الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم صلاة المسافر على الراحلة:
204 -
وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي راحلته حيث توجهت به» . متفق عليه. زاد البخاري: «يومئ برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة» .
يقول عامر: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .... إلخ» . والرؤية هنا رؤية عين، وليست رؤية قلب، وقوله:«يصلي على راحلته» ؛ أيك مركوبه، يحتمل أن يكون على حمار، وأن يكون على بعير، «حيث توجهت» (حيث) ظرف زمان لكنها هنا للمكان، «حيث توجهت» يعني: إلى أي مكان توجهت.
وزاد البخاري: «يومئ برأسه» يعني: عند الركوع والسجود، ولم يبين كيف الإيمان، ولكن الأحاديث الأخرى بينت أنه يجعل السجود أكثر من الركوع؛ لأن هذا هو الواقع أن السجود يقع الإنسان على الأرض، والركوع يكون على ركبتيه، «ولم يكن يصنعه» أي: يصلي على الراحلة، «في المكتوبة» أي: في الفريضة.
ففي هذا الحديث: دليل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة؛ لأن عامر بن ربيعة إنما ذكره للاستدلال به.
ومن فوائده: أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مخصص للدليل القولي، أين الدليل القولي؟ {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام} [البقرة: 149]. وهذا الدليل فعلي؛ إذن نأخذ قاعدة أصولية فقهية: أن الدليل الفعلي مخصص للدليل القولي.
ومن فوائدها هذا الحديث: جواز الصلاة على الراحلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يفعل شيئًا محرمًا لأنه مشرع؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم أقوى الناس ورعًا فلا يمكن أن يفعل شيئًا محرمًا، إذن فيستفاد منه: جواز الصلاة على الراحلة.
ومن فوائد هذا الحديث: طهارة الحمار، والبغل، والفرس، والبعير، وهذه قد ينازع فيها من ينازع، إلا لو صرح عامر بأنه على حمار، لكن قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يركب الحمار كما في حديث معاذ، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال: «ما تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله» .
وهذا يدل على طهارة الحمار، لأن الحمار لا يخلو من عرق، لا سيما في أيام الصيف، وفي المسافات الطويلة، وفي عجلة السير، فإنه لابد أن يعرق ولابد أن يصيب العرق الراكب، وفي
ذلك أيضًا قد يكون هناك أمطار توجب بلل الحمار، وبلل ثياب الراكب، وهذا القول - أعني: القول بطهارة الحمار - هو الراجح، ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة:«إنها ليست بنجس» ، وعلل هذا بأنها من الطوافين عليكم. الله عز وجل له الحكم؛ فقد يحكم بطهارة الشيء مع كونه خبيثًا لا يؤكل من أجل التخفيف على العباد، ولا شك أن طواف الحمار والبغل عند راكبيه أكثر من طواف الهرة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهذا القول هو الراجح: طهارة البغل والحمار، البعير متفق عليه أنها طهارة لأنها حلال، ولو كانت نجسة ما حل أكلها.
ومن فوائد هذا الحديث: أن المسافر يصلي على راحلته حيث توجهت به، إلى الجهة التي توجهت به يتوجه إليها.
فإن قال قائل: لو صلى إلى غير الجهة فهل تصح صلاته؟
في ذلك تفصيل: إن كان إلى القبلة صحت لأنها هي الأصل، وإن كان إلى غير القبلة لم تصح؛ لأنه لم يتجه إلى قبلة أصلًا ولا فرعًا. مثال ذلك: رجل يسير باتجاه الشمال، فرأى على يمينه شجرة، أو متاعًا أو ما أشبه ذلك، فعطف بالراحلة إليه لا لأنه جهة سيرة لكن لينظر ما هذا؛ فنقول: إن الصلاة لا تصح تبطل إلا إذا كان الاتجاه إلى القبلة فيصح؛ لأن القبلة هي الأصل فقد عدل عن الفرع إلى الأصل ولا يضر.
ولو أن البعير أو الراحلة على الأعم عصفت به فاتجه إلى غير القبلة وهو يحاول أن يردها لكنها أبت عليه هل تصح صلاته؟ نعم؛ لأن هذا أمر معتاد أن الراحلة قد تعصف بالراكب وتوجهه إلى غير جهته فلا يضر لاسيما إذا كان ذلك يسيرًا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن فرض الراكب في الركوع والسجود هو الإيماء؛ لأنه لا يستطيع أن يصلي يركع ولا يسجد، لاسيما فيما سبق من الرواحل، إما حمار، أو بعير، أو فرس، أو بغل، ولا يتمكن، فهل نجعل هذا الحكم حتى مع القدرة على الركوع والسجود، أو نقول: حال العجز؟ الظاهر الثاني، أنه حال العجز، وأنه إذا أمكن أن يركع ويسجد وجب عليه أن يركع ويسجد كما لو كان في سفينة، مع أنه في السفينة قد نقول: لابد من استقبال القبلة؛ لأن المكان واسع ويمكن أن يتوجه يمينًا وشمالًا وحيث شاء.
