الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
13 -
يكره من الأعمال كل عمل يغرر بالناس ويغويهم، ويشغلهم فيما لا يعنيهم.
وقس على ذلك كل ما ماثله.
الفصل الخامس: الأعمال المحرمة:
التحريم ضد التحليل. يقال: حرم يحرم حرمة، وتحريما، وهو المنع والتشديد، ومنه قوله تعالى:{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} (1) وأحرمه الشيء إذا منعه إياه (2)، وعند الأصوليين التحريم هو:" ما زجر الشارع عنه ولام عليه"(3) وقيل هو: " الخطاب المقتضي للترك اقتضاء جازما"(4).
والأعمال المحرمة كثيرة، وقد تعم جوانب متعددة من تصرفات الإنسان المادية والفكرية. فمن أمثلة الأعمال المادية المحرمة ما يكون في الزراعة، كزراعة المخدرات، وما يقصد بزراعته صناعة الخمور، ورش الخضروات بالمبيدات وتقديمها للناس قبل مضي المدة المقررة لذهاب أثر المبيد، والإسراف في تنشيط الزراعة بالكميائيات، من غير مراعاة للحد الأعلى المباح لاستعماله، حيث إنه غش ينتج عنه أمراض خطيرة لكثير من الناس.
(1) سورة الأنبياء الآية 95
(2)
ينظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 45)، ومختار الصحاح للرازي (106).
(3)
البرهان للجويني (1/ 313).
(4)
مختصر صفوة البيان (شرح منهاج الأصول) للبيضاوي (1/ 9).
وما يكون في الصناعة، كصناعة المخدرات، وسائر المطعومات المحرمات، وصناعة السلاح لتغذى فيه فتنة بين المسلمين، وصناعة الآلات المحرمات، كأقراص استقبال بث الأقمار الصناعية، الداعية إلى الفجور والانحراف.
وصناعة التماثيل، ورسوم ذات الأرواح، والرسوم المتحركة المعدة للعرض في الأجهزة المرئية (أفلام كرتون). وصناعة الأجهزة الضارة، أو المستخدمة في تضليل المسلمين. والغش في التصنيع على اختلاف أنواعه: من بخس المادة المطلوبة، أو استبدالها بما دونها، أو خلطها بغيرها، وغير ذلك مما يضعف الآلة المصنعة، أو يحد من قدرتها المطلوبة.
ومما يحرم، عمل المختصين المتميزين من المسلمين لدى الكفار، سواء في الصناعات العسكرية أو المدنية، أمكنهم العمل لدى المسلمين أو لم يمكنهم؛ لأنهم بعملهم المتميز ينصرون الكفار ويخذلون المسلمين. ونحو ذلك من الأعمال الصناعية المحرمة التي يفوت حصرها.
ومن الأعمال المحرمة ما يكون في التجارة، كتجارة تفسد على المسلمين دينهم، أو دنياهم، ومعرفة ذلك من مسئولية التاجر، فلا يحل له أن يتاجر إلا بحدود ما يعرف حله. فتجارة الربا من أعظم المحرمات، التي يجب على التاجر معرفة تجنبها.
وكذلك تجارة المخدرات والخمور. كما يحرم الاتجار بالكف، والمجلات، والصحف الخليعة، أو الداعية إلى بدع وخرافات، أو الناشرة لآراء الكفر والإلحاد. وعموما فكل تجارة تعز الكفار
وتخذل المسلمين في دينهم أو دنياهم فهي محرمة.
وفي الأعمال الفكرية: يحرم كل عمل فكري يضر بالمسلمين في دينهم، أو أخلاقهم، أو قيمهم وعاداتهم، من تأليف كتب في ذلك، أو مقالات في صحف سيارة، أو مجلات دورية، أو نشرات، أو محاضرات، أو ندوات، أو لقاءات عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة، أو مؤتمرات، أو غير ذلك من بث الأفكار والآراء والدعوات الجانحة عن الحق، كل ذلك من أعظم المحرمات، فليس هناك أضر بالدين والأخلاق والقيم، من نشر أفكار المبطلين في هذه المجالات بصورة شيقة، وعرض مغر.
ومن عموم المحرمات في الأعمال تلك التي لا تبالي بشعائر الدين، فلا تأخذ مثلا لأوقات الصلوات المفروضة اعتبارا، من حيث صلاة العاملين جماعة، وتفريغهم محل صلاة. من أعظم المنكرات في الأعمال أن لا يعبأ كثير من أرباب الصناعات والأعمال الكبيرة بشعائر المسلمين وقيمهم وعاداتهم، كما يحدث في المواصلات البرية والبحرية والجوية في غالب بلاد المسلمين، حيث لا يعبأون بتعارض أوقات الرحلات مع كثير من العبادات من صلاة، وصيام، وغيره. ولا يعدون مراكبهم بما يخدم المسلمين، ويأخذ شعائرهم بعين الاعتبار، فلا يهيئون أماكن لأداء الصلاة المكتوبة في هذه المركبات، رغم بقاء الراكب فيها لعدة أوقات من الصلوات المكتوبات، وكذلك عدم مراعاة وقت الفطور والسحور في رمضان، وغير ذلك"مما يتحتم على وسائل المواصلات الإسلامية المختلفة تهيئة وتوفيره للمسافرين المسلمين.
