الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ليس في استطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدركه فإنه حجة، وهذه اتخذوها حجة لكن كثيرا من العلماء رحمهم الله إذا احتج عليه أحد بكون هذا الشيء فعل في عهد الرسول: قال: من يقول: إن الرسول علم به فأقره. نقول: نحن نوافقك على هذا وإننا لا نجزم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم به فأقره إلا بدليل، لكن هب أن الرسول لم يعلمه فإن الله قد علم به، ولا يمكن أن يقر الله العباد على خطأ، ولهذا لما بيت المنافقون ما بيتوا فضحهم الله فقال:{يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} [النساء: 108]. فهم لا يعلم بهم الرسول عليه الصلاة والسلام لكن علم بهم الله.
وعلى هذا فنقول: كل ما فعل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولم ينكره الله فهو حجة؛ لأننا نعلم أن الله لا يقر العباد على ضلال وخطأ، لكن في قضيتنا هذه هل الغالب أن الرسول علم بأن اللعاب يسيل على كتفه أو لا؟ الغالب أنه علم لا شك.
فإذا قال قائل: هب أنه لم يعلم، وأن الله سكت عن ذلك، وهذا على الفرض الذي لا يمكن أن يقع فإن الأصل هو الطهارة، وليس بنا حاجة إلى أن نأتي بدليل إيجابي يدل على الطهارة، طهارة ريق البعير؛ لأن الأصل الطهارة لكنه لا شك أنه إذا جاء الدليل مقررا لأصل - كان ذلك أبلغ في الحجة، وهل نقيس على هذا، ونقول: كل حيوان حلال فريقه طاهر؟
الجواب: نعم.
وعلى هذا فنقول: كل حيوان حلال فإن جميع ما يخرج منه يكون طاهرا ما عدا الدم المسفوح؛ لأن الدم المسفوح بنص القرآن أنه رجس لكن غير ذلك طاهر، البعر طاهر، والبول طاهر، والريح طاهر،
والمخاط طاهر، أي: أن كل حيوان مباح الأكل فإن ما يخرج منه من فضلات تعد طاهرة ما عدا الدم لوجود الدليل فيه.
لأي مناسبة ساق المؤلف هذا الحديث؟ لأن الباب هنا باب إزالة النجاسة وبيانها، فأراد رحمه الله بسياق هذا الحديث أن لعاب الإبل ليس بنجس. ثم قال:
طهارة المني:
25 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه.
- ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا، فيصلي فيه".
- وفي لفظ له: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه".
هذا الحديث فيه بيان حكم المني، والمني: هو الماء الدافق الذي يخرج من الإنسان بشهوة، فلابد أن يكون دافقا حتى يصلح عليه أنه مني صحة وليس من مرض؛ لأن المني قد يخرج من مرض، لكن الكلام هنا على المني الذي يخرج من الصحة، وهذا لا يكون إلا دافقا لقول الله تعالى:{فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق} [الطارق: 5، 6].
هذا الحديث تقول عائشة: إن الرسول يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا انظر إلى أثر الغسل، يعني: أنه يصلي فيه عليه الصلاة والسلام وهو لا يزال رطبا لم ييبس من غسله.
ذكر المني قد يوجب لنا أن نذكر ما يخرج من الذكر. الذي يخرج من الذكر أربعة أنواع:
المني، والمذي، والبول، والودي. أربعة أشياء كلها مختلفة، إلا الودي مع البول.
المني سيتبين لنا إن شاء الله من الحديث أنه طاهر موجب للغسل، المذي بين الطهارة والنجاسة ليس من النجاسات الثقيلة ولا من الطاهرة، وهو أيضا سبب الشهوة، لكنه لما كان لا يخرج حين اشتدادها وقوتها وإنما يخرج عند تذكر أو رؤية المرأة أو أشبه ذلك، ويخرج من دون أن يحس به الإنسان ولا يدري عنه إلا برطوبته، هذا بين بين جعله الشارع بين المني والبول، فهو يوجب غسل الذكر والأنثيين وإن لم يصيبها، ويوجب أيضا أن ينضح ما أصابه نضحا بحيث يغمر بالماء دون أن يتقاطر منه، ودون أن يعصر، ويفرق عن البول والودي لأن حكمهما واحد، كلاهما نجس، وكلاهما يغسل غسلا تاما بحيث يصب عليه الماء حتى يتقاطر ويفرك ويعصر.
تقول رضي الله عنها: "كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل" متفق عليه. قولها: "يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب"؛ أي: الثوب الذي فيه المني وغسله منه، وقولها:"وأنا أنظر" يحتمل أن تكون الجملة حالية؛ يعني: يخرج وأنا أنظر إليه أتبعه بصري، ويحتمل أنها استئنافية بمعنى: أنه يخرج خروجا غير مقيد بكونها تنظر إليه بل أنا أنظر إليه حين خروجه أو قبل خروجه، وعلى هذا فالحكم لا يختلف، وفي رواية لمسل:"لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه".
الفرك: هو الدلك إما بالأصابع أو مع الراحة أو ما أشبه ذلك، وقولها رضي الله عنها:"فركا" من باب التوكيد فهو مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد قال العلماء: إن فائدته نفي احتمال المجاز مع التوكيد، فقوله تعالى:{وكلم الله موسى تكليما} [النساء: 164].
