الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - باب الآنية
الآنية: جمع "إناء". والإناء: هو الوعاء، والعلماء رحمهم الله ذكروا الآنية هنا في باب الطهارة دون أن يذكروها في باب الأطعمة مع أن الأطعمة إنما تقدم في الأواني، والأشربة تقدم في الأواني، لكن ينبغي أن يذكر الشيء عند أول مناسبة له، وأول مناسبة للأواني هو باب المياه لأن الماء - كما تعلمون- جوهر سيار لا يمكن الإحاطة به إلا بإناء، فلذلك ذكروا باب الآنية بعد ذكر باب الطهارة؛ هذا هو السبب، فلها صلة قوية في باب الأطعمة وباب الأشربة.
والأصل في الأواني: الحل؛ أي إناء تشرب فيه، أي إناء تأكل فيه فالأصل فيه الحل، إلا ما كان ضارا فإنه حرام، أو إن شئت فقل: إلا ما دل الدليل على تحريمه - وهذا أعم- فإنه حرام وإلا فالأصل الحل، ولهذا لو أن الإنسان شرب في إناء من خزف، وقال له قائل: هذا حرام، ماذا نقول؟ نقول: هات الدليل، فإذا قال هو: أين الدليل على أن الشرب في الخزف حلال؟ قلنا: عدم الدليل على التحريم هو الدليل، أكل أو شرب في إناء من الماس - الماس غال جدا- فقال له قائل: هاذ حرام. ماذا نقول؟ نقول: هذا حلال، نقول: الأصل الحل إلا ما قام عليه الدليل، ومما قام عليه الدليل: أن يأكل الإنسان في جزء من الآدمي مثل أن يجد جمجمة رأس الآدمي فيستعملها إناء فهذا حرام؛ لأن الآدمي محترم، وإن كان طاهرا لكنه محترم فلا يجوز اتخاذ عضو من أعضاء الآدمي آنية لاحترامه، ومن ذلك أيضا: أواني الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب، الدليل: حديث حذيفة بن اليمان وهو صاحب السر المشهور الذي أسر إليه النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أسماء المنافقين يقول:
حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
.
13 -
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة". متفق عليه.
"لا تشربوا""لا" ناهية، والدليل أنها ناهية وليست نافية: حذف النون علامة الجزم، وقوله:"في آنية الذهب والفضة" أي: أوعيتها. "ولا تأكلوا في صحافهما" أي: صحاف الذهب والفضة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كعادته غالبا بين الحكمة فقال:"فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" يعني: أنكم في هذه الدنيا لا يبغ بكم الترف إلى أن تأكلوا في آنية الذهب والفضة. هذا لمن؟ هذا يتمتع به الكفار اذلين يتمتعون في هذه الدنيا كما تتمتع الأنعام والنار مثوى لهم، أما أنتم فأجلوا المسألة، أجلوها إلى أن تأكلوا وتشربوا فيها أبد الآبدين، وذلك في الآخرة إذا دخل المؤمنون
الجنة - جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم يأكلون في صحاف الذهب والفضة ويشربون أيضا في أوانيها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما"، هذا الأكل والشرب في هذه الأواني الثمينة لا يكون للمؤمن هذا هو التعليل المنطبق المطرد، وأما تعليل بعض العلماء بأن هذا يوجب تضييق النقدين على الناس؛ لأن النقدين من الذهب والفضة؛ من الذهب يسمى دينارا، ومن الفضة درهما، قالوا: لو أنها جعلت أواني لضاقت النقود على الناس، وبعضهم يقول: لأننا لو جعلنا هذه الأواني لانكسرت قلوب الفقراء، وهذا أيضا دليل عليل سنبين إن شاء الله ذلك، ومنهم من قال: إن فيهما خيلاء وسرفا وهذا أيضا منتقد.
