُّلْطَان لذَلِك الْجَيْش وَبعث من قبض على الْقَائِد إِدْرِيس بوجدة وَجِيء بِهِ إِلَى تازا فسجن بهَا وَلما وصل جَيش تلمسان إِلَى عنق الْجمل قرب فاس خرج إِلَيْهِم الْقَائِد الطّيب الوديني البُخَارِيّ وَكَانَ واليا على فاس فَقيل أَرَادَ أَن يقبض عَلَيْهِم بِإِذن من السُّلْطَان وَقيل أَرَادَ أَن يحوز مِنْهُم أرحلهم وحقائبهم الَّتِي ملؤوها من النهب وَكَانَ الودايا وَالْعَبِيد لما فعلوا فعلتهم تحالفوا وتعاهدوا على أَن يَكُونُوا يدا وَاحِدًا على من أَرَادَهُم بِسوء كَائِنا من كَانَ فَلَمَّا خرج إِلَيْهِم الطّيب الوديني تجهموه وهموا بِهِ فَرجع أدراجه وأنهى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأغضى عَنْهُم ثمَّ بعد أَيَّام عزم السُّلْطَان على الْقَبْض على الْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر الْعقيلِيّ فأحس هُوَ بذلك فَذهب إِلَى الطَّاهِر بن مَسْعُود وتطارح عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ إِنِّي مَقْبُوض لَا محَالة فَإِن ولاك السُّلْطَان من أَمْرِي شَيْئا فَأحْسن وَلَا تؤاخذني بِمَا كَانَ مني إِلَيْك وَقد كَانَ الطَّاهِر بن مَسْعُود قبل هَذِه الْمدَّة عَاملا بتارودانت فَعَزله السُّلْطَان بِابْن الطَّاهِر فأساء إِلَيْهِ فَلهَذَا قَالَ لَهُ مَا قَالَ فَقَالَ الطَّاهِر بن مَسْعُود وَأَنت مَقْبُوض قَالَ نعم قَالَ عَليّ وَعلي لَا جرى عَلَيْك أَمر تكرههُ مَا دمت حَيا ثمَّ إِن السُّلْطَان أحضر الْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر وَأحمد بن المحجوب فقرعهما وَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا فَقبض أعوان الودايا على أخيهم وَقبض أعوان العبيد على أخيهم وَخَرجُوا بهما إِلَى السجْن مَعَ الْعشي وَكَانَ الطَّاهِر بن مَسْعُود قد

