المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وعلى هذا فنقول: المستحاضة تؤمر بالاغتسال لكل صلاة، وإذا شق - فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية - جـ ١

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌شرح مقدمة ابن حجر رحمه الله

- ‌كتاب الطهارة

- ‌1 - باب المياه

- ‌طهارة مياه البحر:

- ‌طهارة الماء:

- ‌كيف ينتقل الماء من الطهورية إلى النجاسة:

- ‌حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم:

- ‌النهي عن البول في الماء الدائم:

- ‌اغتسال الرجل بفضل المرأة والعكس:

- ‌ولوغ الكلب:

- ‌أقسام النجاسات:

- ‌ طهارة الهرة:

- ‌كيف تطهر المكان إذا أصابته نجاسة:

- ‌الحوت والجراد والكبد والطحال:

- ‌2 - باب الآنية

- ‌حكم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة

- ‌حكم اتخاذ أوعية من جلود الميتة:

- ‌حكم الأكل والشرب في آنية الكفار:

- ‌تضبيب الإناء بالفضة:

- ‌3 - باب إزالة النجاسة وبيانها

- ‌تحريم الخمر وأحكامها:

- ‌الحمر الأهلية وحكم نجاستها:

- ‌حكم طهارة لعاب الإبل:

- ‌طهارة المني:

- ‌حكم بول الجارية والغلام والفرق بينهما:

- ‌حكم دم الحيض ودم الاستحاضة:

- ‌4 - باب الوضوء

- ‌صفة الوضوء:

- ‌وجوب المضمضة والاستنشاق:

- ‌استحباب تخليل اللحية:

- ‌حكم الدلك:

- ‌صفة مسح الرأس والأذنين:

- ‌فضل إسباغ الوضوء:

- ‌استحباب التيمن:

- ‌المسح على العمامة وشروطه:

- ‌حكم البدء بالبسملة:

- ‌حكم الجمع بين المضمضة والاستنشاق بكف واحدة:

- ‌حكم ما يمنع وصول الماء في الوضوء:

- ‌أذكار الوضوء:

- ‌5 - باب المسح على الخفين

- ‌شروط المسح على الخفين:

- ‌صفة المسح على الخفين:

- ‌حقيقة السفر ومدة المسح للمسافر:

- ‌مدة المسح للمقيم:

- ‌حكم المسح على الخفين في الجنابة:

- ‌6 - باب نواقض الوضوء

- ‌حكم نقض الوضوء بالنوم:

- ‌عدم جواز صلاة الحائض:

- ‌الوضوء من المذي:

- ‌حكم نقض الوضوء بالقبلة:

- ‌خروج الريح:

- ‌مس الذكر:

- ‌القيء والرعاف والقلس:

- ‌حكم الوضوء من لحوم الإبل:

- ‌حكم من غسل ميتا:

- ‌حكم مس القرآن بغير وضوء:

- ‌هل يتوضأ من الحجامة:

- ‌حكم الوضوء من النوم:

- ‌التحذير من الوسواس في الوضوء:

- ‌7 - باب آداب قضاء الحاجة

- ‌تجنب دخول الخلاء بشيء فيه ذكر لله:

- ‌ دعاء دخول الخلاء:

- ‌الاستنجاء بالماء:

- ‌الأماكن المنهي عن التخلي فيها:

- ‌الكلام عند قضاء الحاجة:

- ‌النهي عن مس الذكر باليمين في البول:

- ‌النهي عن الاستنجاء باليمين:

- ‌النهي عن استقبال واستدبار القبلة بغائط أو بول:

- ‌ستر العورة أثناء قضاء الحاجة:

- ‌الدعاء بعد قضاء الحاجة:

- ‌ضرورة الاستجمار بثلاثة أحجار:

- ‌النهي عن الاستجمار بعظم أو روث:

- ‌الأمر بالاستنزاه من البول:

- ‌8 - باب الغسل وحكم الجنب

- ‌الجنابة من موجبات الغسل:

- ‌الاحتلام وأحكامه:

- ‌استحباب الاغتسال من تغسيل الميت:

- ‌حكم اغتسال الكافر إذا أسلم:

- ‌غسل يوم الجمعة:

