الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (1). ليستجيب من أراد الله له الهداية، ولتقوم الحجة على من كابر وعاند، فالدعوة إلى الله هي نبراس الأمم كلها، يسترشد المهتم بالتبليغ حماسته لأمر الله بما في القرآن الكريم من مسالك تيسر المعرفة، وتبصر بما خفي على الإنسان:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (2){ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} (3). .
(1) سورة يس الآية 70
(2)
سورة الروم الآية 9
(3)
سورة الروم الآية 10
مراحل الدعوة:
إن المتمعن في كتاب الله الكريم، يظهر أمامه عالمية الدعوة إلى الله سبحانه، وأنها لا تتقيد بأمة من الأمم، ولا بزمن من الأزمان، وإنما تتلاءم مع كل أمة من الأمم مهما كانت لغتها وأفكار أبنائها، بل تتأكد عندما تبتعد الأمة: أفرادا أو جماعات عن الطريق السوي. وعندما يكثر الخبث، مهما كانت الأفكار والمؤثرات، ومهما كانت الأمور المتنازع فيها في تلك الأمة، ما دام الميلان عن طريق الحق قد تحركت ناره الكامنة تحت الرماد، فيتعين التصدي لذلك، وفق الأسلوب الذي يبين من التتبع لآيات القرآن الكريم في طريقة العرض والمحاورة، والتبليغ والبرهان.
فمن منهج القرآن الكريم في الدعوة مخاطبة العقول، وتلمس المداخل لأذهان الناس، بما يتفاعل مع الفهم السليم، حيث يكثر في القرآن الكريم مخاطبة العقل والتنويه بالقلب واللب، والدعوة للتفكر، " والتبصر في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله في هذا الكون، حتى يتحرك الإحساس، ويربط الإنسان المعقول بالمحسوس:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (1) الآيات. فيقص الله علينا حكاية كل نبي مع قومه، وما حصل للأمم السابقة ليأخذ من يعي العبرة بما وصلوا إليه، وأنهم لم يستقيموا على حال بعد ابتعادهم ومعصيتهم:{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (2){ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} (3).
ومدخل أنبياء الله للدعوة إلى الله مع أممهم، بنوعين:
دعوتهم إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له سبحانه وحده، ومعجزات يعطيها الله لكل واحد منهم، أكبر وأمكن مما هو سائد في مجتمع كل أمة من الأمم.
فموسى عليه السلام لما أرسله ربه إلى فرعون وقومه، كان
(1) سورة آل عمران الآية 190
(2)
سورة الروم الآية 9
(3)
سورة الروم الآية 10
السائد عندهم السحر، والتمويه على الناس، بما هو خارق العادة عندهم. فكانت المعجزة التي مكنها الله لموسى آيات تغلبت على أعظم ما جاء به سحرة فرعون. فأبطل الله سحرهم بالعصا التي أمر موسى بإلقائها، فإذا هي حية تسعى، تلتهم ما عمله السحرة:{قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (1){وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} (2){فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} (3). فكان إيمان السحرة عن قناعة بعدما بان لهم الحق بما مكن الله لموسى، من هذه المعجزة، إلى جانب المعجزات الأخرى:{فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (4){فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} (5) وعيسى ابن مريم عليه السلام بعثه الله إلى قوم لديهم اهتمام بالأمور الطبية، فكانت المعجزة التي مكنها الله لنبيه عيسى عليه السلام أمورا أذهلت أمهر أطبائهم، وهي من مخاطبة عقولهم بما يفوق قدراتهم، كمدخل من مداخل الدعوة إلى الله والتعريف بما يجب اتباعه من الحق. فكان عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بقدرة الله مما تغلب على عقولهم، وتجاوز قدراتهم، ووقفوا أمام ما مكن الله لعيسى عليه السلام حائرين، حتى يعلموا أن ما جاءهم به، إنما هو حق من
(1) سورة طه الآية 68
(2)
سورة طه الآية 69
(3)
سورة طه الآية 70
(4)
سورة النمل الآية 12
(5)
سورة النمل الآية 13
عند الله {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} (1). وتأتي الآيات البينات، ومجادلة أهل الكتاب، في إيضاح للخوارق التي اكتنفت قصة النبي الكريم عيسى ابن مريم عليه السلام مما هو فوق المعهود في أذهان الناس، حيث ولد من أم بدون أب، وكلم الناس في المهد. فغلا فيه أهل الكتاب بالتثليث؛ فمنهم من اعتبره إلها، ومنهم من اعتبره ابنا لله، ومنهم من جعله ثالث ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فكان من منهج القرآن الكريم، مما قص الله في أكثر من موقع، مدخلا مقنعا للدعوة إلى طريق الحق بالبيان الواضح والقرآن التي تخاطب آياته العقول بأن عيسى ما هو إلا رسول من الرسل، وأمه صديقة، خلقه بكلمة كن فكان، وبقدرة الله التي لا تخضع للمقاييس البشرية، فآدم خلقه الله من دون أم ولا أب، وحواء خلقها الله من ضلع آدم، وعيسى ابن مريم خلقه من أم بدون أب، والله سبحانه يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد يمتحن بذلك عقول عباده، ومدى استجابتهم لأمره
(1) سورة المائدة الآية 110
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1){الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (2).
