الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كبر كسبب، والكبر هو: الطبل، فإذا مد الباء تغير المعنى بلا شك فلا يصح، وإذا قال:«الله آكبر» ؛ لا يصح؛ لأنه أدخل الاستفهام على خبر المبتدأ الله هو أكبر، وهذا لا يستقيم، أما إذا نصب الجزأين في «أشهد أن محمدًا رسول الله» ، فإننا وجدنا أن في ذلك لغة عربية، وهذا يقع من كثير من المؤذنين بأن يقول:«أشهد أن محمدًا رسول الله» ، فعلى هذه اللغة يكون الأذان ليس فيه لحن، وهذا هو الذي ينبغي أن يفتى به، نظرًا لأننا لو ألزمنا المؤذنين بأن يضموا كلمة «رسول» لوجدنا كثيرًا منهم يخل بذلك، وما دام له وجه في اللغة العربية فالذي ينبغي أن يفتى بصحته، كذلك لو أبدل الهمزة فقال:«الله أكبر» ، فإن ذلك سائغ لغة فيصح في الأذان، ثم قال:
كيفية الأذان:
175 -
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: «رأيت بلالًا يؤذن وأتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه» . رواه أحمد، والترمذي وصححه.
- ولابن ماجه: «وجعل إصبعية في أذنيه» . ولأبي داود: «لوى عنقه، لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا ولم يستدر» . وأصله في الصحيحين.
أصله في الصحيحين بألفاظ متقاربة، يقول أبو جحيفة:«رأيت بلالًا يؤذن وأتتبع فاه» هذا كان في حجة الوداع فيما يظهر، فرآه يؤذن و «يتتبع فاه» يعني: بالنظر إليه، و «فاه» بمعنى: فمه، وفيها لغتان فصيحتان، فم: بالميم، وعلى هذه اللغة تكون معربة بالحركات، والثاني: بحذف الميم، وعلى هذه اللغة تكون معربة بالحروف، فإذا قلت: هذا فمه، فاللغة صحيحة، وهو معرب بالحركات، وإذا حذفت الميم أعربته بالحروف، فقلت: هذا فوه، أيهما أشهر؟ الأشهر: أن تعرب بالحروف.
«أتتبع فاه هاهنا وهاهنا» ، في رواية الصحيحين:«يلتفت يمينًا وشمالًا» ، وهو أيضًا كذلك في رواية أبي داود، وقوله:«وإصبعاه في أذنيه» الجملة حالية، أي: والحال أن أصبعية في أذنيه، والمراد بالأصبعين هنا: السبابتان، وإنما وضعهما في أذنيه؛ لأنه أرفع للصوت، فإن الصوت إذا انسدت مخارج الأذنين صار له مخرج واحد، فصار أعلى وأرفع، وإذا كانت الأذنان مفتوحتين فإنه يضعف الصوت، فتكون الحكمة في جعل أصبعية في أذنيه هو زيادة ارتفاع الصوت، وفي هذا التعبير «إصبعاه في أذنيه» ما مر علينا في البلاغة من إطلاق الكل وإرادة الجزء؛ لأنه لم
يجعل الأصبعين كليهما في الأذن، ولكن يدخل بعضهما، والهمزة والباء مثلثتان - يعني: يجوز فيهما الضم والفتح والكسر -، فيكون اللغات تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة؛ ولهذا لا أحد يلحن بالنسبة للتصريف في «إصبع» .
ولابن ماجه: «وجعل إصبعيه في أذنيه» . ولا فرق بين هذه وهذه فيما يظهر، إلا أن هذه صريحة في أنه جعلهما، والأولى جملة حالية كما سبق.
ولأبي داود: «لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا ولم يستدر» لوى عنقه عند الحيعلتين يمينًا وشمالًا، لكن هل يفهم من الحديث أنه جعل اليمين لـ «حي على الصلاة» في الجملتين، والشمال «حي على الفلاح» في الجملتين، أو أنه قال:«حي على الصلاة» يمينًا، ثم «حي على الصلاة» شمالًا، ثم «حي على الفلاح» يمينًا، ثم «حي على الفلاح شمالًا»؟ في هذا رأيان لشراح الحديث:
فمنهم من قال: إن معناه أنه قال: حي على الصلاة يمينًا في الجملتين، حي على الفلاح شمالًا في الجملتين.