ومن فوائد هذا الحديث: التيسير على المكلف في فضائل الأعمال؛ لأنه لا شك أن هذا من التيسير، إذا كان الإنسان يريد أن يتنفل ويتطوع لا نلزمه أن ينزل ويتطوع على الأرض، بل نقول: تطوع على راحلتك وهي تسير بك.
ومن فوائد هذا الحديث: أن هذا لا يجوز في المكتوبة لقول عامر: «ولم يكن يصنعه في المكتوبة» ، وعلى هذا فإذا كان لا يصنعه في المكتوبة بقي الاستقبال في المكتوبة على الأصل أنه لابد أن يتجه إلى القبلة، لكن سبق لنا أن استقبال القبلة يسقط عند العجز وعند الخوف فلينقل إلى هنا.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل تساوي الفرض والنفل، ووجهه: أنه لولا ذلك لم يكن للاستثناء ضرورة؛ لأنه يقال: إنما ورد التخصيص في النافلة فتبقى الفريضة على الأصل فيأتي إنسان ويقول: نعم يبقى الأصل لكن يمكن أن نقيس ونقول: إن الفريضة كالنافلة؛ لأن ما يثبت في النفل ثبت في الفرض، فلما نفى الصحابي رضي الله عنه أنه لا يصلي عليها المكتوبة علمنا أن الأصل تساوي الفرض والنفل إلا بدليل.
إذن نقول في هذه المسألة: تختلف الفريضة عن النافلة، فإذا قال قائل: ما الحكمة؟ قلنا: الحكمة في هذا تنشيط الإنسان على التطوع؛ لأننا لو قلنا له: لابد أن تنزل وتصلي في الأرض لم يفعل، قال: هذه نافلة ولا حاجة للصلاة، فمن أجل تنشيط الإنسان على التطوع رخص له أن يتطوع على راحلته، هناك فروق بين الفرض والنفل أمليناها عليكم سابقًا أظنها تبلغ العشرين أو تزيد. قال:
205 -
ولأبي داود: من حديث أنس رضي الله عنه: «وكان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة، فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه» . وإسناده حسن.
قوله: «كان إذا سافر» كلمة «سافر» أي: فارق محل إقامته؛ لأنه مأخوذ من إسفار، كأنه تخلى عن القيد، وهو الإقامة في محله، فالسفر مفارقة محل الإقامة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح ولا ضعيف أنه محدد بأميال، أو فراسخ، أو برود، وإنما جاء مطلقًا، والأصل فيما جاء مطلقًا أن يرجع فيه إلى الشرع، فإن وجد له مقيد عمل به، وإن لم يوجد رد إلى العرف، هذه القاعدة، وإذا تأملنا الكتاب العزيز وجدنا أن الله تعالى يقول:{وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101]. وقال - جل وعلا -: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20]. والذي يضرب في الأرض ابتغاء الرزق والتجارة قد يبعد سفره وقد يقترب، المهم أنه لا تحديد في الكتاب ولا في السنة، وإنما هي قضايا أعيان. «كان إذا سافر
…
كذا وكذا صلى ركعتين» ، وهذا ليس قيدًا، لكن بيان للواقع؛ أي: قضية عين.
ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على الفقهاء الذين يحددون بالمسافة، وقال: أين الذين يقدرون هذه المسافة التي تقدر بالأميال والفراسخ، ثم الأذرع، ثم الأصابع، ثم الشعير، ثم الشعرة، فمن يقدرها؟ أين المساحون الذين يصلون إلى هذه الدقة، ثم كيف يمكن أن نقول: رجلان بينهما كشعرة البرذون: الذي وراءها يكون مسافرًا، والثاني مقيم؛ يعني: لو اضطجع على الحد صار رجلاه مقيمة ورأسه مسافر، فأين هذا الدليل؟ وما ذهب إليه رحمه الله لا شك أنه هو المتعين، ليس عندنا دليل على التقدير، والتقدير يحتاج إلى توقيف من الشرع، يعني: لو جاء من الشرع أربعة فراسخ، أو أربعة برد، أو ما أشبه ذلك، قلنا: لا بأس، على العين والرأس، ولكننا نقارب، نقول: هذه المسافة ذراعين، أو ما أشبه ذلك لا يضر؛ لأننا نعلم يقينًا أن الشرع لا يمكن أن يقدر إلى هذا الحد، إنما الذي يعكر على القول بهذا هو عدم الانضباط؛ لأنه قد يقول بعض الناس: هذا سفر، وبعضهم يقول: ليس بسفر، لكنه رحمه الله قال: المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والزمن الطويل في المسافة القصيرة سفر، والضابط: أن كل ما يتهيأ له الإنسان ويستعد له فهو سفر، فبقطع النظر عن المقومات الموجودة في العهد الحاضر؛ لأن الآن أي إنسان يسافر لو أبعد ما يكون فإنه لا يحتاج إلى حمل متاع ولا إلى قرب الماء ولا غيره، ولكن في التقدير أنت لو ذهبت مثلًا عن بلدك مسافة فرسخ لكنك رجعت في يومك هل تستعد لهذا؟ لا، لكن لو بقيت يومين أو ثلاثة استعددت له؛ ولهذا قال أنس:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» . ولنجعلها فراسخ لأنها أبعد، وإذن «إذا سافر» بماذا نحدده؟ نحدده بالعرف، لماذا؟ لأن كل ما جاء مطلقًا ولم يحدد بالشرع فإنه يرجع فيه إلى العرف. هذه القاعدة، هذه واحدة.
ثانيًا: أن التقدير يحتاج إلى توقيف من الشرع يحدده فإذا لم يوجد بقي على إطلاقه.
ثالثًا: أن التقدير الدقيق الذي قاله الفقهاء رحمهم الله يجزم الإنسان جزمًا لا شك فيه أن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول: «فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة» ، «فأراد أن يتطوع»؛ أي: يصلي نافلة.
فإن قال قائل: أليست الفريضة تطوعًا؟
فالجواب: بلى، لكن لا مانع أن نخص العام بشيء من أنواعه، ومن المعلوم أن الفريضة هي أعلى أنواع الطاعة كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء
أحب إلي مما افترضته عليه». «استقبل بناقته القبلة» ؛ أي: صرفها إلى القبلة، «فكبر» أي: تكبيرة الإحرام. «ثم صلى حيث كان وجه ركابه» ؛ يعني: بقية الصلاة تكون حيث كان وجه ركابه.
في هذا الحديث زيادة على ما سبق من حديث عامر؛ لأن ظاهر حديث عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصلاة من أولها إلى آخرها حيث توجهت به ناقته، وهذا يدل على أنه يبتدئ الصلاة أولًا مستقبل القبلة، ثم يصرفها، ولا شك أن هذا فيه نوع من المشقة، لاسيما إذا كانت الراحلة ليست حينذاك كونها ذلولًا، إن هذا قد يصعب، فهل نأخذ بظاهر حديث عامر لأنه أصح وأيسر للأمة، والمسألة كلها مبنية على التيسير هذا هو الأرجح، ونقول: إن صح ما رواه أبو داود عن أنس فإنه على سبيل الاستحباب مع التيسير، يعني بشرط أن يتيسر، فإذا لم يتيسر عادت الرخصة صعوبة، وقد أخذ بهذا الفقهاء رحمهم الله، وقالوا: يجب أن يكون افتتاح الصلاة إلى القبلة استدلالًا بحديث أنس، والصواب أنه لا يجب، وأنه إن تيسر لإنسان فليستقبل القبلة عند التكبير، وإلا فلا؛ لأنه من الناحية النظرية أي فرق بين الركن الأول والركن الذي يليه؟ لا فرق، صحيح أن تكبيرة الإحرام لا تعقد الصلاة إلا بها، وأنها مفتاح الصلاة، ولكن هذا لا يوجب أن نلزم الناس أن يتوجهوا إلى القبلة عند التطوع. انتهى الكلام على الشرط الثالث «استقبال القبلة» .
أسئلة:
- كم صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس؟
- هل كان استقبال القبلة برغبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما الدليل؟
- في الآية: {قد نرى تقلب وجهك
…
} ما يدل على الأدب الرفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف ذاك؟
- يسقط وجوب استقبال القبلة في مواضع، ما هي؟
- ما الذي يفيده استثناء الصحابي رضي الله عنه أنه كان لا يصنعه في الفريضة؟
- لو صلى المسافر النافلة إلى جهة غير سيرة تصح الصلاة أو لا؟
- هل يشترط أن يكون السفر سفر طاعة؟
***