وقصة عيسى وموسى مع قوميهما من أهل الكتاب، وما فيهما من الآيات النيرة، والمعجزات الفائقة لقدرات البشر، والبينات التي تخاطب العقول لكي تتدبر، والأفئدة لترعوي إلى الحق، هي مما يحسن بالداعي إلى الله على بصيرة أن يجادل بها أصحاب هاتين الملتين اللتين هما من أكثر أمم الأرض اليوم، الذين يستندون على كتب مقدسة، لكنها محرفة، ومصروف مضمونها عن الدرب الصحيح، بحيث بين الله في القرآن الكريم تكفير بعضهم لبعض {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} (3).
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (4){قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (5){فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (6).
(1) سورة آل عمران الآية 59
(2)
سورة آل عمران الآية 60
(3)
سورة البقرة الآية 113
(4)
سورة البقرة الآية 135
(5)
سورة البقرة الآية 136
(6)
سورة البقرة الآية 137
ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي نشأ فقيرا يتيما بعثه الله إلى أمة بليغة في لغتها، غنية في تجارتها فوقف في دعوته لهم إلى دين الله ثابتا لا يتزعزع، قويا لا يلين لباطلهم، فكان من معجزاته، ما أمره الله أن يتحدى به قريشا، بأن يأتوا بسورة تماثل سور القرآن، أو آية من آياته:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (1){فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (2).
ولما جاء أمر الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ رسالة ربه، لينذر الناس، ويدعوهم إلى نبذ الآلهة التي يصرفون العبادة لها من دون الله جاءه ذلك الأمر للتبليغ على مراحل تتدرج بحسب وضع المجتمع الموجهة إليه الدعوة، وبحسب القدرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحمل والحماية له وللقلة المستجيبة لهذه الدعوة، وهم الفئة المستضعفة في المجتمع ذلك الوقت، فصبر على ذلك ثلاثة وعشرين عاما، حتى اتسعت دائرة الدعوة وعظم أمرها، ودخل الناس في دين الله أفواجا. فقد بدأت النبوة بأول ما نزل من القرآن الكريم، وهي:
(1) سورة البقرة الآية 23
(2)
سورة البقرة الآية 24
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (1){خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} (2){اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (3){الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} (4){عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (5). والتعريف للنبوة والرسالة: أن النبي: هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه فكل رسول يعتبر نبيا. ثم كانت الرسالة بالمدثر وتلتها سورة المزمل.
وكانت الدعوة سرا، خوفا من أذى قريش، حتى أنزل الله سبحانه:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (6){إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} (7){الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (8). وكان التوجيه الرباني في القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم: التحمل والصبر في تبليغ الدعوة إلى الله {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (9){إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (10). والصبر الذي تكرر الأمر به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم كثير يمتثله أصحابه، وكل الدعاة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهو من مجاهدة النفس، وتوطينها بالقدرة على التحمل، في سبيل ما يدعى إليه. ثم جاءت المرحلة الأعلى عندما قويت شوكة المسلمين، وكثر عددهم، وكان لهم دار منعة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فكانت الآية
(1) سورة العلق الآية 1
(2)
سورة العلق الآية 2
(3)
سورة العلق الآية 3
(4)
سورة العلق الآية 4
(5)
سورة العلق الآية 5
(6)
سورة الحجر الآية 94
(7)
سورة الحجر الآية 95
(8)
سورة الحجر الآية 96
(9)
سورة النحل الآية 127
(10)
سورة النحل الآية 128
الكريمة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (1){الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (2). أمرا بإظهار دينهم، ذلك أن أعداء الله تجمعوا، وأرادوا القضاء على المسلمين، واستئصالهم، انتصارا لباطلهم، وتعصبا للحق، وخوفا من اتساع نطاق الدعوة، بعد أن تكاثر عدد المسلمين في المدينة بعد الهجرة.
ثم جاءت الآيات في كتاب الله للوقوف أمام قوة الكافرين بقوة مؤيدة من الله آمرة بالجهاد لنشر الدعوة بالقوة، والتصدي لقوات الأعداء، فقال سبحانه:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (3). ونزلت سورة محمد -التي يسميها بعضهم سورة القتال- وفيها الأمر بمجاهدة الكفار، لقمع شوكتهم، والقضاء على رؤوس الفتنة المتصدية للدعوة إلى دين الله الحق، الذين يريدون إطفاء نور الله وإسكات صوت الحق، يقول سبحانه:
(1) سورة الحج الآية 39
(2)
سورة الحج الآية 40
(3)
سورة الحج الآية 78
{ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} (1){فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (2){سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ} (3){وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} (4).
ومن المراحل التي يجب أن يأخذ بها المسلم في الدعوة إلى الله ترسم منهجها القرآني، بحسب ما بلغ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو صلى الله عليه وسلم لم يطلب من أهل مكة زعامة ولا رئاسة، ولم يأت لأخذ أموالهم، ولكن دعاهم إلى الله «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا (5)» وأن يكون الداعي إلى الله صادقا في دعوته، محتسبا الأجر من الله:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (6). متحينا الفرصة المناسبة للجهر بدعوته، مبينا باختصار ما يدعو إليه وما ينهى عنه:{وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} (7).
وأن يلين الجانب مع المدعو، ويحلم عليه، حتى يستميل قلبه، ليأنس إليه ويصغي لما يدعى إليه، ويتبصر في فوائده وآثاره، لعل الله أن يلين قلبه، ويفتح ذهنه {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} (8).
(1) سورة محمد الآية 3
(2)
سورة محمد الآية 4
(3)
سورة محمد الآية 5
(4)
سورة محمد الآية 6
(5)
مسند أحمد بن حنبل (3/ 492).
(6)
سورة الأنفال الآية 64
(7)
سورة الرعد الآية 40
(8)
سورة النحل الآية 37
فالداعي إلى الله مبشر غير منفر، وميسر وليس بمعسر، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (1){إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (2). وفي هذا المعنى يؤكد صلى الله عليه وسلم على أمته بقوله «بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا (3)» ؛ لأن الكلمة إذا صدرت من القلب دخلت القلب، وإذا صدرت من اللسان لم تتجاوز الآذان، فيوجه الله جل وعلا حامل لواء الدعوة نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم -وأمته له تبع- إلى حسن الخلق في الدعوة، حتى يقترب الناس منه، ويصغوا إلى ما يدعوهم إليه، فيقول سبحانه:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (4). ويقول الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام لما بعثهما إلى فرعون الطاغية، الذي استكبر وتجبر، ودعا الناس إلى اعتباره إلها يعبد من دون الله:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (5).
ولما كان الخوف ممن هو أقدر من الإنسان، وأمكن في القوة المادية من السمات البشرية، فقد أظهر ذلك موسى وهارون عليهما السلام لربهما، وهو سبحانه أعلم بذلك منهما في قولهما:{قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} (6) فأزال عنهما ما كان يراودهما من ذلك الخوف، في ذلك الحوار القرآني البليغ؛
(1) سورة الشرح الآية 5
(2)
سورة الشرح الآية 6
(3)
أخرجه مسلم في الجهاد، وينظر جامع الأصول2/ 596.
(4)
سورة آل عمران الآية 159
(5)
سورة طه الآية 44
(6)
سورة طه الآية 45
لأنه جل وعلا معهما بعنايته ورعايته وتأييده، يسمع ويرى. ومن كان الله معه فلا خوف عليه، وما عليه إلا أن يمتثل أمر الله، ويبلغ دعوته التي أنيطت به، ويتحمل في سبيل ذلك ما يعترضه طيعا ومحتسبا.
فأمرهما جل وعلا بامتثال أمره، وعدم الخوف، وأداء الدعوة إلى الله على وجهها، لتبرأ الذمة، وتقوم الحجة، فقال سبحانه:{قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (1){فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} (2){إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} (3).
وإذا كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد روي عنه قوله: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله " فإنه قد أدرك هذا المعنى من منهج القرآن الكريم التعليمي في الدعوة، وتلمس مداخلها، وتحين الفرص المناسبة لها. وفيما سار عليه كل رسول في دعوة قومه، حيث يسخر الله -كما نجد ذلك مبسوطا في مواضع كثيرة من القرآن الكريم- لكل واحد منهم في دعوته إلى الله ما يتفاعل مع قدرات عقولهم، وإتيانه لهم بما هو أكبر مما يشغل أذهانهم، وبما ظهر في مجتمعهم لعلهم يدركون السر العظيم وراء ما يدعون إليه، ليعرفوا حق الله فيما دعتهم رسلهم إليه {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} (4).
(1) سورة طه الآية 46
(2)
سورة طه الآية 47
(3)
سورة طه الآية 48
(4)
سورة الأنعام الآية 4