الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتكون بالغة بالإنزال السابق للحمل، أما النفاس فهو بعده، وهذا من الفروق بين النفاس والحيض، ومن الفروق: أن الطلاق في النفاس جائز، وفي الحيض ليس بجائز، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى:{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. والنفاس لا يعتد به في العدة، وإذا كان لا يعتد به في العدة، وإنما تبدأ المطلقة في العدة من حين الطلاق فإنه يكون قد طلق للعدة، أما الحيض فهو إذا طلق في أثناء الحيضة ستلغى هذه الحيضة التي وقع فيها الطلاق وحينئذ لم يكن طلق للعدة؛ لأن عدة الحائض ثلاث حيض.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: «مره - يعني: عبد الله بن عمر - فليطلقها طاهرة أو حاملًا» .
قلنا: بلى، لكن ليطلقها طاهرًا من الحيض؛ لأن ابن عمر طلقها وهي حائض؛ ولهذا قال:«أو حاملًا» ، واستدل النبي صلى الله عليه وسلم بالآية، فيكون هنا فرق بين النفاس وبين الحيض، الحيض لا يجوز فيه الطلاق، والنفاس يجوز فيه الطلاق، وفيه ستة فروق مع أن كثيرًا من الفقهاء لم يذكروا إلا أربعة لكن فيه زيادة.
شرط ستر العورة وضوابطه:
199 -
وعن جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:«إذا كان الثوب واسعًا فالتحق به» - يعني: في الصلاة -. ولمسلم: «فخالف بين طرفيه وإن كان ضيقًا فاتزر به» . متفق عليه.
قال: «إذا كان الثوب واسعًا فالتحف به» ، يعني: اجعله لحافًا لك يشمل جميع البدن؛ ولهذا قال: «خالف بين طرفيه، وإن كان ضيقًا فاتزر به» يعني: استر أسفل البدن؛ لأنه إذا كان ضيقًا لا يتسع للبدن كله، فهو إما أن يستر أعلاه أو يستر أسفله، وأيهما أحق؟ ستر الأسفل؛ ولهذا قال:«فاتزر به» ، أي: اجعله إزارًا، فهذا أيضًا يستفاد منه أنه لابد من ستر العورة في جميع البدن، لكن إذا كان الثوب واسعًا، فإن كان ضيقًا كفى الاستتار، فيستفاد من هذا الذي ذكرنا: أن الأولى للإنسان في حال الصلاة أن يستر جميع بدنه، ويدل لهذا قول الله تعالى:{يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]. يعني: لباسكم، عند كل مسجد أي: عند كل صلاة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب ستر أعلى البدن في حال الصلاة لقوله: «فاتزر به» ولم يقل: فصل بما يستر البدن، أو كلمة نحوها، فدل هذا على أن أعلى البدن ليس بعورة وهو كذلك، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أن عورة الرجل في الصلاة ما بين السرة والركبة، فتكون
الفخذان داخلتين في العورة في الصلاة، وتكون الركبة والسرة غير داخلتين في العورة؛ لأن العبارة «ما بين السرة والركبة» ؛ فالسرة والركبة ليستا من العورة.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على الأمة؛ حيث فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الواسع والضيق، وهذه القاعدة في الشريعة الإسلامية قاعدة أصيلة، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الذين يسر» . وقال لمن يبعثهم لدعوة الناس إلى الإسلام: «يسروا ولا تعسروا؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» . فاتخذ هذه القاعدة بين عينيك دائمًا أن الدين الإسلامي - والحمد لله - دين اليسر والسهولة والسماحة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن أسفل البدن أولى بالستر من أعلاه؛ لقوله: «إن كان ضيقًا فاتزر به» . قال:
200 -
ولهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» .
وفي لفظ بالتثنية: «ليس على عاتقيه» ، ولا منافاة، قوله:«لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» المراد بالثوب في الحديث ليس هو القميص، بل الثوب ما يستتر به الإنسان من قميص، أو إزار، أو لحاف، أغير ذلك.
وقوله: «في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» العاتق: هو ما بين الكتف وأصل العنق، وقوله:«شيء» نكرة في سياق النفي فيعم القليل والكثير، ولنضرب لهذا مثلًا: لو كان عند إنسان خرقة يريد أن يصلي بها، قلنا: لا تصلي فيها إلا وعلى عاتقك منها شيء، ولا شك أن هذا كمال الستر، لكن هل هذا واجب، أو هذا على سبيل الاستحباب؟ اختلف في ذلك العلماء رحمهم الله فقال بعضهم: إن ستر المنكبين واجب في الفريضة والنافلة. وقال بعضهم: في الفريضة دون النافلة. وقال آخرون: إنه ليس بواجب، ولكنه من كمال الستر، وهذا هو الأصح؛ ويدل له حديث جابر رضي الله عنه السابق.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد، وأنه لابد للمصلي أن يضع على
عاتقه منه شيء، وهل هو على سبيل الاستحباب أو الوجوب، أو التفصيل؟ الصحيح التفريق في ذلك بين الفرض والنفل.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يشترط أنه يلبس الإنسان ثوبين في الصلاة، يعني: قميصًا وسراويل مثلًا، وأنه لو صلى في قميص كفى؛ لأن القميص سيكون على عاتقيه منه شيء.