ص: 33

ترصد بِبَاب دَار السُّلْطَان للْحَاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر ليفتكه وَصَاحبه فَلَمَّا خرجا قَامَ الطَّاهِر بن مَسْعُود إِلَى الأعوان فراودهم على إِطْلَاق المسجونين فَأَبَوا وَقَالُوا إنَّهُمَا مسجونان عَن أَمر السُّلْطَان فتصامم عَن ذَلِك واستل خنجره وَضرب إِدْرِيس البواب الوديي على ترقوته فخدشه وانتزع مِنْهُ المسجون وَتقدم لافتكاك أَحْمد بن المحجوب فَأبى وانتهره وَقَالَ لَا أُخَالِف أَمر السُّلْطَان وَكَانَ الودايا يظنون قيام العبيد مَعَهم لحلفهم السَّابِق فخذل الله فِيمَا بَينهم ثمَّ أسْرع الطَّاهِر وَابْن الطَّاهِر إِلَى فرسيهما فركباهما ونجوا إِلَى نَاحيَة دَار الدبيبغ وثارت المغافرة بِبَاب دَار السُّلْطَان وحملوا السِّلَاح وأخرجوا البارود والرصاص وَقَامَت شيعَة السُّلْطَان لمدافعتهم فكثرهم الودايا وهزموهم حَتَّى أغلقوا عَلَيْهِم بَاب المشور وَسَأَلَ السُّلْطَان عَن الهيعة فَأعْلم بالْخبر وَكَانَ مَعَه الْحسن بن حمو واعزيز فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا إِن هَؤُلَاءِ مَا جسروا على هَذَا الْفِعْل ببابك حَتَّى عزموا على مَا هُوَ أَكثر فَدَعَا السُّلْطَان بفرسه وَركبهُ مَعَ الْغُرُوب وَخرج من بَاب البجاة وَمَعَهُ ابْن واعزيز وَبَعض أَصْحَابه خيلا ورجلا وَلما علم الودايا بِخُرُوج السُّلْطَان ركبُوا بقضهم وقضيضهم من فاس الْجَدِيد وَمن قَصَبَة شراقة فأدركوا السُّلْطَان عِنْد قنطرة عياد فنزلوا إِلَى الأَرْض يقبلُونَ حوافر فرسه ويتشفعون لَهُ ويتبرؤون من فعل أُولَئِكَ السُّفَهَاء وَكَانَ الْحَال إِذْ ذَاك حَال مطر خَفِيف وَالشَّمْس قد غربت أَو كَادَت تغرب فساعدهم رحمه الله على الرُّجُوع وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْحَاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ بِأَن يذهب مَعَه إِلَى قَصَبَة شراقة وَكَانَت يَوْمئِذٍ لأهل السوس فَذهب مَعَه إِلَى دَاره من غير أَن يطمئن إِلَيْهِ وَلَكِن ذَلِك الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَال فِي تِلْكَ السَّاعَة وَلما اسْتَقر بدار ابْن فَرِحُونَ اجْتمع عَلَيْهِ المغافرة والودايا وَأهل السوس وأساء عَلَيْهِ المغافرة الْأَدَب بل عزموا على الفتك بِهِ وَلَكِن الله تَعَالَى وَقَاه شرهم فاختلفت كلمتهم وتذامر أهل السوس فِيمَا بَينهم وَقَالُوا لَا يبيتن السُّلْطَان اللَّيْلَة إِلَّا بداره واستنهضوه فَنَهَضَ رحمه الله وَركب فرسه وصحبوه إِلَى دَاره فِي ذَلِك اللَّيْل فاستقر بهَا وَبعد ذَلِك بأيام انْتقل السُّلْطَان إِلَى بُسْتَان أبي الْجُلُود خَارج فاس الْجَدِيد على حِين غَفلَة من الودايا وانحاز

