الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأواني، قد يعارض معارض فيقول: إنها كانت حين وضعها في الإناء حلالا غير نجسة، وإن كان هذا الجواب غير مقنع لكن قضية الراوية لا إشكال فيها، وهذا القول أعني أنها - أي الخمر طاهرة حسنا، نجسة معنى - هو الراجح.
الحمر الأهلية وحكم نجاستها:
23 -
وعنه رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا طلحة، فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس. متفق عليه.
قال: "لما كان يوم خيبر". أولا إعراب "يوم" هل هي بالضم أو بالفتح، فإذا قال قائل: كيف تكون مضمونة وهي ظرف زمان، قلنا: ظرف الزمان لا يكون منصوبا على الظرفية إلا إذا كان ظرفا لشيء، أما إذا كان مفعولا لشيء أو في محل المبتدأ أو في محل الجر أو ما أشبه ذلك، فإنه يكون على حسب العوامل، فقوله تعالى:{واخشوا يوما} [لقمان: 33]. هذا وما نقول: إنها ظرف، بل نقول: إنها مفعول به {وإن يوما عند ربك} [الحج: 47]. نقول: اسم إن، {يوم يأتي بعض ءايت ربك} [الأنعام: 158]. هذه ظرف؛ لأنها ظرف لإتيان بعض الآيات، فلا تكون منصوبة على الظرفية إلا إذا كانت ظرفا لشيء، وأما مجرد اسم الزمان أو المكان الذي ليس ظرفا، فإنه يكون على حسب العوامل، وعلى هذا فقوله:"لما كان يوم خيبر" على أنها فاعل وليست اسما ل"كان"؛ لأن كان هنا تامة وليست ناقصة.
وقوله: "خيبر" اسم حصون وقلاع ومزارع لليهود وتبعد عن المدينة نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة وهي معروفة، و "كان يوم خيبر" في أي سنة؟ في السنة السابعة من الهجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا أهل خيبر نقضوا العهد وفتحها عنوة وقسمها بين الغانمين، لكن أهل خيبر - وهم اليهود 0 طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا فيها مزارعة وأبقاهم والباقي معروف، "أمر أبا طلحة" - وأبو طلحة صلته بأنس أنه زوج أمه أم سليم- أمر أبا طلحة "فنادى"، أي: قال بأعلى صوته؛ لأن النداء: هو الكلام بصوت مرتفع، والمناجاة: هي الكلام بصوت منخفض، واقرأ قول الله تعالى:{وندينه من جانب الطور الأيمن وقربنه نجيا} [مريم: 52].
فالمناجاة عن قرب، والمناداة عن بعد. نادى:"إن الله ورسوله ينهيانكم" والخطاب للصحابة الذين أوقدوا النيران على لحوم الحمر، "وينهيانكم عن لحوم الحمر": جمع حمار، واحذر أن تسكن الميم في هذا، وأن تضم الميم في قوله صلى الله عليه وسلم:"من حمر النعم"، فتغلظ غلطا فاحشا؛ لأنك إذا قلت هنا لحوم الحمر الأهلية اختلف المعنى؛ لأن حمر تكون جمع: أحمر أو
حمراء، وإذا قلت: خير لك من حمر النعم وضممت الميم أخطأت خطأ عظيما؛ لأن حمر: جمع حمار إذن الحمر الأهلية، الأهلية: يعني المستأنسة التي يركبها الناس ويستعملونها في حاجتهم، وضدها الوحشية فإنها ليست حراما، وسيأتي إن شاء الله، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة؛ لأن أبا طلحة كان رفيع الصوت، وإن مثل هذه المسائل العامة التي يطلب فيها شيوع الخبر ينبغي أن يقوم بها من كان أعلى صوتا وأندى صوتا.
أولا: نسأل: لماذا أتى المؤلف بهذا الحديث في باب إزالة النجاسة مع أن له صلة كبيرة بكتاب الأطعمة؟ أتى به المؤلف في كتاب إزالة النجاسة لقوله: "فإنها رجس"؛ لأن رجس بمعنى: نجس.
ففي هذا الحديث فوائد منها: أنه ينبغي إعلام الأحكام الشرعية بأقوى ما يحصل به الإعلام، وجهه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة لارتفاع صوته بإعلان هذا الحكم الشرعي.
ومنها: أن استعمال مكبر الصوت في إبلاغ الخطبة للمصلين واستعمال الإذاعة وهي أوسع انتشارا من الأمور التي جاءت بمثل السنة، فيكون في ذلك رد على من أنكر هذا وقال: هذه بدعة؛ لأنه لم يكن معروفا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنها: جواز الجمع بين اسم الله واسم الرسول بالواو في الأحكام الشرعية لقوله: "إن الله ورسوله ينهيانكم"، ولم يقل: ثم رسوله، ووجه ذلك: أن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم من نهي الله كما قال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا} [الأحزاب: 36].
