الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم إن الإنسان أحيانا تأخذه الغيرة إذا رأى المعاصي والمنكرات فيغضب، نقول: جزاك الله خيرا الغيرة لا شك أنها مطلوبة، ومن لا غيرة عنده فقلبه ميت، لكن هل أنت تريد أن تطفئ نار الغيرة بما يصدر منك من قول جاف أو فعل نكد، أو تريد أن تصلح الخلق؟ الثاني هو الذي يجب أن يكون.
وإذا كان المقصود الإصلاح فيجب أن أسلك أقرب طريق إلى الإصلاح، أنا عندما أرى رجلا عاصيا لا شك أني أكره المعصية وأكره المعصية لهذا الشخص أيضا، لكن كيف نعالج هذا؟ هل الإنسان إذا وجد شخصا فيه ورم هل يأتي بالسكين السيئة ويشقه ويدعه يهراق دما، أو أنه يأتي بألطف مما تحصل به العملية وينظفه؟ الثاني، والأدواء المعنوية كالأدواء الحسية يجب علينا - لا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه المعاصي- أن نستعمل أرفق ما يكون بقدر ما يستطيع الإنسان، صحيح أنه بشر قد يثور ويغضب ويتألم لكن يجب أن يهدئ نفسه لأنه يريد إصلاح الغير.
إذن نقول: هذا الدين - والحمد لله- يسر من جميع جوانبه، والمقصود إصلاح الخلق بأي وسيلة، وهذا التشريع في الهرة يدل على ذلك في مثل أشياء تعتاد المنازل ويكثر ترددها من طيور محرمة مثلا هذه الطيور المحرمة التي يكثر وجودها في البيوت حكمها حكم الهرة، أما إذا كانت لا تأتي إلا نادرا وليست من الطوافين؛ فكما قلت لكم كل محرم الأكل فهو نجس، إلا أنه يستثنى شيء واحد ما ليس له دم من الحشرات ليس بنجس، هذا طاهر حيا وميتا.
كيف تطهر المكان إذا أصابته نجاسة:
ثم قال:
10 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء؛ فأهريق عليه: . متفق عليه.
هذا الحديث فرد من أفراد القاعدة التي ذكرناها وهي التيسير واستعمال اللين، يقول:"جاء أعرابي" والأعرابي: هو ساكن البادية، والغالب على سكان البادية الجهل، لكن نبشركم أنهم الآن - الحمد لله- عندهم علم كثير بواسطة الإذاعات يسمعون إذاعات ويفهمون المعاني، وصار عندهم وعي كثير، لكن بالأول كانوا لا يتصلون بالناس ولا سيما النساء منهم والصغار والكبار والذين يأتون إلى البلاد تجده يبيع سلعته ويمشي، عندهم جهل كثير، هذا الأعرابي
ساكن البادية دخل المسجد، ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام بعضه مسقف وأكثره مفتوح - برحة- حتى إنه تضرب فيه الخيام.
الرجل دخل المسجد فانحاز إلى طائفة منه - أي: إلى جانب من المسجد- فجعل يبول قياسا على البر، هو في البر متى يحتاج جلس وقضى حاجته، فجلس يبول والصحابة رضي الله عنهم رأوا هذا منكرا عظيما وهو منكر صاحوا به زجروه كيف يفعل المنكر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي الرحمة والحكمة أمرهم أن يكفوا عن ذلك؛ لأن النهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة نهاهم، قال:"لا تزرموه" يعني: لا تقطعوا عليه بوله، دعوه يبول؛ لأن قطع البول ليس بالأمر الهين صعب، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قضى بوله دعاه النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أن يراق على البول ذنوبا من ماء من أجل أن يطهر، لما طهر المكان زالت العلة، تنجس المكان فدفعت النجاسة زالت العلة.
بقي علينا الآن قضية الأعرابي، الأعرابي دعاه النبي عليه الصلاة والسلام ولم يوبخه ولم يكفهر في وجهه، بل قال له:"إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر"، ثم بين له أنها بنيت للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن، أو كما قال.
الأعرابي اطمأن، انشرح صدره، الصحابة رضي الله عنهم زجروه، والرسول عليه الصلاة والسلام كلمه بكلام معقول يفهم ويطمئن إليه، المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر لماذا بنيت؟ للصلاة والذكر وقراءة القرآن، أو كما قال.