ص: 34

شيعَة السُّلْطَان إِلَيْهِ من العبيد وَغَيرهم وَنزل جلهم بفاس الْقَدِيم وَبَقِي الودايا وحدهم بفاس الْجَدِيد ثمَّ استدعى السُّلْطَان عبيد مكناسة فقدموا عَلَيْهِ وَلما علم الودايا بعزم السُّلْطَان على الْخُرُوج من بَين أظهرهم ساءهم ذَلِك وَعَلمُوا أَنه إِن خرج من بَين أظهرهم لَا يتركهم حَتَّى يُوقع بهم فراودوه على الْمقَام وتنصلوا وأظهروا التَّوْبَة وَتقدم سفهاؤهم إِلَى العبيد فأنشبوا مَعَهم الْحَرْب وَهلك من الْفَرِيقَيْنِ عدد ثمَّ تدارك السُّلْطَان أَمرهم وتلطف وَطيب أنفسهم وَأجْمع على الْخُرُوج إِلَى مكناسة فَخرج بثقله وأثاثه وأمواله وسلك طَرِيق قبقب وَعقبَة المساجين كَأَنَّهُ يُرِيد بِلَاد الغرب وَخرج لتشييعه جمَاعَة وافرة من أَعْيَان الودايا ثمَّ أَنهم ندموا ونكسوا على رؤوسهم وَرُبمَا سمعُوا من العبيد بعض كَلَام فحميت أنوفهم وتحزبوا وأوقعوا بالعبيد فَانْهَزَمُوا عَن السُّلْطَان وانتهب الودايا خيرته وأثاثه وَقَامَ عقالهم دون الْعِيَال حَتَّى ردُّوهُ إِلَى الدَّار مَحْفُوظًا مصونا وَلم يَفْعَلُوا أحسن مِنْهَا وَأما المَال والأثاث فقد أَتَى عَلَيْهِ النهب وَكَانَ شَيْئا كثيرا وَتقدم السُّلْطَان رحمه الله لطيته وَتَبعهُ سَفِيه من سُفَهَاء الودايا كَانَ أَرَادَ الفتك فِيهِ فحماه الله مِنْهُ وَوصل السُّلْطَان رحمه الله إِلَى مكناسة فاستقر بهَا واتصل خبر هَذِه الْفِتْنَة بالقائد إِدْرِيس بن حمان الجراري وَهُوَ مسجون بتازا فاحتال على سراح نَفسه بِأَن افتعل كتابا على لِسَان السُّلْطَان وَبعث بِهِ إِلَى عَامل تازا فسرحه وَكَانَ السُّلْطَان رحمه الله قد بعث إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس الْمَذْكُور وَهُوَ بتلمسان أَربع وَرَقَات مَخْتُومًا عَلَيْهَا بالخاتم السلطاني الْكَبِير وَأمره السُّلْطَان رحمه الله أَن يحْتَفظ بِتِلْكَ الورقات وَلَا يسْتَعْمل وَاحِدَة مِنْهُنَّ إِلَّا فِي أهم الْمُهِمَّات مِمَّا يتَوَقَّف عَلَيْهِ غَرَض السُّلْطَان والدولة وَلَا تمكن مشاورته فِيهِ لبعد الْمسَافَة بَين فاس وتلمسان فَعمد الْقَائِد إِدْرِيس إِلَى وَاحِدَة من تِلْكَ الورقات فَكتب فِيهَا بتسريحه فسرح وَجَاء يجد السّير إِلَى فاس وبنفس وُصُوله كتب إِلَى السُّلْطَان يُعلمهُ بِمَا صنع وَأَنه لَا زَالَ على مَا يعْهَد مَوْلَانَا من بذل النصح وَالسَّعْي فِي صَلَاح السُّلْطَان والجيش فَأَجَابَهُ السُّلْطَان رحمه الله بِمَا نَصه

وَبعد فقد وصلنا كتابك وعرفنا مَا فِيهِ وَالْحَمْد لله على سلامتك وَمَا

ص: 35

وجهنا لَك إِلَّا بِقصد أَن نسرحك لأننا تحققنا أَنَّك كنت مَغْلُوبًا عَلَيْك فَلَا عُهْدَة عَلَيْك بل من تَمام عقلك مساعدتك لمن نهب وَلَو منعتهم من ذَلِك لتفاقم الْأَمر هُنَالك وَأَنت عَلَيْك الْأمان ظَاهرا وَبَاطنا فِي الْحَال والاستقبال فَلَا تخش من شَيْء أبدا فَإنَّك مِمَّن نتهمه بِالدّينِ وَالْعقل والصدق وَقد عَايَنت وَسمعت مَا صدر من إِخْوَاننَا من النزعة الشيطانية وَلَا يَنْبَغِي أَن نقابلهم بِمثل مَا قابلنا بِهِ من لاعقل لَهُ مِنْهُم وَإِن قابلناهم بِهِ لَا نَلْتَقِي أبدا وَأَنت اسع فِي الْخَيْر وَالصَّلَاح مَا أمكنك وَتحمل لَهُم عَنَّا بالأمن من كل مَا يخافونه من جانبنا فجسارتهم أولى من صَلَاح الْقَبَائِل فقف على سَاق الْجد لِأَن يهدي الله بك رجلا وَاحِدًا خير مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وَالسَّلَام فِي السَّابِع عشر من الْمحرم فاتح عَام سَبْعَة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف انْتهى لفظ الْكتاب الشريف