{تكليما} : هذه مصدر مؤكد وفائدته نفي احتمال المجاز، يعني: على القول بأن المجاز واقع في القرآن، والصواب أنه ليس بواقع، وقولها:"فيصلي فيه" يعني: من غير غسل بل بالفرك، وفي لفظ:"لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه". وهذه طريقة أخرى بدل الفرك تحكه بظفرها، وهذا فيما إذا بقي له جرم تحكه بظفرها حتى تزول عينه بألا يرى، ومثل هذا قد يكون فيه شيء من الحياء والخجل إذا رؤي أثر المني على ثوب الإنسان.
أسئلة:
- ما الذي يؤخذ من حديث عمرو بن خارجة بالنسبة للحيوان؟ طهارة لعاب الحيوان المأكول وكل شيء يخرج منه ما عدا الدم المسفوح.
- إذا قال قائل: كيف نستدل بحديث عمرو بن خارجة وهو يحكي حكاية لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع عليه؟ كل ما وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فهو حجة؛ لأنه لو لم يعلم به فقد علم الله.
- هل هناك دليل في عمل الصحابة على استدلالهم بإقرار الله تعالى بالشيء؟ نعم، ودليله حديث جابر:"كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئا لأنكره الله". هل فيه دليل من القرآن على أنه لو كان منكرا لأنكره الله؟ قوله تعالى: {يستخفون من الناس} الآية.
فوائد الحديث:
في حديث عائشة رضي الله عنها في حكايتها في تقرير المني من فوائده: جواز التصريح بما يستحيا من ذكره عند الحاجة إليه؛ لقولها: "يغسل المني".
فإن قال قائل: كيف صرحت بذلك وهو مما يستحيا منه غالبا، ومما يتعلق بالاستمتاع بالنساء، وعلي رضي الله عنه استحيا أن يسأل النبي عن المذي حيث إنه يتعلق بالشهوة لأنه كان زوج ابنته؟
فالجواب عن ذلك أن يقال: إن الناس يختلفون في الحياء؛ فعلي معذور مع أنه رضي الله عنه لم يهمل الأمر، وكل من يسأل عنه، وعائشة معذورة لأنها تريد أن تبين حكما وشرعا.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي إزالة أثر المني، سواء قلنا بطهارته أو بنجاسته.
ومن فوائده: أن المني ليس بنجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله، فإن قال قائل: ولكنه غسله، فالجواب: أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم المجرد لا يدل على الوجوب، الوجوب يكون بالأمر وبعضهم قال: إن الفعل الدائم المستمر يدل على الوجوب وإن لم يأمر به، وهذا ليس من الشيء المستمر؛ لأنه أحيانا إذا يبس يفركه.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يمكن أن يقاس على المني كل ما يستحيا من رؤيته، فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله عن ثوبه فلو كان به أثر دم وإن قلنا بالطهارة؛ أو كان فيه أثر مخاط؛ أي: في الثوب فإنه ينبغي للإنسان أن يزيله؛ لأن هذا مما يستحيا منه وتتقزز النفوس منه، وبالتالي يكون نفس الذي اتصف به مكروها في طبائع الناس، وإن كان غير مكروه شرعا لكن الناس لا يجبون أن يروا هذا المذى على غيرهم.
ومن فوائد الحديث في لفظ مسلم: أن من العشرة بالمعروف أن تخدم المرأة زوجها لقولها رضي الله عنها: "لقد كنت أفركه".
فإن قال قائل: وهل خدمة الزوجة زوجها أمر واجب عليها؟
فالجواب: أن الله تعالى حكم بهذا حكما عدلا فقال: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19].
فإذا كان المعروف عند الناس أن المرأة تخدم زوجها وجب عليها أن تقوم بخدمته، وإذا كان المعروف أن الزوجة لا تخدم الزوج وأنها تستخدم الخادم لم يجب عليها أن تخدم الزوج، وإذا كان من المعروف أن تخدمه في شيء، دون شيء فعلى حسب المعروف ما جرت العادة أن تخدمه فيه وجب عليها أن تخدمه، وما لم تجر العادة به لم يجب عليها، كل هذا مأخوذ من كلمتين:{وعاشروهن بالمعروف} .
ومن فوائد هذا الحديث: جواز الاقتصار على فرك المني إذا كان يلبسا، وأنه لا يجب غسله، ولكن بعض الأشخاص يكون لمنيه أثر وإن فركوه فهل نقول: اغسل الأثر؟ الجواب: نعم، اغسله لئلا يتقزز الناس من رؤيته.
ومن فوائد هذا الحديث - أعني: رواية مسلم-: أنه كالصريح في طهارة المني؛ لأن النجس- ولاسيما ما كان له جرم- لا يكفي فيه الفرك؛ إذ إن الثوب يتشرب النجاسة، فالفرك لا يمكن أن يزيل عين النجاسة، وهذا يدل على أن المني طاهر وهو كذلك، بقي أن يقال - وهي مسألة ليست في الحديث-: إذا كانت النجاسة التي لها جرم على شيء أملس كالمرآة فهل يجزئ فيها الفرك إذا أزالها بالكلية؟ الصواب: أنه يجزئ؛ لأن القول الراجح أن النجاسة متى زالت بأي مزيل طهر المحل.
ومن فوائد هذا الحديث: زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا؛ حيث كان ثوبه الذي يصيبه المني يغسله ويصلي فيه، بمعنى: أنه لا يحتاج إلى ثوب للصلاة، وثوب للفراش، وثوب للبيت وما أشبه ذلك. فهل يقال: إنه لما أنعم الله علينا بالمال ينبغي لأن نعود إلى ذلك، وأن نجعل ثوب النوم هو ثوب الصلاة؟