أما ألأول - وهو التضييق- فيقال: يلزم على هذه العلة أن نمنع لباس الذهب والفضة على الرجال والنساء؛ لأن ذلك يضيق النقدين على الناس ولاسيما في بلاد ضعيفة الاقتصاد، ومعلوم أن الذهب حلال للنساء وأن الفضة حلال للنساء، الذين يقولون إن ذلك كسرا لقلوب الفقراء؛ فنقول: إذن حرام كل ما ينكسر به قلب الفقير، إذا رأيت سيارة فخمة يركبها غني أو أمير أو وزير قل: هذه حرام؛ لأن الفقير يقول" لماذا هذا يركب سيارة (بيوك)، (رينو) وأنا ليس عندي إلا (مزاد) متكسرة ينكسر قلبه لا شك، إذن حرم على هؤلاء ركوب ذلك، البيوت أيضا رجل بيوته أعشاش الثاني قصور فخمة مشيدة، أيضا اللباس رجل فقير لباسه مرقع وآخر لباسه من أفخم اللباس المباحة، نقول أيضا: حرام، لأن هذا ينكسر به قلب الفقير، بقي علينا السرف والخيلاء، السرف والخيلاء قد يكون في آواني غي الذهب والفضة، الأواني من الماس والجواهر النفيسة التي هي أغلى من الذهب والفضة أشد خيلاء وأشد إسرافا ومع ذلك لا نحرمها لذاتها، الذهب والفضة محرم لذاتهما، حتى وإن كان فنجانا وهذا الرجل عنده ملايين الملايين لا يعد سرفا ولا يهتم به، يقول: هذا حرام؛ إذن العلة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام هي العلى المطردة التي لا تنقطع من يستطيع أن يقول: إن الذهب والفضة للكفار في الآخرة؟ لا أحد يستطيع، أما في الدنيا فيقول: إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة، هذه هي العلة الحكيمة.
سبب تحديث حذيفة بهذا الحديث: أنه كان في بيته أو في قصره فدعا بماء، فجاء الدهقان إليه بماء في إناء من فضة، فأخذ الإناء ورماه به ورمى الدهقان وقال للجماعة الذين عنده: إتي أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما"، وانتبهوا لقوله: إني نهيت أن يسقيني فيه؛ لأنه سيترتب عليه مسألة إن شاء الله ستأتينا.
المهم: أن حذيفة حدث بهذا الحديث لهذا السبب، وربما حدث به في مكان آخر لا أدري لكن هذا الذي جاء في صحيح مسلم.
ففي هذا الحديث: أولا تحريم آنية الذهب والفضة؛ لأن الأصل في النهي التحريم، ولأن في الحديث إشارة إلى أن من أكل أو شرب فيهما فإنه حري أن يحرمهما في الآخرة؛ لأن الله لم يبح ذلك لنا إلا في الآخرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا فرق بين الآنية الكبيرة أو الصغيرة، أو الأكل الكثير أو الشرب اليسير، حتى لو جرعة من الماء في ملعقة فهي حرام، وكذلك أيضا لو كانت لقمة واحدة في ملعقة فهي حرام، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه". إذن نجتنب الأكل كله والشرب كله، ما نأكل لا بقليل ولا بكثير، ولا بآنية صغيرة.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك لذكر العلة عند ذكر الحكم؛ لأن ذكر العلة يوجب الطمأنينة واستقرار القلب، وكذلك يبين سمو الشريعة وأنه ليس فيها حكم إلا مقرون بحكمه، وهذه من أحسن التعليم وأبين البيان.
ومن فوائد الحديث: جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؛ لأن النهي عن الأكل والشرب فقط، فلو استعمل الإنسان آنية الذهب والفضة في أدوية يخزنها، أو في دارهم، أو في أي حاجة من الحاجات غير الأكل والشرب؛ فإنه لا بأس بها؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفصح الناس وأنصح الناس وأعم الناس، ولو كان استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب حراما لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام بيانا واضحا حتى لا يبقى إشكال، ثم إن قول حذيفة رضي الله عنه:"إني أخبركم أني قد نهيت أن يسقيني بها". يدل على أن حذيفة كانت عنده هذه الآنية لكنه لا يستعملها في أكل أو شرب، وهذا واضح، ولا ينبغي لنا إطلاقا إذا ذكر الشارع شيئا خاصا أن نعممه؛ لأن ذلك يعني أنا ضيقنا ما وسعه الشارع، ومعلوم أننا نتعبد بما دل عليه الكتاب والسنة لا نحجر على عباد الله، وفيه ثلاثة أمور: اتخاذ واستعمال في غير الأكل والشرب، واستعمال في الأكل والشرب، والاستعمال في الأكل والشرب حرام لا إشكال فيه، بل ظاهر النص أنه من كبائر الذنوب.
الاتخاذ الخلاف فيه معروف بمعنى: يتخذه الإنسان إما زينة أو لسبب م الأسباب لكن لا يستعملها، هذا الخلاف فيه معروف، الاستعمال حكى بعض الناس أن العلماء أجمعوا على التحريم ولكن ليس بصحيح، لا يوجد فيه إجماع، وقد أنكر الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار
هذا إنكار عظيما وقال: إن السنة تدل على أن المحرم وهو الأكل والشرب فقط، والقياس ممنوع ولا يصح، وما ذهب إليه الشوكاني رحمه الله هو الذي تدل عليه الأدلة، وأن المحرم هو استعمالها في الأكل والشرب، وسيأتينا في حديث أم سلمة في النهي عن الشرب في إناء الفضة وأنها هي رضي الله عنها اتخذت جلجلا من فضة.
أسئلة:
- لباب الآنية مناسبتان فما هما؟ يذكر في باب الأطعمة والأشربة والطهارة.
- مناسبته لباب الأطعمة والأشربة؟ هي ظاهرة.
- مناسبته لباب الطهارة؟ أن الماء لابد أن يحمل في إناء.
- ولماذا اختاره المصنف هنا؟ اختاره هنا لأنهم يذكرون الشيء عند أول ذكر له.
- ما هو الأصل في الأواني؟ الحل، والدليل: عدم الدليل.
- ما هو الدليل الإيجابي؟ قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29].
- لماذا حرم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة؟ علله النبي بأنه للكفار في الدنيا ولا في الآخرة.
انظر سبحان الله! الذين أجرموا إذا مروا بالمؤمنين يضحكون ويتغامزون، والمؤمنون يوم القيامة يضحكون من الكفار، مقابلان، لنا الآخرة ولهم الدنيا.
- هل يدل الحديث على جواز استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل الشرب؟
النهي خاص بالشرب والأكل دل على أن ما عداه فهو جائز مثل إناء يجعل فيه دواء.
- ذكر بعض العلماء تعاليل في مناسبة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
قال: هو تضييق على الناس. هل هذا تعليل عليل أو مستقيم؟ لا هو عليل.
والثاني لئلا ينكسر قلب الفقير. هل هذا مستقيم؟ لا؛ لأنه ينكسر قلبه من أشياء كثيرة.
قال: إسراف وخيلاء، وهذا غير مستقيم؛ لإلزامه على ذلك تحريم بقية الجواهر التي أغلى منهما.
- ذكرنا قصة كانت سببا لسياق حذيفة لهذا الحديث وهي تدل على جواز استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب؟ قول حذيفة: "قد نهيت أن يسقيني فيهما".
- ذكر استعمال الذهب والفضة على ثلاثة وجوه ما هي؟
الأول: استعمالها في الأكل والشرب.
والثاني: استعمالها في غير الأكل والشرب.
والثالث: الاتخاذ.