ثمَّ إِن الْقَائِد إِدْرِيس أحسن الْقيام على عِيَال السُّلْطَان الَّذين بقوا بفاس الْجَدِيد وَكَانَ فيهم حظيته المولاة فَاطِمَة بنت الْمولى سُلَيْمَان وَتقدم الْقَائِد إِدْرِيس إِلَى أَمِين الصائر من قبل وَقَالَ لَهُ مَا كنت تدفع إِلَى دَار السُّلْطَان كل يَوْم من دَقِيق وَلحم وإدام وَغير ذَلِك فَاكْتُبْ لي بِقَدرِهِ وَابعث إِلَى بِهِ فأحصاه الْأمين الْمَذْكُور وَبعث إِلَيْهِ بِهِ فَصَارَ يبْعَث بذلك الْقدر إِلَى دَار السُّلْطَان كل يَوْم وَانْقطع المَاء ذَات يَوْم عَن دَار السُّلْطَان فَكَانَ الْقَائِد إِدْرِيس يحمل قرب المَاء إِلَيْهَا كل يَوْم وَأصْلح القنوات وجد فِي ذَلِك حَتَّى رَجَعَ المَاء إِلَى مجْرَاه ثمَّ إِن السُّلْطَان رحمه الله اسْتنْفرَ قبائل الغرب كلهَا حوزا وغربا وثغورا فقدموا مكناسة على بكرَة أَبِيهِم وَسمع الودايا بذلك فاستدعوا الشريف سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب من بعض الْأَعْمَال والتفوا عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ فَحِينَئِذٍ تبرأت مِنْهُم الْقَبَائِل الَّتِي كَانَت تعدهم بِالْقيامِ مَعَهم من مجاوريهم لِأَن سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب كَانَت قبائل الْمغرب قد تناذرته مُنْذُ أَيَّام ولَايَته على تامسنا ودكالة وَفعله بِأَهْلِهَا الأفاعيل فَكَانَ مبغضا عِنْد الْعَامَّة وزحف السُّلْطَان إِلَى فاس الْجَدِيد فَحَاصَرَهُمْ بهَا وَنصب عَلَيْهِم المدافع والمهاريس وتعاقب عَلَيْهِم الرَّمْي بهَا من محلّة السُّلْطَان بِعَين قادوس وَمن بستيون أبي الْجُلُود وبستيون

ص: 36

بَاب الجيسة وبستيون بَاب الْفتُوح ودام الْحصار أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَالْحَرب لَا تَنْقَطِع فِي كل وَقت وَكَانَ الودايا يرْمونَ أَيْضا بالكور والبنب وابلى بنوحسن فِي تِلْكَ الْأَيَّام الْبلَاء الْحسن ثمَّ إِن السُّلْطَان عزم على الْبناء عَلَيْهِم وجلب اللواحين فشرعوا فِي الْعَمَل وسئم الودايا الْحَرْب وملوها فأذعنوا إِلَى الصُّلْح وسعى فِي الوساطة بَينهم وَبَين السُّلْطَان الْأمين الْحَاج الطَّالِب ابْن جلون الفاسي فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان على شَرط الْخُرُوج من فاس الْجَدِيد فأذعنوا ثمَّ بعثوا شفاعاتهم بالمشايخ وَالصبيان والألواح على رؤوسها وَمَعَهُمْ سلطانهم ابْن الطّيب فسامح رحمه الله الْجَمِيع وَقَالَ لَهُم فِي جملَة مَا قَالَ الْحَمد لله إِذْ لم أغلبكم وَلم تغلبوني لِأَنِّي لَو غلبتكم لذبحت هَذِه الجيوش أَوْلَادكُم وَلم أقدر أَن أردهَا عَنْكُم وَلَو غلبتموني لفعلتم كل مَا تقدرون عَلَيْهِ فَهَذَا من لطف الله بِي وبكم