- ‌حكم قراءة الجنب القرآن:

- ‌حكم نوم الجنب بلا وضوء:

- ‌صفة الاغتسال من الجنابة:

- ‌حكم المكث في المسجد للحائض والجنب:

- ‌جواز اغتسال الزوجين في مكان واحد:

- ‌9 - باب التيمم

- ‌التيمم من خصائص الأمة الإسلامية:

- ‌عدم صحة التيمم مع وجود الماء:

- ‌حكم التيمم من الجنابة وصفته:

- ‌بطلان التيمم بوجود الماء:

- ‌حكم التيمم للجروح عند مخالفة الضرر:

- ‌المسح على الجبيرة:

- ‌مسائل مهمة في المسح على الجبيرة:

- ‌10 - باب الحيض

- ‌الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة:

- ‌مباحث مهمة في الحيض:

- ‌علامة المستحاضة:

- ‌أحكام الاستحاضة:

- ‌حكم الاغتسال لكل صلاة للمستحاضة:

- ‌وجوب الوضوء لكل صلاة للمستحاضة:

- ‌حكم الكدرة والصفرة:

- ‌الاستمتاع بالحائض:

- ‌كفارة وطء الحائض:

- ‌أحكام تترتب على الحيض:

- ‌النفاس:

- ‌كتاب الصلاة

- ‌1 - باب المواقيت

- ‌استحباب التعجيل بالعصر وتأخير العشاء:

- ‌حكم الإبراد في صلاة الظهر:

- ‌الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها:

- ‌الفجر الصادق والفجر الكاذب:

- ‌الحث على الصلاة في أول الوقت:

- ‌2 - باب الأذان

- ‌صفة الأذان ومعانيه:

- ‌كيفية الأذان:

- ‌لا يشرع الأذان ولا الإقامة لصلاة العيد:

- ‌متابعة السامع للأذان:

- ‌صفة متابعة الأذان:

- ‌حكم أخذ الأجر على الأذان:

- ‌حكم الوضوء للمؤذن:

- ‌حكم إقامة من لم يؤذن:

- ‌فضل الدعاء بين الأذان والإقامة:

- ‌3 - باب شروط الصلاة

- ‌شرط الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر:

- ‌شرط ستر العورة وضوابطه:

- ‌شروط الساتر وضرورة طهارته:

- ‌مسائل مهمة:

- ‌شرط استقبال القبلة وضوابطه:

- ‌حكم صلاة المسافر على الراحلة:

- ‌شرط طهارة المكان وضوابطه:

- ‌الأماكن التي ينهى عن الصلاة فيها:

- ‌ حكم الكلام في الصلاة وضوابطه:

- ‌حكم الحركة في الصلاة وضوابطها:

- ‌4 - باب سترة المصلي

- ‌صفة السترة للمصلي:

- ‌الأشياء التي تقطع على المصلي صلاته:

- ‌فائدة السترة وحكمها:

- ‌حكم اعتبار الخط سترة:

- ‌مسألة الخط بالتلوين وهل يعتبر سترة

- ‌مسألة حكم العمل بخبر الآحاد والحديث الضعيف:

- ‌5 - باب الحث على الخشوع في الصلاة

- ‌النهي عن الصلاة بحضرة طعام:

- ‌حكم الالتفات في الصلاة وأنواعه:

- ‌حكم البصاق في الصلاة وضوابطه:

- ‌ وجوب إزالة ما يشغل الإنسان عن صلاته:

- ‌التحذير عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة:

- ‌النهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين:

- ‌6 - باب المساجد

- ‌وجوب تنظيف المساجد وتطييبها:

- ‌النهي عن اتخاذ القبور مساجد:

- ‌حكم دخول الكافر للمسجد:

- ‌حكم إنشاد الشعر في المسجد وشروطه:

- ‌حكم إنشاد الضالة في المسجد:

- ‌حكم البيع والشراء في المسجد:

- ‌حكم إقامة الحدود في المسجد:

- ‌تمريض المرضى في المسجد:

- ‌زخرفة المساجد وزينتها:

- ‌تحية المسجد:

الفصل: وعلى هذا فنقول: المستحاضة تؤمر بالاغتسال لكل صلاة، وإذا شق

وعلى هذا فنقول: المستحاضة تؤمر بالاغتسال لكل صلاة، وإذا شق عليها أن تغتسل للصلوات الخمس اغتسلت ثلاثة مرات، وتجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، لكن هذا الاغتسال ليس بواجب وإنما هو سنة كما سنذكر - إن شاء الله - وحينئذٍ نقول: إذا لم تغتسل فالأفضل أن تصلي كل صلاة في وقتها، فإن قالت إنه يشق عليها؛ قلنا لها: أن تجمع ولو تطهرت بالوضوء.