والمشهور من المذهب أن كل الثلاثة حرام: اتخاذها واستعمالها في غير الأكل والشرب، واستعمالها في الأكل والشرب، والصحيح: أنها لا تحرم إلا في الأكل والشرب، استدل بهذا الحديث من قال: إن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام ولا يعاقبون عليها لقوله: "فإنها لهم في الدنيا" واللام للإباحة، وإن شئت فقل: للاختصاص، وهذا أحد الأقوال في المسألة أن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام كما أنهم لا يخاطبون بأصل الإسلام، وقال بعض أهل العلم: إنهم مخاطبون بفروع الإسلام، واستدلوا بقول الله تعالى:{إلا أصحب اليمين في جنت يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين} [المدثر: 39 - 46].
ووجه الدلالة من الآية: أنهم لولا أنهم عذبوا على هذه الأعمال لم يكن لذكرها فائدة، ومن جملة ما ذكروا: أنهم لا يطعمون الطعام، وإطعام الطعام أعلاه الزكاة وتاركها لا يكفر؛ فدل هذا على أنهم مخاطبون بفروع الإسلام هذا من جهة الأثر، من جهة النظر إذا قيل: إذا كان المسلم يعاقب على ترك هذه الأشياء ويخاطب بها فالكافر من باب أولى، ها هو الراجح. والجواب عن حديث حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الواقع، والإخبار عن الواقع لا يدل على الجواز كقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لتركبن سنن من كان قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". فأخبر أننا سنركب ذلك وأكد ذلك، ومع هذا فإنه لا يجوز بالإجماع.
كذلك أخبر أن الظعينة وهي المرأة تسير من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله، وهذا المراد به: استتباب الأمن، وليس المراد أن ذلك جائز، فالإخبار عن الواقع كونا وقدرا لا يدل على جوازه شرعا، فهي لهم في الدنيا؛ لأنهم يستعملونها ولا يبالون، ولكن هذا ليس إقرارا لهم عليها.
فإن قال قائل: إذن إذا رأينا كافرا يشرب في آنية الذهب والفضة على هذا التقدير يجب أن ننكر عليه؟
قلنا: لا يجب؛ لأن الواجب دعوة الكافر أن نبدأ بالأهم فالأهم، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن أمره أن يكون أول ما يدعوهم إليه هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم إن أجابوا أخبرهم بفرض الصلاة، ثم إن أجابوا أخبرهم بفرض الزكاة. فدل هذا على أننا نأمرهم أولا إن يسلموا، نعم يجب علينا أن ننكر عليهم ما يعلنونه من شعائر كفرهم
في بلاد الإسلام كشرب الخمر مثلا وما أشبه ذلك، نمنعهم من ذلك؛ لأن ذلك محرم عندنا ولا يجوز لهم إلا أن يخضعوا لأحكام الإسلام حتى يكون الإسلام هو الأعلى.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس على ما فاته من أمر الدنيا من التنعم فيها، لماذا؟ لأن المؤمن له الآخرة، وقد قال الله تعالى:{والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17].
وهذا عام، وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{وللآخرة خير لك من الأولى} [الضحى: 4]
ومن فوائد هذا الحديث أيضا: إثبات الآخرة وما فيها من النعيم لقوله: "ولكم في الآخرة".
ومن فوائد الحديث: أنه ينبغي أن يسلى الإنسان بما فاته من نعيم الدنيا، وجه ذلك: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما نهى عن الشرب والأكل في أواني الذهب والفضة سلى المؤمنين؛ يعني: ذكر لهم ما يتسلون به وهو أنها لنا في الآخرة والعاقبة ليست ببعيدة.