قلت وَهَذَا كَلَام دَال على وفور عقل السُّلْطَان رحمه الله وَكَمَال شفقته وَرَحمته ثمَّ لما عزم السُّلْطَان على النهوض إِلَى مكناسة ولى على جَيش الودايا كُله الْقَائِد إِدْرِيس بن حمان الجراري وَذَلِكَ فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف ثمَّ نَهَضَ إِلَى مكناسة فاحتل بهَا وَلما حضر عيد الْفطر قدمت الْوُفُود على السُّلْطَان بمكناسة واستقامت الْأَحْوَال وَكتب رحمه الله إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس أَن يحضر الْعِيد فِي جمَاعَة وافرة من إخوانه نَحْو الْخَمْسمِائَةِ فَحَضَرُوا ودخلوا على السُّلْطَان ذَات عَشِيَّة بالمشور فوبخهم حَتَّى ظن النَّاس أَنه يقبض عَلَيْهِم ثمَّ سرحهم فعادوا إِلَى فاس الْجَدِيد وَلما عزم السُّلْطَان رحمه الله على النهوض إِلَى مراكش قدم أَولا فاسا وَنزل خَارج الْبَلَد وَنظر فِي شَأْنه وشأن الْجَيْش والرعية ثمَّ ارتحل يُرِيد مراكش فَلَمَّا انْفَصل عَن فاس بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ كتب إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالطاهر بن مَسْعُود والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر يذهبان مَعَه إِلَى مراكش بِقصد الْخدمَة بهَا مَعَ وَلَده وخليفته سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فذهبا على فرسيهما مسرحين إِلَّا أَنَّهُمَا كَانَا حذرين من السُّلْطَان لما قدما من الْفِعْل الشنيع الَّذِي كَانَ سَبَب هَذِه الْفِتْنَة الْعَظِيمَة فَقدما مراكش وترتبا فِي

ص: 37

الْخدمَة مَعَ الْخَلِيفَة الْمَذْكُور وانسلخت هَذِه السّنة وفيهَا عزل السُّلْطَان وزيره الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس وامتحنه وَبَقِي عاطلا مُدَّة ثمَّ رده إِلَى خطته وَكَانَ السُّلْطَان فِي مُدَّة تَأْخِيره إِيَّاه قد استوزر مَكَانَهُ الْفَقِيه الْعَلامَة الأديب السَّيِّد الْمُخْتَار بن عبد الْملك الجامعي فَقَامَ بأعباء الخطة وبرز فِيهَا رحمه الله وفيهَا بنى السُّلْطَان رحمه الله المارستان الْكَبِير على ضريح ولي الله تَعَالَى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَاشر بسلا وَكَانَ على ضريح الْوَلِيّ الْمَذْكُور الْقبَّة وَالْمَسْجِد فَقَط فأدار السُّلْطَان رحمه الله على ذَلِك كُله مارستانا كَبِيرا وَبنى بِهِ مَسْجِدا آخر وبيوتا للمرضى تنيف على الْعشْرين وأجرى إِلَيْهِ المَاء وَجعل ميضأة بِإِزَاءِ الْمَسْجِد للرِّجَال وَأُخْرَى شرقيها للنِّسَاء فجَاء ذَلِك من أحسن الْأَعْمَال وَكتب الله أجره فِي صحيفَة السُّلْطَان

ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف فَفِي صفر مِنْهَا ورد على الْقَائِد إِدْرِيس كتاب من عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ لَا زَالَ برباط الْفَتْح يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالحاج مُحَمَّد بن فَرِحُونَ الجراري فوصل إِلَيْهِ مسرحا فَقبض عَلَيْهِ وَبَعثه إِلَى الصويرة وبإثر ذَلِك ورد على السُّلْطَان كتاب من عِنْد وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد يُعلمهُ بِأَنَّهُ قبض على الطَّاهِر بن مَسْعُود والحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر لِكَوْنِهِمَا لم يقلعا عَن ضلالهما وشيطنتهما حَتَّى أَنَّهُمَا عزما على اغتياله بمصلى عيد الْأَضْحَى من السّنة الفارطة فحماه الله مِنْهُمَا وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى مراكش صَار يكْتب إِلَى الْقَائِد إِدْرِيس برؤوس الْفِتْنَة وَالْقَبْض عَلَيْهِم وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن استوفى جلهم وَكَانَ الْقَائِد إِدْرِيس فِي هَذِه الْمدَّة قد أحس بِأَن بَاطِن السُّلْطَان لَا زَالَ متغيرا على الودايا فألح عَلَيْهِ فِي الْبَحْث والاستكشاف عَمَّا هُوَ مضمره لَهُم وَمَا يُرِيد بهم وَمَا الَّذِي يجلب رِضَاهُ عَنْهُم ويصفي بَاطِنه عَلَيْهِم فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان رحمه الله كتابا أفْصح فِيهِ عَن مُرَاده يَقُول فِيهِ بعد الِافْتِتَاح والطابع الشريف بَينه وَبَين الْخطاب مَا نَصه خَالنَا الأرضى الْقَائِد إِدْرِيس الجراري سَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبعد فَاعْلَم بأنك طلبت منا مشافهة وَكِتَابَة أَن نعرب لَك عَن مرادنا