‌أحكام الاستحاضة:

132 -

وعن حمنة بنت جحشٍ قالت: «كنت أستحاض حيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه، فقال: إنما هي ركضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنفأت فصلي أربعةً وعشرين، أو ثلاثةً وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين. قال: وهو أعجب الأمرين إلي» . رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وحسنه البخاري.

قوله: «حيضة كثيرة» أي: في الكم. «شديدة» يعني: في الاندفاع، يعني: تطول مدتها وهي شديدة، أي: يخرج منها دم كثير.

قولها: «أستفتيه» أي: أطلب منه الفتيا، والنبي صلى الله عليه وسلم مفت، والله تعالى أيضا مفت، والفتيا: هي الإخبار عن حكم شرعي، وحينئذ يكون معنى «أستفتيه»: أي أطلب منه أن يخبرني بحكم شرعي فيما نزل بها، وقوله:«إنما هي ركضة» الركضة بمعنى: الدفعة، كما قال الله تعالى:{اركض برجلك} [ص: 42]. يعني: ادفع بها، «من الشيطان» يعني: أن الشيطان دفع الرحم، فنزل منه الدم، «فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي» ، «تحيضي» أي: اجلسي للحيض ستة أيام، أو سبعة، و «أو» هنا ليست للتخيير ولكنها للتنويع؛ لأن غالب النساء يجلسن ستة أيام أو سبعة، فتنظر إلى أقاربها هل عادتهن سبعة أيام أو ستة أيام، فتجلس كما هي عادة الأقارب، «ثم اغتسلي» بعد أن تحيضت ستة أيام أو سبعة وجوبًا؛ لأننا حكمنا بأن هذه الأيام الستة أو السبعة حيض.

ص: 384

قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا استنقأت فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين» «استنقأت» يعني: استنقأت من الحيض، وذلك بالاغتسال منه، «صلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين؟ » إن تحيضت سبعة أيام تصلي ثلاثًا وعشرين، وإن تحيضت ستة تصلي أربعا وعشرين، «وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك» «يجزئك» أي: يكفيك بالعمل لما يلزمك شرعا، «وكذلك فافعلي كل شهر» ، وقوله:«كذلك فافعلي» يعني: أن تجلسي ستة أيام أو سبعة تتحيضي، ثم بعد ذلك تغتسلي وتصلي، «كما تحيض النساء» ، يعني لأن الغالب أن النساء يحضن ستة أيام أو سبعة.

قوله: «فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين تطهرين وتصلي الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين؛ فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين» .

قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن استطعت» يعني: أن تقومي بهذا العمل وهو الاغتسال ثلاث مرات للظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والثالث للفجر، وقوله:«تؤخري الظهر، وتعجلي العصر» ؛ يعني: معناه تصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها. هكذا فسره بعض علماء الحديث، ويأتي الكلام عليه - إن شاء الله - في الفوائد.

قال: «تغتسلين مع الصبح وتصلين» قال: «وهو أعجب الأمرين إلي» ، ما الأمر الأول؟

الأمر الأول: أن تغتسل مرة واحدة، متى؟ عند انتهاء الحيض، وبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة.

الأمر الثاني: أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة، لكن للمشقة تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيكون قوله:«أعجب الأمرين إلي» يعني: أن تجمع وتغتسل، والأمر الآخر ما هو؟ أن تغتسل مرة واحدة عند انتهاء الأيام الستة أو السبعة.