وقال الله تعالى: {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء: 80]. ولما كان الحكم الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم كالحكم الصادر من الله صح أن يجمع اسم الله واسم الرسول صلى الله عليه وسلم بالواو.
فإن قال قائل: أين نهانا الله عن ذلك وقد قال الله لنبيه: {قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145]. المحرمات ثلاثة، والحمر ليست منها فأين نهي الله؟ !
فالجواب أن نقول: إن الآية في سورة الأنعام وسورة الأنعام مكية والحديث في خيبر بعد الهجرة والآية ليس فيها "لن أجد فيما أوحي إلى محرما" لو كان لفظ الآية: "لن أجد" لكان هذا الحديث معارضا، لكن الآية {لا أجد في ما أوحى إلي} ولم يقل: فيما يوحى إلي، فالآية نزلت وفي أيام نزولها لم يكن محرما إلا هذه الأنواع الثلاثة، ولا معارضة بينها وبين الحديث إطلاقا، ولا بينها وبين نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير؛ فالآية واضحة، وفي أدنى تأمل يتبين لك أنه لا حاجة إلى الإتيان بها في معارضة هذا الحديث وأمثاله.
فإذا قال قائل: سلمنا بهذا وأنه لا معارضة بينها وبين الحديث، لكن أين نهي الله للرسول؟
نقول: من الذي أخبرنا بأن الله نهى؟ الرسول عليه الصلاة والسلام فيجيب علينا أن نؤمن بذلك، وأن نقول: إن الله نهي عن لحوم الحمر الأهلية، أما في أي نص كان ذلك؟ فإنه يكفي أن يكون الراوي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حاجة أن نتنطع ونقول: أين وأين الوحي وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"، وبين ذم النبي صلى الله عليه وسلم للخطيب الذي قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى". وهنا قال: "ينهيانكم" فجمعها في ضمير واحد، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أبا طلحة:"ينهيانكم"، والخطيب قال له:"بئس خطيب القوم أنت" فما الجواب؟
نقول: الجواب من وجوه.
الوجه الأول: أن هناك فرقا بين الصيغتين: صيغة الحديث، وصيغة الخطيب. صيغة الحديث "ينهيانكم" خبر لمبتدأ من اثنين: معطوف ومعطوف عليه، وإذا كان خبرا عن اثنين أحدهما معطوف والثاني معطوف عليه، صار كأنه مركب من اثنين هذا واحد.
أما الخطيب فقد قال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما" هذه جملة مستقلة ليست خبرا عن الجملة الأولى، ولا جوابا لشرط فهي مستقلة، وإذا كانت مستقلة فيجب أن يستقل لفظ الاثنين كل واحد على انفراد، فيقول:"ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"، الفرق واضح أم لا؟ "إن الله ورسوله ينهيانكم" الجملة واحدة أو اثنتان؟ واحدة، "وينهيانكم" والتي جمع فيها الضمير خبر ل (إن)، والجملة واحدة وهي خبر لاثنين، كل واحد منهما ذكر على انفراد، فهي جملة واحدة. في عبارة الخطيب "من يطع الله ورسوله فقد رشد" انتهت الجملة، "ومن يعصهما فقد غوى" جاءت جملة جديدة فصارت كأنها منفصلة عن الأولى، فإتيانه بالضمير مجموعا باثنين يعتبر خطأ، وأن الفصاحة أن يقول:"ومن يعص الله ورسوله" فالفرق ظاهر بين الصيغتين.
ثانيا: أن مقام الخطبة ينبغي أن يكون بالتفصيل والبسط، والاختصار الشديد ينافي البيان في الخطبة، وأما هذا فهو بيان حكم، وبيان الحكم قد يكون من الفصاحة أن يختصره.
الجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبعد في حقه وفي نطقه أن يجعل الله شريكا، وأما المخلوق فإذا جمع اسم الله واسم غيره في الواو فقد يعتقد أنهما سواء، ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الخطيب جمع بينهما بالواو، فهذا لا يعول عليه.
والرابع: أنه قيل: إن الخطيب ينبغي أن تكون خطبته واحدة، فإذا قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى" قد يتوهم السامع أن الغي لا يكون بمعصية الله
ورسوله؛ أي: إلا فيما ورد فيه نهي في الكتاب والسنة وهذا غلط، لكن عندي أن أقرب الأجولة الأول، وهو اختلاف الصيغتين، ويليه الثاني أن مقام الخطبة ينبغي فيه البسط.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الأصل في النهي التحريم لقوله: "ينهيانكم"، ثم علل ذلك بأنها رجس، والرجس محرم.
ومن فوائد هذا الحديث: أن اللحم إذا أطلق يشمل جميع أجزاء البدن؛ لأنه بالاتفاق والإجماع أن الحمير حرام، سواء كانت لحما أي: هبرا كما يعرف، أو كبدا أو كرشا أو أمعاء كلها تسمى لحما في الشرع.