ص: 38

ونطالعك بغاية قصدنا وأمنيتنا فِي الْجَيْش وَمَا يجلب رضانا عَنْهُم وَكُنَّا نجيبك عَن ذَلِك جَوَابا إقناعيا لعدم وثوقنا وقتئذ بِصدق لهجتك وَكَانَ يخيل لنا أَنَّك تباحثنا على جِهَة الِاطِّلَاع على خبيئة أمرنَا والآن اتَّضَح مَا أَنْت عَلَيْهِ من الصدْق ووفور الْمحبَّة وخلوص النِّيَّة حَتَّى صرت بِهِ كَأحد أَوْلَادنَا

(وَلَيْسَ يَصح فِي الأذهان شَيْء

إِذا احْتَاجَ النَّهَار إِلَى دَلِيل)

وَعَلِيهِ فَأَنت أولى من نبثه سرنا وَلَا ندخر عَنهُ شَيْئا من دخيلة أمرنَا فَاعْلَم أرشدك الله أَن من بارزنا بالسوء قولا وفعلا من ذَلِك الْجَيْش هم المغافرة كَافَّة واستوى فِي ذَلِك كَبِيرهمْ وصغيرهم قويهم وضعيفهم وَلم يلف مِنْهُم رجل رشيد وَلَو ساعدهم الودايا وَأهل السوس وخلوا بَينهم وَبَين هواهم لَكَانَ مَا أرادوه من تلف مهجتنا وَلَكِن الله سلم وَلَا يخفى على أحد مَا استوجبوه لذَلِك شرعا وطبعا ولسالف خدمتهم وكظم الغيظ المرغب فِيهِ ارتكبنا فِي جانبهم أخف مَا أوجبه الله تَعَالَى على أمثالهم قَالَ جلّ علاهُ {إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الأَرْض فَسَادًا} الْمَائِدَة 33 الْآيَة وَقد آلَيْت على نَفسِي وأشهدت الله وَمَلَائِكَته أَن لَا يضمني سور فاس الْجَدِيد والمغافرة بِهِ فَهَذَا هُوَ مَحْض الصدْق والآن بَين لنا كَيفَ يكون الْعَمَل فِي ذَلِك وَمَا نقدم وَمَا نؤخر لِأَن المُرَاد قَضَاء الْغَرَض من غير مشقة وَلَا فضيحة للجيش وَهل تفشي هَذَا أَو تكتمه وعَلى تَقْدِير امتثالهم عين لنا أَي مَحل ينتقلون إِلَيْهِ من ثغور إيالتنا كالرباط وَغَيره أَو قَصَبَة مراكش فَإِن النَّفس لم تسمح بهم بِالْكُلِّيَّةِ بل المُرَاد زجرهم وَإِقَامَة بعض حق الله فيهم وَيحصل لنا الاطمئنان والسكينة ونبر قسمنا فالمؤمن لَا يلْدغ من جُحر مرَّتَيْنِ وَمَا ذكرت من أَنا عاهدناك ووعدناك بِالْإِحْسَانِ والتنويه بشأنك فَإِنَّهُ وعد صدق لَا مرية فِيهِ إِن شَاءَ الله وَكَيف وَقد اسْتَوْجَبت منا كل جميل وقدمك لمعالي الْأُمُور عقلك وصدقك وَلَو ألفينا فِي الْجَيْش مثلك لضممنا عَلَيْهِ البراجم والرواجب وَفعلنَا فِي جَانِبه مَا هُوَ الْوَاجِب وَقد اقتصرت حَيْثُ طلبت أَن تكون بِمَنْزِلَة الْقَائِد قدور بن الْخضر عِنْد سَيِّدي الْكَبِير رحمهمَا الله فَأَنت