يستفاد من هذا الحديث فوائد:

أولًا: أن الاستحاضة تعددت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في النساء؛ لأن الأولى من هي؟ فاطمة بنت أبي حبيش، وهذه حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وقد ذكر بعض العلماء أن اللاتي استحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بلغن تسعًا من النسوة، وعدهن.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لجاهل أن يستفتي العالم، بل يجب عليه، لكن

ص: 385

الوجوب لا نأخذه من هذا الحديث، إنما نأخذه من أدلة أخرى مثل قوله تعالى:{فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [الأنبياء: 7].

ومن فوائد هذا الحديث: جواز إطلاق الفتيا في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: أنه يصح أن نقول: إن الرسول مفت، وهذا أمر لا إشكال فيه؛ لأنه إذا جاز في حق الرب عز وجل فجوازه في حق الرسول من باب أولى، أليس الله تعالى يقول:{ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن} [النساء: 127]. {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176].

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على بني آدم تسليطًا حسيًا، لكن التسليط المعنوي واضح؛ يعني: إلقاء الوسوسة في القلب بالوساوس الخبيثة الرديئة هذا ثابت ولا إشكال فيه، لكن هذا تسليط حسي؛ لأن كونها تمرض بركضة من الشيطان يدل على أن للشيطان تسلطًا، وهو كذلك؛ ولذلك إذا ولد المولود فإن الشيطان يضرب في خاصرته ولذلك يبكي عند الولادة كما جاء في الحديث:«إذا استهل المولود صارخًا ورث» . وربما يكون أيضًا من تسليط الشيطان أن يغفل حتى يقع في حفرة أو يضربه حجرًا أو ما أشبه ذلك، وهذا يقع كثيرًا يكون الإنسان ذكيًا فطنًا لكن لا يدري في يوم من الأيام إلا وهو قد صدم جدارًا أو وقع في حفرة، أو صدم حجرًا في غفلة منه، وهذا يمكن أن يكون من تسلط الشيطان يغفله حتى يوقعه في هذا الضرر، وقد قال غلام موسى لموسى:{فإن نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره} [الكهف: 63].

ومن فوائد هذا الحديث: رجوع المستحاضة إلى عادة النساء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «كما تفعل النساء» ، ولكن متى يكون هذا؟ يكون في المرأة التي ليس لها عادة ولا تمييز فهذه ترجع إلى عادة النساء، ولكن من أين تبتدئ من نصف الشهر، من أوله، من آخره؟ تبتدئ من أول يوم أتاها الدم فيه، مثلًا إذا كان أتاها أول مرة في اليوم العاشر من الشهر يكون الشهر الثاني تجلس من اليوم العاشر ستة أيام أو سبعة، وإن أتاها من أول يومٍ من الشهر جلست من أول يوم، فإن نسيت متى أتاها تبتدئ من أول الشهر الثاني؛ مثلًا هي علمت بأنه أتاها الحيض في محرم واستحيضت من حين أتاها الحيض لا عادة ولا تمييز، ولكنها تقول: لا أدري هل أتاني في أول الشهر أو وسطه، أو آخره، تجعله من أوله ممن باب الاحتياط {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16].

ومن فوائد هذا الحديث: أن الصوم والصلاة يحرمان على الحائض لقوله: «وصومي وصلي» ، وهذا أمر مجمع عليه، وظاهر هذا الحديث أنها لا تصوم حتى تغتسل وتستنقي؛ لأنه

ص: 386

قال: «فإذا استنقأت أربعًا وعشرين فصومي وصلي» ، لكنه باعتبار الصوم غير مراد؛ لأن الحائض يصح منها أن تصوم إذا طهرت من الحيض قبل الاغتسال كامرأة طهرت قبل الفجر بربع ساعة، ولم تغتسل إلا بعد الفجر فهل لها أن تشرع في الصوم قبل الاغتسال؟ الجواب: نعم؛ لأن شأنها حينئذٍ كشأن الجنب، والجنب قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصبح صائمًا وهو جنب من جماع، صلوات الله وسلامه عليه.