مسألة: لو أن أحدًا صلى في إزار فقط، هل تجزئه الصلاة؟
الجواب: إذا لم يجد سواه فلا شك أنها تجزئه، وإن وجد فإن من العلماء من يقول: إن صلاته باطلة، وهؤلاء هم الذين يقولون بوجوب ستر العاتق، ومنهم من يقول: صلاته صحيحة، لكنه قصر في ستر العورة، وهذا هو الصحيح، وهذا يحصل كثيرًا في أيام الحج، تجد الرجل يشتغل مثلًا في طبيخ أو غيره ويصلي في إزاره وردائه الحاضر؛ فعلى القول الراجح تكون صلاته صحيحة، وعلى القول باشتراط ستر أحد المنكبين أو المنكبين جميعًا تكون صلاته باطلة، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذه المسألة مع وجود الخلاف بين العلماء.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الصلاة في ثوب واحد إذا جعل على عاتقه منه شيء؛ لقوله: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد» وهو كذلك، وعلى هذا فلو صلى الإنسان في ثوب واحد، ورأسه مكشوفة وهو رجل فصلاته صحيحة.
فإن قال قائل: وهل يستحب ستر الرأس للرجل في الصلاة؟
فالجواب: يرجع في ذلك إلى الآية {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]. فإذا كان من قوم لا يتم أخذ زينتهم إلا بغطاء الرأس قلنا: غطاء الرأس مستحب، وإذا كان من قوم لا يهتمون بهذا ولا يجعلون غطاء الرأس من الزينة قلنا: لا يستحب؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
201 -
وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها» . أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه.
قوله: «أتصلي المرأة» الاستفهام هنا للاستخبار والاستعلام، «في درع وخمار» ، الدرع: هو الثوب يشبه القميص وسمي درعًا لأنه يشبه الدرع الذي يلبسه المقاتل في اتقاء السهام، والخمار: ما
يغطى به الرأس والرقبة، «بغير إزار» ما يأتزر به الإنسان فيستر أسافل بدنه، فقال:«إذا كان الدرع سابغًا» السابغ يعني: الوافي تام، ثم فسره بقوله:«يغطي ظهور قدميها» يعني: فلا بأس.
في هذا الحديث يقول المؤلف: «أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه» ، وقفه: يعني جعله من كلام أم سلمة رضي الله عنها، فهل يقال: إن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي، أو يقال: إنه موقوف ليس له حكم الرفع؛ لأنه قد تقوله بالرأي، قد ترى رضي الله عنها أن من تمام أخذ الزينة أن يكون درعها سابغًا يغطي ظهور قدميها، والفرق بين الموقوف والمرفوع: أن ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع، وما أضيف إلى الصحابي فهو موقوف، وما أضيف إلى التابعي فمن بعده فهو مقطوع.
من فوائد هذا الحديث إذا صح مرفوعًا: حرص الصحابة رضي الله عنهم على الفقه في الدين، وذلك بسؤال أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما جاء في هذا الحديث، وأسئلة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في القرآن، منها نحو اثني عشر سؤالًا:{يسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 215]. {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219]. {ويسألونك على المحيض} [البقرة: 222]. حوالي اثني عشر سؤالًا، لكن في السنة كثير جدًا، وهو يدل على عناية الصحابة رضي الله عنهم بدينهم وحرصهم على الفقه في الدين.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز صلاة المرأة في الدرع، لكن بشرط أن يغطي ظهور قدميها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن القدمين ليسا بعورة، ووجه ذلك: أن ما يغطي ظهور القدمين لا يغطي بطون القدمين عند السجود، ولو كان القدم عورة لقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها وبطونهما عند السجود.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز نزول ثوب المرأة إلى أسفل من الكعب؛ لأنه من ضرورة تغطية ظهر القدم أن ينزل دون الكعب، بخلاف الرجل لا يحل له أن ينزل قميصه أو إزاره إلى أسفل من الكعبين، فإن صلى - أعني: الرجل - في ثوب ينزل عن الكعبين فهل صلاته صحيحة أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، والصحيح أن الصلاة صحيحة، لكنه آثم؛ لأن ستر العورة حصل وكون الثوب محرمًا يعود إلى أمر خارج، بدليل أن هذا التحريم ليس خاصًا في الصلاة حتى نقول إنه مما يختص بها فيبطلها، بل هو تحريم عام؛ يعني: تحريم نزول الثوب بالنسبة للرجل أسفل الكعبين هذا عام في الصلاة وغير الصلاة، والتحريم العام لا يبطل الصلاة، ويدل