ومن فوائد هذا الحديث: جواز لحوم الحمر الوحشية. من أين تؤخذ؟ تؤخذ من القيد، وهل التحريم من أجل أن الناس محتاجون لظهورها يركبونها ويحملون عليها، فإذا أبيحت ضاقت على الناس، أو أن التحريم من أجل أنها خبيثة؟ الثاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه؛ ولأن العلة الأولى منتقصة. الناس إلى ظهور الإبل أحوج، ومع ذلك فالإبل مباحة، الناس إلى البقر في الحرث أشد حاجة من الحمر ومع ذلك فهي مباحة، فالصواب ما علل به الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما الخوف أن يضيق على الناس ظهورهم فهذا غير صحيح.
ومن فوائد هذا الحديث: أن كل رجس حرام؛ لأنها رجس وهذا كالآية الكريمة: {قل لا أجد في ما أوحى على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]. إذن نأخذ - يا إخواني- من هذا أن كل نجس حرام.
ومن فوائد هذا الحديث: أن جميع أجزاء الحمر نجسة: بولها، ورثها، ريقها، عرقا ما يخرج من جسدها من صديد أو غيرها لعموم قوله:"فإنها رجس"، وهذا هو المشهور من المذهب - مذهب الحنابلة- حتى لو شرب الحمار من ماء وهو قليل الماء نجسا، وإن لم يتغير، ولكن يعارض هذا - أي: القول بأن كل ما يتصل بالحمير فإنه نجس- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الهرة: "إنها ليست بنجس"، وعلل بأنها من الطوافين، ومعلوم أن تطواف الحمير على الناس أكثر من تطواف الهرة، والعلة ثابتة في الهرة وموجبة للتطهير، كذلك العلة في الحمر، وهذا القول هو الصحيح، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يركبون الحمير وراكب الحمار لا يخلو من بلل إما من عرق منه، أو من الحمار، أو إصابة ماء السماء، ثم إن الحمر تشرب وتنفض رأسها بعد الشرب ويتطاير الماء على من حولها، وهذا لا شك أن فيه مشقة لاسيما على من يمارسه كثيرا والدين لا يأتي بمشقة، وهذا القول هو القول الراجح يعني: أن ريقها وما يخرج من أنفها وما يخرج من عينها من دمع وعرقها كله طاهر؛ لأن هذه الحمر من الطوافين علينا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في الهرة: إنها من الطوافين علينا.
المؤلف اختصر على هذا القدر من الحديث ولم يذكر أنهم صاروا يطبخونها، وأن القدور تغلي فيها وأن الرسول أمر أن تكفا القدور وأمر أن تكسر، ولكنهم طلبوا منه أن تغسل فقال:"أو اغسلوها".
هذا الحديث بقيته يدل على أن الاستمرار فيما ثبت تحريمه محرم وإن كان مباحا في أول الأمر، إذا ثبت التحريم حرم الاستمرار، ومعلوم الآن أنه ليس هناك شيء يكون أوله حلالا ثم يكون حراما.
لكن ينبني على هذا فيما لو علم الإنسان بتحريم شيء في أثناء ملابسته له فهل يجب عليه التخلي فورا؟
الجواب: نعم، يعني: لو أن إنسانا لبس حريرا يظن أن لبس الحرير حلال، ثم قيل له: إن لبس الحرير حرام، يجب عليه في الحال أن يخلعه لكن طبعا يخلعه إذا كان لديه ثوب يستر به عورته وإلا انتظر حتى يجد ثوبا، وكذلك لو قيل له: إن هذا الشراب الذي تشربه الآن حرام مثل ما يوجد في بعض المشروبات يظن أنها حلال وهي حرام في غير بلادنا؛ بلادنا - والحمد لله- لا يرد عليها إلا شيء مختبر.
أسئلة:
- سبق لنا في حديث أنس في قصة خيبر أنه يستفاد منه اختيار من هو أعلى صوتا في تبليغ الحكم الشرعي، هل نقول فيه دليل على استعمال الآلات الموصلة التي توصل الصوت إلى أبعد. نعم.
- هل يقال: كل وسيلة حدثت بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتوصل بها إلى مقصود شرعي فإنها لا تعد بدعة؟ نعم، إلا أن تكون محرمة في ذاتها، وعلى ذلك لا تنكر الجمعيات التي تؤلف لجمع التبرعات وما أشبه ذلك.
- كيف نجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله ينهيانكم" مع أنه قال للخطيب: "بئس خطيب القوم أنت"؟
- لحوم الحمر الأهلية احترازا من أي شيء؟ احترازا من الحمر الوحشية.
- ما رأيك لو تأهل الوحشي أيحرم أو لا؟ يعني إذا صار أهليا؟ يبقى على أصله.
- ما رأيك لو توحش الأهلي؟ لا يحل اعتبارا بالأصل.
ومثل ذلك في باب الحمام لو أن الحمام تأهل فهو حرام على المحرم، والدجاج لو توحش فهو حلال، ثم قال المؤلف رحمه الله: