الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 - باب المساجد
«المساجد» جمع مسجد؛ أي: مكان السجود، وهو نوعان: الأول: مكان مخصوص كالمساجد المعروفة المقامة في الأحياء. والثاني: عام لكل الأرض، فيكون محل السجود مسجدًا. دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» . والمراد بهذه الترجمة التي ذكرها المؤلف المراد الأول: المساجد الخاصة التي تبنى ليتخذها الناس مصلى، وأحكام المساجد كثيرة أفردها بعض العلماء بالتأليف لأهميتها، وبعض العلماء يذكر شيئًا منها في الباب المناسب، هل نقول أن المناسب أن تذكر هذه المساجد أي يذكر الكلام عليها حينما يتكلم عن طهارة بقعة المصلي أو أن تذكر في باب الجماعة؟ الجواب: لكل أحد من العلماء رأي في هذا والمقصود ألا تخرج عن إطار كتاب الصلاة لتعلقها بالصلاة.
وجوب تنظيف المساجد وتطييبها:
240 -
عن عائشة رضي الله عنه قالت: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وصحح إرساله.
قولها رضي الله عنها: «أمر» الأمر هو طلب الفعل على وجه الاستعلاء بأن يقول السيد لعبده: افعل كذا، فإن كان على وجه التذلل فهو دعاء ومسألة، وإن كان من القرين لقرينه فهو التماس، هكذا قال علماء البلاغة، فإذا توجه الأمر من الله أو من رسوله فهو أمر يقصد به الفعل.
وقولها رضي الله عنها: «أمر ببناء المساجدد» . «أمر» لم تذكر الصيغة التي وقعت من النبي صلى الله عليه وسلم، هل قال مثلًا: ابنو المساجد في الدور، أو قال: لا تخلو الدور من المساجد، أو ما أشبه ذلك؟ فيقال: الأصل أن يحمل قول الصحابي أمر بكذا على الأمر الحقيقي، وهو ابنوا المساجد.
فإن قال: قائل: ربما يفهم الصحابي الخبر أمرًا؟
فالجواب: هذا بعيد أن يفهم الصحابي الخبر أمرًا، ثم أبعد منه أن يحدث بما لا يتيقن أن النبي صلى الله عليه وسلم أراده، فقول بعض العلماء رحمهم الله: إن الصحابي إذا عبر بكلمة «أمر» ليس صريحًا في الأمر لاحتمال أن يظن الخبر أمرًا، هذا قول ضعيف جدًا ولا يعول عليه؛ لأن الصحابي يعلم صيغة الأمر؛ ولأنه لا يمكن أن يتكلم بما لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أراده.
وقولها رضي الله عنها: «ببناء المساجد في الدور» الدور جمع دار، والمراد بها: الأحياء، وسميت دورًا لاجتماع الدور فيها، «وأن تنظف وتطيب» تنظف من الأذى، وأعظمه النجاسة والقذر، وتطيب
يحتمل أن المراد بالتطهير: وضع الطيب فيها إما بالبخور، أو بالأدهان أو ما أشبه ذلك، ويحتمل أن يراد بالتطيب: إزالة آثار التنظيف، كقول عائشة رضي الله عنها في السواك الذي دخل به أخوها على النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتضر قالت:«فقضمته وطيبته» . أي: جعلته طيبًا يمكن التسوك به، والمعنيان كلاهما صحيح، فإن تطييب المساجد بهذا وهذا من الأمور المطلوبة.
في هذا دليل على مسائل: منها: حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن تجتمع أمتته في هذه العبادة العظيمة - الصلاة - في مكان واحد؛ ولذلك أمر ببناء المساجد.
ومنها: أن بناء المساجد فرض كفاية؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ والمقصود من بناء المساجد: هو تحصيل المسجد، وهذا يكفي من الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة، فيكون بناؤها فرض كفاية، وقد ورد في فضل بناء المساجد أحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم:«من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة» . لأن الجزاء من جنس العمل.
ومنها: أنه يجب أن يوضع فغي كل حي مسجد وهذا يختلف، يعني: من ناحية الحكم يختلف إذا كانت الأحياء صغيرة متقاربة، هل نقول: يلزم أن نبني في كل حي مسجدًا؟ لا، لكن إذا كانت كبيرة أو متباعدة وجب أن نبني في كل مسجدًا؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بهذا.
من فوائد هذا الحديث: مشروعية تنظيف المساجد وهو نوعان: نوع واجب، وذلك بتنظيفها من القذر، ودليل هذا قوله صلى الله عليه وسلم حين بال الأعرابي قال:«أريقوا على بوله سجلًا من ماء» أو قال: «ذنوبًا من ماء» . ويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} [البقرة: 125].
والثاني: تنظيف عن الأذى الذي ليس بقذر، فهذا الأصل فيه أنه سنة كأن تلقط ورقة ساطقة أو ريشة ساقطة أو ما أشبه ذلك، لكن إن خيف أن تجتمع هذه الأوساخ حتى تكون رائحة سيئة خبيثة، فالتنظيف حينئذٍ يكون واجبًا لإماطة الأذى.
ومن فوائد هذا الحديث: تطييب المساجد، وهو كما قلنا في الشرح «تطييب» بمعنى: إزالة أثر الأذى والقذر وما أشبه ذلك، وتطييب بمعنى: وضع الطيب فيها، وكلاهما مشروع.
فإن قال قائل: ما بالك تفصل هذا التفصيل مع أن الحديث واحد: «أمر ببناء المساجد وأن تنظف وتطيب» ؟
قلنا: لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضها بعضًا، فيجب أن يحمل ما دل منها على شيء على ما تقتضيه النصوص الأخرى؛ لأن الشرع يكمل بعضه بعضًا، فلا يمكن أن نأخذ بحديث وندع الأحاديث الأخرى، كما لا يمكن أن نأخذ بآية وندع الآيات الأخرى.
ومن فوائد هذا الحديث: هل يمكن أن نقول: يجب على أهل الأحياء أن يصلوا في مساجدهم؟ هذا فيه شيء من الثقل، أما وجه القول بالوجوب فلأننا نقول: إذا لم يكن الناس يأتون إلى هذه المساجد صار بناؤها عبثًا وإضاعة مال ولا فائدة منه، ومعلوم أن الشريعة لا تأتي بمثل هذا، فيكون وجوب بناؤها دليلًا على وجوب الحضور إليها، وإلا فلا فائدة، فإن استقام هذا الاستدلال فذلك المطلوب، وإن لم يستقم قلنا: إن وجوب الحضور إلى المساجد له أدلة أخرى، وأنه لا يجوز أن يتخلف الناس عن المساجد ويصلون في بيوتهم.
وقوله: «وصحح إرساله الترمذي» . الإرسال في اصطلاح المحدثين: تارة يراد به ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: تارة يريدون بالمرسل هذا، وهذا هو المرسل الخاص الذي أسنده التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فالذين لم يبلغوا التمييز في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رووا الحديث فهو مرسل؛ لأنهم يسمعوه منه، فنقطع أن بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم واسطة كمحمد بن أبي بكر فإنه ولد في عام حجة الوداع فلو أسند حديثًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لقلنا: إنه مرسل، ولكن هل هو حجة - أعني: مرسل الصحابي - أو لا؟ الصحيح: أنه حجة؛ لأن الصحابي لا يمكن أن يسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا جازمًا به إلا إذا كان رواه عن صحابي أو تابعي ثقة؛ لأن عندهم من الأمانة والخشية لله عز وجل والتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عندنا، وتارة يطلق المرسل عند المحدثين على ما سقط منه راوٍ في أي مكان من السند، وهذا يعلم بالتتبع، لكن لا تظن أنه كل ما قيل في الكتب المصنفة إنه مرسل؛ يعني: أنه رفعة التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأننا بالتتبع وجدنا أنهم قد يطلقون المرسل على ما سقط منه راو أو أكثر في أي مكان.
إذا تعارض مرسل وواصل فهل نأخذ بالمرسل لأنه أحوط، أو نأخذ بالواصل لأن معه زيادة علم؟
الصحيح: الثاني أننا نأخذ بالواصل، والقول بأننا نأخذ بالمرسل لأنه أحوط يقابل بأننا نأخذ بالواصل لأنه أحوط، حتى لا تدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أنه إذا كان الواصل ثقة فإننا نأخذ بوصله؛ لأن الوصل زيادة، وزيادة الثقة مقبولة.
***