ومن فوائد هذا الحديث: أن عادة النساء قد تكون ستة أيام، أو سبعة، وهل المرأة مخيرة بين هذا وهذا؟ الجواب: لا؛ لأن تخييرها مشكل لأنها في اليوم السابع إما أن نقول: إن الصلاة حرام عليها، أو نقول: واجبة عليها، وهذا تناقض، إذن كيف نعمل والرسول يقول: هذا أو هذا، نقول:«أو» هنا للتنويع وعليها أن تنظر إلى عادة نسائها، إما ستة أو سبعة وتعمل بذلك.

ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى الغالب، وهل يتناول هذا جميع الأحكام؟ الجواب: نعم، فمثلًا رجل حلف ألا يفعل شيئًا وفعله، ولكنه شك هل هو استثنى في الحلف وقال: إن شاء الله أو لا؛ لأنه إن استثنى فلا حنث عليه، وإن لم يستثن فقد حنث، وعليه الكفارة، نقول: انظر إلى الغالب، ما هو غالب أيمانك، هل الغالب أنك إذا حلفت استثنيت فالحكم للغالب، وأما إذا كان الغالب ألا تستثني أو ترددت أيهما أغلب فإنه تجب عليك الكفارة؛ لأن الأصل عدم الاستثناء.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الغالب في النساء أن يحضن في كل شهر مرة؛ لقوله: «فافعلي كل شهر» ، وهذا هو الواقع أن الغالب في النساء أن يحضن كل شهر مرة، ويدل لذلك أن الله جعل عدة المطلقة التي تحيض ثلاث حيض، وعدة من لا تحيض ثلاثة أشهر، وهذا يدل على أن الحيض يأتي النساء في كل شهر.

ومن فوائد هذا الحديث: أن المستحاضة مخيرة بين أمرين، إما أن تغتسل عند انتهاء الحيض حكمًا، متى يكون هذا؟ إذا مرت ستة أيام أو سبعة، ثم تتوضأ لكل صلاة، وإما أن تغتسل لكل صلاة، ولكن فيما إذا طلبنا منها أن تغتسل لكل صلاة ينبغي لها أن ترفق بنفسها، وذلك بأن تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء.

ومن فوائد هذا الحديث: بيان صراحة نساء الصحابة رضي الله عنهم حيث قالت حمنة: «كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة» ، ولقد قالت عائشة رضي الله عنها:«نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين» .

ص: 387

قالت ذلك حين قالت أم سليم: «يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا احتملت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء» .

ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل البناء على ما كان معروفاً؛ بمعنى: أن الدم الأصل فيه أنه حيض، ولذلك قالت:«أستحاض حيضة كثيرة شديدة» ، ولم تقل: استحاضة، قالت: حيضة؛ لأنها بنت على الأصل أنها حيض، ولذلك كانت لا تصلي رضي الله عنها، وسيأتي بيان الفائدة التي تستنبط من هذا.

ومن فوائد هذا الحديث: أن مرجع الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستفتاء، يعني: لا يحاولون أن يجتهدوا ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم حيا بينهم، ويترتب على هذه الفائدة أن المرجع بالنسبة إلينا هو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والكتاب.

ومن فوائد هذا الحديث: أن الشيطان قد يسلط على الإنسان تسليطًا حسيًا؛ لقوله: «إنما هي ركضة من الشيطان» وهذا واقع، فالشيطان قد يؤثر على الإنسان تأثيرًا حسيًا، كما في فعله في الإنسان حين الولادة، فإن المولود إذا سقط خرج فإن الشيطان يطعنه في خاصرته.

وكذلك أيضًا من التسلط الحسي: إلقاء الخيلات في قلب الإنسان، وأحيانًا في بصره يرى ويشاهد أشياء لا حقيقة لها، من أجل أن يدخل عليه الروع والخوف والحزن، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله:{إنما النجوى من الشيطان ليجزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله} [المجادلة: 10]. والآية التي سبقتها الآن تدل على أن الشيطان قد يباشر أذية الإنس، وقط يسلط أعداءه على أذيته لأن الذين يتناجون ليسوا شياطين هم بنو آدم، لكن يتناجون من أجل أن يحزنوا المؤمنين وذلك بأمر الشيطان.

ومن فوائد هذا الحديث: الرجوع إلى عادة النساء، ويترتب على ذلك العمل بالعرف الشائع بين الناس فيما لم تأت الشريعة بتحديده وهو كذلك.