ص: 39

عندنَا بِمَنْزِلَة أعظم من مَنْزِلَته وَالْيَد الَّتِي اتَّخذت عندنَا أعظم مِمَّا اتخذ هُوَ عِنْد سَيِّدي الْكَبِير قدس الله سره فقد جازاه على الصدْق فَقَط أما أَنْت فقد شاركته فِي هَذِه الْمرتبَة وفقته بِمَا هُوَ أعظم وَهُوَ إحسانك لعيالنا وَأَوْلَادنَا وَلَوْلَا أَنْت لهلكوا جوعا فَلَا يكفر هَذِه الضَّيْعَة إِلَّا لئيم وحاشانا الله من ذَلِك فطب نفسا وقر عينا فلك عندنَا من المكانة والخطوة مالو اطَّلَعت على حَقِيقَته لطربت سُرُورًا ونشاطا وسترى إِذا انجلى الْغُبَار وَلَا زَالَ أهلنا يتذكرون إحسانك إِلَيْهِم بحضرتنا ويلتمسون لَك الدُّعَاء الصَّالح من جانبنا وَفِي الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ أَن أمْرَأَة من بني اسرائيل أَبْصرت كَلْبا يلعق الحمئة من شدَّة الْعَطش فسقته فغفر الله لَهَا فَكيف بِمن أسدى مَعْرُوفا لجَماعَة انْقَطع رجاؤهم إِلَّا من الله وَالله لن يخزيك الله أبدا وَالسَّلَام فِي ثامن عشر رَمَضَان الْمُعظم عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف اه نَص الْكتاب ثمَّ إِن الله تَعَالَى هيأ للسُّلْطَان أمره فِي الودايا وألهمه رشده فيهم فَأمر أَولا بِنَقْل رحى المغافرة إِلَى قَصَبَة الشرادي من أَعمال مراكش وَظن النَّاس أَنه يقْتَصر على ذَلِك لِأَنَّهُ رحمه الله لم يكن يظْهر إِلَّا أَنه يُرِيد نقل المغافرة فَقَط ثمَّ نقل رحى الودايا إِلَى العرائش وأحوازها ثمَّ ردهم إِلَى جبل سلفات ثمَّ بعد ذَلِك بِمدَّة يسيرَة نقل رحى أهل السوس إِلَى رِبَاط الْفَتْح فَأنْزل حلتهم بالمنصورية على شاطىء وَادي النفيفيخ وقوادهم ووجوههم بقصبة رِبَاط الْفَتْح ثمَّ رد الْحلَّة بعد مُضِيّ سِتّ سِنِين إِلَى قَصَبَة تمارة قرب رِبَاط الْفَتْح وَكَانَت متلاشية فَأمر السُّلْطَان بعد سنتَيْن أَو ثَلَاث بترميمها وإصلاحها وَكَانَ رحمه الله قد أسقط هَذَا الْجند الوديي من الجندية وَأعْرض عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ سِنِين ثمَّ استردهم فِي حُدُود السِّتين كَمَا سَيَأْتِي وَلما أخلى السُّلْطَان فاسا الْجَدِيد من جَيش الودايا بأسره وَكَانَ بمراكش بعث بالطاهر بن مَسْعُود وبالحاج مُحَمَّد بن الطَّاهِر فسجنا بِهِ مُدَّة ثمَّ قدمت عريفة الدَّار الْحَاجة زويدة بِكِتَاب من عِنْد السُّلْطَان على وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد بفاس يتَضَمَّن الْأَمر بقتل الطَّاهِر وَابْن الطَّاهِر بِالْمحل الَّذِي افتك فِيهِ الأول الثَّانِي فأخرجا إِلَى الْمحل الْمَذْكُور وَحضر

ص: 40