الأدلة الشاملة لكل ما سبق ذكره، وغيره من الأعمال المحرمة: دل الكتاب، والسنة، وقواعد الشرع العامة وكلياته على تحريم ما ذكر، وما يماثله من المحرمات في الأعمال.
فمن الكتاب:
1 -
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} (1). فهذا أمر من الله تعالى عام؛ لإقامة كل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى عنه، فكل عمل يخالف هذه الآية فهو محرم.
2 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (2)، فهذه الآية تحرم كل عمل فيه خيانة لدين الله، على اختلاف أنواع الخيانات كما تحرم الخيانة في الأمانات على اختلاف أنواعها.
3 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (3)، وهذه الآية تحرم جميع الأعمال الموالية للكفار.
4 -
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (4). تحرم هذه الآية كل عمل يقوم على الغناء والمزامير، وكل عمل يضل
(1) سورة المائدة الآية 8
(2)
سورة الأنفال الآية 27
(3)
سورة المائدة الآية 51
(4)
سورة لقمان الآية 6
الناس ويغويهم، ويضيع أوقاتهم.
5 -
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (1){وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (2)، تبين هذه الآيات أعمال فئة من الناس، تدعي الدين والصلاح، حتى إذا تمكنت من الأمر عاثت في الأرض فسادا، فقتلت، وسلبت، وأفسدت، وإذا ذكرت بالله هاجت وثارت وانتصرت لنفسها.
6 -
قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} (3){إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (4){إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (5)، يقسم الله تعالى بالزمان الذي تقع فيه أعمال بني آدم أن الإنسان في خسر إلا الذين آمنوا بالله وعملوا أعمالا صالحة، وتواصوا بإقامة الحق وبالصبر عليه.
7 -
قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (6)، ينهى الله تعالى في هذه الآية عن أكل أموال الناس بالباطل، وتلفيق الحجج الباطلة لغلبة أصحاب الحق، ومن ذلك كل عمل فيه غش أو خيانة، أو استغلال لحاجة الناس.
(1) سورة البقرة الآية 204
(2)
سورة البقرة الآية 205
(3)
سورة العصر الآية 1
(4)
سورة العصر الآية 2
(5)
سورة العصر الآية 3
(6)
سورة البقرة الآية 188
8 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (1){فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} (2)، في هاتين الآيتين يأمر الله عباده المؤمنين بترك الربا ويربط ذلك بالإيمان، وينذرهم بالحرب من الله ورسوله. وفيه الدلالة على التحريم القاطع للربا. فكل عمل يدخله الربا فهو محرم وممقوت.
9 -
قوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (3)، يذم الله تعالى الذين تلهيهم أعمال التجارة عن فرائض الله بثنائه على ضدهم.
10 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (4)، يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية بتقواه والعمل المقرب منه، من جهاد في سبيله، وإقامة أمره، والانتهاء عن نهيه، والنصح لهذا الدين.
11 -
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (5)، يأمر الله في هذه الآية بتقواه وبالصدق، فيحرم الكذب في الأقوال والأعمال.
(1) سورة البقرة الآية 278
(2)
سورة البقرة الآية 279
(3)
سورة النور الآية 37
(4)
سورة المائدة الآية 35
(5)
سورة التوبة الآية 119
12 -
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (1) ينهى الله تعالى في هذه الآية عن اتباع خطوات الشيطان، حيث إنه يأمر بالفحشاء والمنكر. وكل عمل يخالف نصوص الشرع أو قواعده، فهو اتباع لخطوات الشيطان، فهو محرم.
فهذه الآيات وما يماثلها تدل على تحريم الأعمال السابقة الذكر، وغيرها من الأعمال المخالفة لشرع الله تعالى.
ومن السنة:
1 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من غشنا فليس منا (2)» وفي رواية: «من غش فليس مني (3)» ، ففي هذا الحديث تحريم الغش على اختلاف أنواعه، فكل عمل دخله الغش فهو محرم.
2 -
حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في البيعين: «فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (4)» ، أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الغش في الأعمال من
(1) سورة النور الآية 21
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) باب (43) قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من غشنا فليس منا "(1/ 99).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) باب (43) قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من غشنا فليس منا "(1/ 99).
(4)
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب البيع) باب (22) ما يمحق الكذب والكتمان في البيع (3/ 11).
بيع ونحوه، بالكذب وكتم العيوب، سبب لمحق البركة. وهو عقاب لا يكون إلا على فعل محرم.
3 -
حديث عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان (1)» ، في هذا الحديث تحريم العمل على تفريق الأمة، سواء كان ذلك بالمزاولة الفعلية أو الفكرية.
4 -
حديث أبي رقمة تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم (2)» ، في هذا الحديث أن النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم هي عماد الدين، ومن خانهم فلم ينصح لهم في أي أمر من أمورهم، أو عمل من أعمالهم، فقد أخل بدينه، والإخلال بالدين من أعظم المحرمات.
5 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه وماله ودمه، التقوى ها هنا. بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة باب (14) حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع (3/ 1479).
(2)
أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) باب (3) ببان أن الدين النصيحة (1/ 74).