ومن فوائد هذا الحديث: إذا نظرنا إلى سبب سياق حذيفة له أنه ينبغي للإنسان إن لم يقل يجب على الإنسان أن يدفع عن نفسه ما يخاف منه التهمة، من أين أخذت؟ من قوله:"ألا إني أخبركم أني قد نهيته"، لئلا يتهم حذيفة رضي الله عنه ولهذا أصل في السنة، وهو ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"رحم الله امرأ كف الغيبة عن نفسه"، وله أصل من فعل الرسول، حيث كان يتسامر مع زوجه صفية بنت حيي، وقد انصرفت منه وهي قد حضرت في البيت وهو معتكف في المسجد فأبصره رجلان من الأنصار، فأسرعا - أسرعا خجلا من النبي عليه الصلاة والسلام واستحياء منه-؛ لأن مثل هذا الأمر إذا كان من معظم لدى الإنسان فإنه يخجل، أنت الآن لو تمشي في السوق وتجد شخصا تعظمه وتجله وتكرمه معه امرأته ألا تخجل؟ أنا أخجل، لا أدري أنتم تخجلون أم لا؟ أخجل وأسرع، فالصحابيان أسرعا خجلا لا شك، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام خاف أن يقذف الشيطان في قلوبهما شرا، فقال:"إنها صفية"، ولهذا تعجبا رضي الله عنها قالا: سبحان الله! فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم شرا". أو قال: "شيئا".
المهم: أنه ينبغي للإنسان أن يدفع التهمة عن نفسه، وهل له أن يحلف على ذلك دون أن يستحلف؟ نعم، له أن يحلف على ذلك دون أن يستحلف إذا كان صاحبه لا يقتنع إلا بمثل ذلك، فلو أن رجلا أحسست أنه يظن أنك قد نممت به إلى أحد من الناس تحس ذلك من نصرفه أو من صفحات وجهه أو ما أشبه ذلك، فقلت له: إن بعض الناس يظن كذا وكذا أنني فعلت ولكن لم أفعل وأقسمت على ذلك، فلا بأس لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ثم قال:
14 -
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". متفق عليه.
الأول: الإعراب: "الذي يشرب": مبتدأ، وخبره جملة:"إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" أما الحديث فأخبر الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الصيغة المركبة من مبتدأ وخبر وهي جملة اسمية، أن الذي يشرب في إناء الفضة له هذا الوعيد يجرجر في بطنه نار جهنم.
والجرجرة: هي صوت الماء إذا سلك مسلكه سواء كان مع المريء أو كان في الأمعاء كما يدل الرسول عليه "في بطنه"، ما قال: في حلقه، والماء معروف أن يتخلل في البطن مع الأمعاء، الجرجرة: هي الصوت، وقوله:"نار جهنم" هل هذا بيان للعمل أو للجزاء؟ للجزاء؛ لأن العمل ماء قد يكون باردا؛ لكن الجزاء هو هذا، وهذا نظير قوله تعالى:{إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلاما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: 10]. هذا بيان للجزاء، وأطلق الجزاء على الفعل؛ لأنه بسببه.
في هذا الحديث: دليل على أن الشرب في إناء الفضة من كبائر الذنوب، وجه ذلك: حيث رتب عليه وعيد فهو من الكبائر، وتختلف الكبائر عن الصغائر؛ لأنها - أي: الكبائر- لا تكفرها العبادات كالصلاة والصوم وما أشبه ذلك، بل لابد لها من توبة خاصة، وأيضا الكبيرة تخرج الإنسان من العدالة بمجرد فعلها؛ أي: يكون مردود الشهادة غير نافع للولاية حتى يتوب.