الأعرابي انشرح صدره أو كما يقول العامة: "انبسط" فقال: "اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا" على فطرته؛ "ارحمني ومحمدا"؛ لأن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يزجره ولم يوبخه، بل كلمه بكلام رقيق مفهوم معقول، "ولا ترحم معنا أحد"، لمن يشير؟
الظاهر: أول ما يشير يكون الصحابة؛ لأن الصحابة زجروه ومع ذلك لم ينكر عليه الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه يعرف أن هذا ما صدر عن بغض ولا عن كراهية لكن أناس زجروه وأرادوا أن يقوم من بوله فيتضرر، فقال هكذا.
في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: جهالة الأعراب وأنهم أهل الجهل، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم في آخر التوبة:{الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم} [التوبة: 97، 98]. هذان قسمان.
{ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم} [التوبة: 99]. لكن الغالب على الأعراب هو الجهل، ومن ثم
نرى أنه من الحاجة الشديدة أن طلبة العلم يجوبرن الفيافي من أجل أن يذكروا هؤلاء الأعراب ويبصرونهم، لاسيما إذا كان طالب العلم معروفا عندهم يقبلون قوله.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجب تطهير أرض المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يراق عليه.
ومن فوائده: تحريم البول في المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر إنكار الصحابة على الأعرابي وإنما قال:"لا تزرموه".
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب المبادرة بإنكار المنكر، لماذا؟ لأن الصحابة بادروا بإنكار المنكر، لكن نقول في هذه المسألة ما لم يكن تأخيره أصلح فإن كان تأخيره أصلح كان أولى، فهذا الأعرابي بقي يبول في المسجد؛ لأنه أصلح.
وبناء على ذلك لو أننا رأينا شخصا عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام يدعو النبي: يا محمد، يا محمد، يا محمد ارزقني، افعل
…
افعل
…
هل نصيح به؟ ما نصيح ب ندعه، وإذا انتهى أمسكناه وقلنا: يا أخي، أقول: يا أخي، لأن هذا لم يكفر هذا جاهل، وإلا ما قلت: يا أخي وهو مشرك، هذا لا يصلح ما يستقيم، دعاء غير الله غلط، ما أقول شرك حتى يطمئن أكثر، أرأيت هل الرسول أقدر على أن يجيبك أو الله أقدر؟
هو سيقول: الله، إذا كان يقول: الله، نقول: أجل، ادع الله وحده لا تدع الرسول عليه الصلاة والسلام ادع الله فهو خير لك من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يملك لنا ضرا ولا رشدا، ولا يعلم الغيب، ولا يقول: إني ملك، فادع الله وحده، حينئذ إذا اطمأن وارتاح نبين له أن هذا شرك، وأنه لو مات على ذلك لكان من أهل النار.
ومن فوائد هذا الحديث: حسن رعاية النبي صلى الله عليه وسلم للأمة، وذلك أنه نهى الصحابة أن يزجروه لما يترتب على قيامه من بوله من المضار، فمن المضار أنهم يقطعون عليه بوله، وقطع البول مع استعداده للخروج ضرر يضر المثانة ويضر مجاري البول، وأيضا لو قام فهو بين أمرين: إما أن يبقى مكشوف العورة وحينئذ تنكشف العورة أمام الناس، وإما أن يسترها وحينئذ يتلوث ثوبه أو إزاره أما ما أشبه ذلك، وإن بقي أيضا رافع الثوب والبول ينزل تنجس بذلك مساحة أكثر.
ومن فوائد الحديث: أن الأرض لا تطهر إلا بالماء؛ يعني: فلا تطهر بالشمس والريح، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يراق على بوله ذنوب ما ماء.
وقال بعض أهل العلم: إن الأرض تطهر بالشمس والريح، وأجابوا عن الحديث بأن النبي
صلى الله عليه وسلم أراد المبادرة بالتطهير؛ لأنه لو تركها حتى تطهر بالشمس والريح، قد تبقى يومين أو ثلاثة أو أكثر، وإزالة النجاسة من المسجد واجبة على الفور، وهذا لا يحصل إلا بالماء.
ومن فوائد هذا الحديث: أن تطهير المساجد من النجاسة فرض كفاية، وجهه: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرهم ولم يشارك، ولو كان فرض عين لكان هو أول الفاعلين له لكنه فرض كفاية، وعلى هذا فمن رأى نجاسة في المسجد وجب عليه أن يزيلها، فإن لم يتمكن وجب عليه أن يخبر المسئول عن تطهير المسجد وتنظيفه.