ومن فوائد هذا الحديث: وجوب الاغتسال على المستحاضة إذا تحيضت ستة أيام أو سبعة، وهذا الحديث - حديث حمنة - في أي المستحاضات؟ فيمن ليس لها عادة ولا تمييز.

ومن فوائد هذا الحديث: أنه لا يجب الاغتسال لكل صلاة؛ لأنه قال: «ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي» ، وقال:«إن ذلك يجزئك» ولم يذكر الغسل، وهذا أحد الأمرين، والأمر الثاني سيأتي إن شاء الله.

ومن فوائد هذا الحديث: أن العادة الغالبة في النساء أن تحيض كل شهر لقوله صلى الله عليه وسلم: «فافعلي كل شهر كما تحيض النساء» ، وهو كذلك، ومن النساء من تحيض في الشهر مرتين، وقد

ص: 388

تحيض في الشهر ثلاث مرات لكن هذا نادر وقليل، وقد لا تحيض في الشهر بل تحيض في الشهر الثاني، وهو أيضًا موجود لكنه قليل.

ومن فوائد هذا الحديث: جواز الجمع من المستحاضة؛ لأنه يشق عليها أن تغتسل لكل صلاة بدون جمع، لو قلنا: تغتسل لكل صلاة بدون جمع لاغتسلت خمس مرات، فإذا قلنا: بالجمع لاغتسلت ثلاث مرات.

ومن فوائد هذا الحديث: ما ذهب إليه بعض العلماء من ثبوت الجمع الصوري؛ أي: أن الإنسان يصلي كل صلاة في وقتها، لكن كل صلاة قريبة من الأخرى فيكون جمعًا صوريًا؛ لأنه صلى كل صلاة في وقتها، فلم يجمع الصلاتين في وقت واحد منهما، بل صلى كل صلاة في وقتها، لكنه أخر الأولى وعجل الثانية، ولا يلزم من هذا أن تكونا متواليتين، قد يؤخر هذه في آخر الوقت ويعجل هذه في أول الوقت، ويكون بينهما فاصل، فإذا قيل بالجمع الصوري في مثل هذا، بمعنى: أن يكون بينهما فاصل، فإنه ممكن؛ يعني: يمكن أن يقال بالجمع.

وأما ما قيل بالجمع الصوري مع الموالاة فهذا لا يمكن؛ لماذا لا يمكن؟ لأن الجمع الصوري معناه: أن تؤخر الصلاة - صلاة الظهر - إلى آخرها إلى أن يصير ظل كل شيء مثلها، ثم تعجل العصر، ومن الذي يرقب الشمس حتى يصير ظل كل شيء مثله؟ لو قلنا باللزوم لكان هذا أشق من أن يصلي كل صلاة في وقتها المتسع؛ ولهذا الجمع الصوري - كما ذكرنا لكم - إن كان المراد: أنه لا موالاة بينهما لكن الأولى يصليها في آخر الوقت، والثانية يصليها في أول الوقت، فهذا ممكن.

وأما إذا قيل: جمع بالموالاة؛ فهذا لا يمكن، وأشق من ذلك المغرب والعشاء متى يدخل وقت العشاء؟ بعد مغيب الشفق، ومن الذي يرقب مغيب الشفق حتى يدع صلاة المغرب آخر شيء قبل مغيب الشفق، ويجعل صلاة العشاء أول شيء، هذا صعب جدًا، ولاسيما إن قلنا في الشتاء؛ لأنه يلزمه أن يطلع إلى السطح أو أن يخرج إلى البرية من أجل أن يعرف متى يغيب الشفق.

على كل حال: الجمع الصوري الذي ذهب إليه بعض الناس واستدل بهذا الحديث نقول: إن كان المراد مع التفريق دون اشتراط الموالاة، فهذا ممكن، أما مع اشتراط الموالاة فهذا لا يمكن.

ولكن القول الراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الجمع حتى الحقيقي إذا كان هناك مشقة ولسنا نستدل على هذا بحديث حمنة، ولكن بحديث ابن عباس رضي الله عنها حين قال:«جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر» ، قالوا: ما

ص: 389