ومنها: أن من الأمة من قال: إن فاعل الكبيرة كافر، وإن كان القول ضعيفا، لكن لم يقل أحد من الأئمة - فيما أعلم-: إن فاعل الصغيرة يكون كافرا، إذن الكبيرة أعظم، وهل الكبائر تختلف؟ نعم، لحديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"، فهي تختلف و [هل] من فوائد هذا الحديث: أن الأكل في آنية الفضة من كبائر الذنوب؟ ننظر إذا حرم الشرب هل يحرم الأكل؟ نعم، إلحاق الأكل بالشرب في التحريم ليس عندنا فيه شك، لكن الجزاء هل يكون في القياس، ونقول: إنه إذا جوزي الشارب في آنية الفضة بهذا الجزاء لزم أن يجازى به الآكل في آنية الفضة أو نقول: إن الجزاء قد يكون على حسب الأعمال ظاهرا؛ لأن هناك أعمالا ظاهرها أنها لا تبلغ هذا المبلغ في العقوبة، ولكن يعاقب عليها كثيرا، وهناك أعمال ظاهرها أنها لا تبلغ هذا المبلغ في الثواب عليها ويكون عليها ثواب كثير، بمعنى: أن الجزاء لا يلزم أن يكون مطابقا للحكم هذا لا شك أنه أسلم للإنسان أن يقول: إن الأكل في آنية الفضة محرم قياسا على الشرب، وهذا حكم شرعي. أما الحكم الجزائي: وهو أن الذي يأكل
في آنية الفضة يبتلع نار جهنم، فهذا يحتاج إلى توقيف، والسلامة أسلم، يكفي المؤمن أن يقال: إنه محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: ما ذكرناه سابقا أنه يدل على جواز استعمال الفضة في غير الشرب والأكل، ويدل لهذا أن أم سلمة رضي الله عنها نفسها كان عندها شعرات من شعر النبي عليه الصلاة والسلام في جلجل من فضة، والجلجل: أصله الجوس؛ لأنه يتجلجل، لكنه يطلق على إناء صغير مثل الجرس، وهو موجود الآن أوعية صغيرة للكحل تشبه الجرس من بعض الوجوه، فكان عند أم سلمة جلجل من فضة في شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم يستشفى بها المرضى، إذا مرض أحد أرسلوا إلى أم سلمة بماء، فصبته في هذا الجلجل الذي فيه الشعرات، ثم حركته ثم أعطته أهل المريض ويشفى بإذن الله؛ لأن هذا من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا خاص به، كما كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها عندها جبة للرسول عليه الصلاة والسلام هي مكفوقة بالحرير والديباج، وكانت الجبة عند عائشة فلما توفيت عائشة رضي الله عنها أخذتها أختها أسماء، وكانوا يستشفون بها للمرضى؛ لأنها من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبالمناسبة: ذكرت لكم أمس أو قبل أمس، أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر تقول: إنه بلغني أنك تحرم العلم في الثوب - يعني: علم الحرير- وأنك تحرم ميثرة الأرجوان، وأنك تحرم صوم شهر رجب كله، الأرجوان: لون أحمر، والميثرة: وطاء يربط على ظهر الحمار من أجل أن يكون ألين للراكب وهي البرذعة، أرسلت إليه مولاها قال: أما ما ذكرت عن صوم رجب فكيف بمن يصوم الدهر كله؛ أصوم الدهر كله كيف أحرم شهر رجب؟ ! إذن صار القول بأنه يحرمه كذب. وأما ما ذكرت من العلم فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحرير: "إنما يلبسه من لا خلاق له"، وإني خفت أن يكون العلم من ذلك؛ فإذن تركه احتياطا وورعا ولم يحرمه. وأما ما ذكرت من الميثرة - ميثرة الأرجوان- فهذه ميثرة عبد الله - يعني: نفسه- فإذا هي أرجوان، فيكون قد حرمها أو أحلها؟ أحلها، فانظر إلى السلف الصالح كيف يتأدب بعضهم مع بعض، ولا يذهب إذا نقل عن شخص ما لم يقله يذهب ينشره بين الناس، لا بل أرسلت إليه تسأله، وتبين أن ما نسب إليه ليس بصحيح، هذه لعلها تكون فائدة أفيد بكثير من الدروس، نحن نقول الآن أم سلمة رضي الله عنها لها جلجل من فضة يستشفى به، وسقنا حديث أسماء بنت أبي بكر من أجل الجبة لما قال لها مولاها: إنه خاف أن يكون العلم داخلا في تحريم