ومن فوائد هذا الحديث: الأخذ بالقاعدة المشهورة المعروفة: أنه إذا لم يمكن إزالة المنكر إلا بما هو أنكر فإننا لا ننكر لماذا؟ لأن ارتكاب أخف المنكرين أولى من ارتكاب أعظم المنكرين، وهذا واضح؛ يعني: إذا كان ينتقل إلى منكر أعظم معناه أنه جاء بالمنكر الأول وزيادة وهذا لا شك أنه زيادة في المعصية والنكارة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي لمن أنكر المنكر أن يبين السبب، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما بين للأعرابي أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر، بين لماذا بنيت والأعرابي لا يدري، جاء برحة واسعة يحسبها كسائر المحلات والأمكنة.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه ينبغي، بل يجب على الإنسان أن ينزل كل إنسان منزلته، لو أن الذي حصل منه البول في المسجد كان رجلا من أهل المدينة ممن يعرفون الأحكام الشرعية ما نعامله هذه المعاملة، لكن عاملنا هذا الأعرابي لأن الغالب عليه الجهل، وعلى هذا فيكون من قواعد الشريعة: أن الإنسان ينزل الناس منازلهم.
هل يؤخذ من هذا الحديث نجاسة البول؟ نعم، لأن الرسول - عليه الصلاة السلام- أمر بتطهير الأرض منه، وعلى هذا فالذي يخرج من الإنسان من بول أو غائط يكون نجسا، أما العرق والريق والقيء والدم وما أشبه ذلك فهو محل خلاف بين العلماء، لكن الذي يتبين أنه ليس بنجس؛ لأنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على نجاسته والأصل الطهارة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن لا ينجس". وإذا كان الإنسان إذا قطع منه عضو كبده أو رجله؛ فإن هذا العضو المقطوع ظاهر مع أنه مشتمل على الدم، فالدم الذي يخلفه غيره من باب أولى، لكن جمهور العلماء على نجاسة دم الإنسان إلا أنه يعفى عن يسيره، فمن احتاط لدينه وقال: إن غسله أحوط فلا حرج عليه.
أسئلة:
- قول الرسول عليه الصلاة والسلام "إنها ليست بنجس" أهو على إطلاقه؟ لا، ليس على إطلاقه.
- ما تقول فيما يخرج من الهرة ريقها؟ طاهر، عرقها؟ طاهر، ما يخرج من أنفها؟ طاهر، وما يخرج من دبرها أو قبلها؟ نجس، الدم وشبهه؟ نجس.
- هل يعفى عن يسيره؟ نعم على المذهب، شيخ الإسلام يقول: كل يسير النجاسات معفو عنه؛ لأن هذا غالبا يشق التحرز منه.
- ما تقول في الفأرة؟ حكمها حكم الهرة، ما تقول في بعرها؟ نجس.
- البعر معلوم أنه يشق التحرز منه؛ لأنها تأتي على المكاتب وتبعر على الكتب وربما تبول، فعلى قاعدة شيخ الإسلام رحمه الله نقول: اليسير منها يعفى عنه، وعلى المشهور من المذهب لا يعفى عنه.
- ما هي العلة في كونها طاهرة؟ أنها من الطوافين.
- الطوافين هل المراد الخدم أو مكثري التردد؟ الثاني.
- هذه العلة هل نلحق بها ما يساوي الهرة؟ يلحق. مثاله: الفأرة، وكذلك البغال والحمير، ويؤيد هذا: أن الرسول كان يركبها والصحابة يركبونها، وهي لا تخلو من عرق ولا من نفرة ولا من ريق، ولم يرد عن النبي أنه أمر بالتحرز منها.
- في حديث أنس فائدة مهمة فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو جواز إقرار المنكر إذا كان يترتب على تغييره ما هو أشد منه منكرا، وجه الدلالة: أن البول في المسجد حرام ومع ذلك أقره النبي؛ لأنه سيترتب عليه مفاسد كثيرة؛ ماذا يترتب على قيام الأعرابي؟ كشف العورة وزيادة بقعة النجاسة.
يستفاد من حديث أنس في قصة الأعرابي: أنه لا يشترط تكرير غسل الأرض، وأنه يكفي فيها غسلة واحدة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب ذنوب واحد من ماء.
ويستفاد منه: وجوب المبادرة إلى النهي عن المنكر؟ ما وجهه؟ إسراع الصحابة ولم ينكر عليهم الرسول؛ لأن هذا هو الأصل.
الفائدة من ذكر أنس أنه أعرابي؟ ليكون زيادة في عذره أنه رجل جاهل.
- هل يستفاد من حديث أنس أن إزالة النجاسة عن المساجد فرض كفاية؟ نعم، وجه ذلك:
عدم مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة في صب الماء.
استدل بعض العلماء على أنه لا يكفي في إزالة النجاسة إلا الماء، وأن الأرض لا تطهر بالشمس ولا بالريح؟ من فعل الصحابة بصب الماء.