ومنهم من قال: جعل لكل جهة حظا من حي على الصلاة، ومن حي على الفلاح، فعلى هذا المعنى يكون القول بأنه وزعهما أقوى، أما الأول: فربما يؤيده قوله: «لما بلغ حي على الصلاة يمينًا وشمالًا» على الترتيب، فيكون حي على الصلاة يمينًا في الجملتين، وحي على الفلاح شمالًا في الجملتين، والعمل على هذا، والحكمة من ذلك: ليكون النداء إلى الصلاة وإلى الفلاح من الجهتين اليمين والشمال.
* في هذا الحديث من الفوائد:
أولًا: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة السنة في كيفية الأذان، من أين يؤخذ؟ من تتبع أبي جحيفة لأذان بلال، ويتفرع على هذا أنه ينبغي أن يتتبع الإنسان صفة العبادة ممن له علم بها وتطبق، يعني مثلًا: رأيت عالمًا يصلي تتبع صلاته حتى تأخذ بها، إذا علمنا أن الرجل حريص على تطبيق السنة، كذلك رأيناه في الطواف، في السعي، الوقوف يفعل شيئًا - وهو ممن يوثق بعلمه ودينه - فإننا نتبعه.
ومن فوائد هذا الحديث: مشروعية الالتفات يمينًا وشمالًا في «حي على الصلاة، وحي على الفلاح» على الوجهين اللذين ذكرناهما، لكن هل هذا الحكم باقٍ إلى الآن؟ الظاهر: لا يجب الالتفات الآن، أعني بالآن: أن الناس يؤذنون بمكبر الصوت، بل إنه لو التفت يمينًا وشمالًا عن مقابلة اللاقط لانخفض الصوت؛ لذلك نقول: لا يلتفت، لكن ينبغي في تركيب
السماعات في المنارة أن يراعى هذا، أن تكون واحدة في اليمين وواحدة في الشمال إذا لم يمكن أن توزع السماعات على الجهات الأربع.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يسن وضع الأصبعين في الأذنين عند الأذان من أوله إلى آخره، وهل السنة باقية إلى الآن؟ نعم، ما دمنا نقول: إن العلة في ذلك علو الصوت وانحساره بخروجه من الفم، فنقول: هذه العلة موجودة الآن حتى إذا أذن بمكبر الصوت.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الالتفات إنما يكون في العنق فقط ولا يستدير بمعنى: أنه لا يلتفت بجميع بدونه ولا يستدير إذا كان في منارة، وكانت المنارات يجعل لها حوضًا محيطًا بها، ويؤذن المؤذن في الحوض الذي من جهة القبلة، ويكون عنق المنارة مانعًا من سماعه بالنسبة لمن كان خلف القبلة، فكان بعضهم يقول: إذا كان في منارة فإنه يستدير من أجل أن يسمع كل من حول المنارة صوت المؤذن، لكن الصواب أنه لا يستدير حتى في المنارة.
176 -
وعن أبي محذورة رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته، فعلمه الأذان» . رواه ابن خزيمة.
«أعجبه» أي: استحسنه، والإعجاب يأتي بمعنى الاستحسان، ومنه قول عائشة:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» . فعلمه الأذان، لماذا علمه؟ ليؤذن. ففي هذا فوائد:
أولًا: اختيار الصوت الحسن للأذان.
ثانيًا: أنه ينبغي لولي الأمر أن يعلم المؤذنين كيف يؤذنون، إما على وجه الدورات؛ يعني: يجعل دورات في كل بلد لمدة أسبوع، أو أسبوعين، أو شهرًا، أو شهرين، حسب ما تقتضيه الحاجة، وجهة قوله:«فعلمه الأذان» ولم يقتصر على أن يسمع أبو محذورة الأذان من بلال، بل علمه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه.
ومن فوائد الحديث: أنه لا غضاضة على الإمام الأعظم في تعليم عامة الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان بنفسه، لا يترفع ويقول: اجعل واحدًا من الناس يعلم بل يعلم هو بنفسه اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم واحتسابًا للأجر، لأن الإنسان إذا علم غيره شيئًا من الشريعة وعمل به صار له أجر من علمه.