الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ} (1). وعمارة الأرض وفق ما أمر الله تعالى لا يكون إلا من المسلمين الصادقين، فغيرهم يفسدون فيها ولا يصلحون:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (2){وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} (3){الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} (4). فشرع الله تعالى العمل لعمارة الأرض وفق ما أمر.
(1) سورة الحج الآية 65
(2)
سورة البقرة الآية 205
(3)
سورة الشعراء الآية 151
(4)
سورة الشعراء الآية 152
المبحث الرابع: مفاسد ترك العمل عند المسلمين:
يؤدي ترك العمل عند المسلمين إلى مفاسد لا حدود لها، في دينهم ودنياهم، من هذه المفاسد:
1 -
اختلال الدين والعقيدة: عندما يترك المسلمون العمل فسيضطرون إلى استعمال فئات مختلفة، من أجناس متعددة، ذات ملل وأديان شتى، لتعمل لديهم. وقد ثبت أن كثيرا من أولئك القادمين هم جنود مجندة من قبل منظمات وهيئات ودول تكن العداء لله للمسلمين، ليعملوا على إفساد دين الإسلام، وليتجسسوا على أهله، ليعرفوا أسرارهم ومواطن القوة والضعف فيهم، وذلك طبق خطط وطرق محكمة تصنعها لهم تلك الهيئات والمنظمات الموجهة لهم.
وإن من أنصع الأمثلة والأدلة على ذلك ما تفعله كثير من الخادمات غير المسلمات من أفعال شنيعة منكرة في بيوت من يخدمونهم ويربون أطفالهم، حوادث فظيعة تهز الجبال، تطالعنا ليل نهار، وما لا يعلم أعظم وأشنع. ومن أمثلة ذلك كذلك ما يروج له وينشره بعض المتمكنين من العاملين التابعين لهذه المنظمات، من دعوة إلى التحلل والفجور، بل وإلى إظهار دينهم والدعوة إليه. وإن مما يراه الجميع ما يرسمه أولئك العمال الكفار من رسوم صليبية وإلحادية على ما ينتجونه للمسلمين من أعمال، كالسجاد، والأثاث، والمباني. وهذا خلل في الدين ينتج عن ترك العمل عند المسلمين.
2 -
هيمنة أعداء المسلمين: إذا لم يعمل المسلمون ويملكوا الآلات والمعدات على اختلاف أنواعها اللازمة لميادين الحياة كافة، فسيطلبونها من أعدائهم، وأعداؤهم لن يوافقوا على إمدادهم بكل ما يطلبون، وما يوافقون عليه سيكون بشروط مذلة مخزية. فلن يسمح العدو إلا بآلات دون آلات. فمثلا الآلات الضخمة المتطورة التي تنتج الآلات لن يسمحوا بها بحال، ولن يبوحوا بسر تصنيعها، لكي يبقى المسلمون في حاجة مستمرة لهم، وليضمنوا استمرارية استهلاك ما تنتجه مصانعهم من آلات ومعدات، ولكي تتم الهيمنة على المسلمين فيما ينتجون ويستهلكون. وإن مما يشاهده الناس اليوم ويعرفه الجميع أن الكفار يحجبون عن المسلمين سر أي تصنيع غير استهلاكي، فضلا عن إمدادهم به، أو بما يلزم له، فلا يأذنون للمسلمين إلا بآلات
استهلاكية تروج مصانعهم وتجارتهم، أو بما يصون تلك الآلات، لكي تستمر عملية الاستغلال والاحتكار والهيمنة. ولا ذنب للكفار في ذلك، وإنما الذنب على المسلمين الذين تركوا العمل، وأخلدوا إلى أعدائهم.
3 -
شيوع الجريمة في المسلمين: للجريمة أسباب متعددة، منها الفراغ، ومنها الحاجة، ومنها حب الانتقام، ومنها غير ذلك، وإذا لم يعمل المسلمون فسيتيه شبابهم في فراغ قاتل يتولد عنه التفكير في كل جريمة، وخاصة إذا احتاج الشباب في عصر هيمنة الإعلام العالمي الداعي إلى كل جريمة وفجور، والقاضي على كل فضيلة. هذا من جانب المسلمين. أما من جانب العمالة الكافرة على اختلاف اعتقاداتها، ومذاهبها، فإنها تحمل معها كل وسائل ومغريات الجريمة، من السرقات، والسحر، والزنا، واللواط، وغيره، مما اعتادوه في بلادهم. وبدافع من حب الانتقام ممن قد يوغر صدورهم من المسلمين، أو بدافع من الطمع في المال، أو غيره، يرتكبون في حقه أبشع الجرائم. وهذه من مفاسد ترك العمل العظيمة.
4 -
ضعف اقتصاد المسلمين: يصيب اقتصاد المسلمين الضعف الشديد بترك المسلمين العمل من جانبين:
الجانب الأول: تعطيل إنتاجية الفرد المسلم: وذلك أن الفرد المسلم يحتاج إلى نفقات معيشية، وصحية، واجتماعية، وغيرها، وهو لا ينتج ما يقابل ذلك، فيكون الفرد عالة وحملا ثقيلا على اقتصاد الأمة.
الجانب الثاني: استنزاف العملة الحية خارج بلاد المسلمين: وذلك بما تكسبه العمالة الكافرة من أموال طائلة ضخمة بشتى أنواع العمل، وإخراج هذه الأموال من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار. وهذا توهين لاقتصاد المسلمين. هذا من حيث العموم، أما من حيث الخصوص فإن القدرة الإنتاجية للعامل المسلم لا تقاس بالقدرة الإنتاجية للعامل الكافر، لعدة أسباب وعوامل مؤثرة هي في الأصل كذلك، وإن لم تكن في الواقع كذلك. ولا نحتج بالواقع على الأصل.
5 -
ضعف الأبدان، وانحطاط المعنويات: يحتاج البدن إلى ما يقويه وينميه، وأحسن ما يكون ذلك بالعمل، حيث إن العمل يضطر الإنسان في الغالب إلى تقوية عموم بدنه، شاء أم أبى، وفي كل الظروف، بينما حصول ذلك بغير العمل لا يتحقق إلا في أحوال نادرة لا وزن لها، ولفئات في المجتمع محدودة لا أثر لها لأن تقوية الأبدان بغير العمل يخضع لظروف معينة لا تحصل إلا في النادر، كالاختيار، والنشاط، والرغبة، والإمكانيات، ولذا لا تحصل بغير العمل إلا لأناس هم من الندرة بمكان، نسبة لمن تحصل لهم بالعمل، وتقوية أبدان المسلمين غاية في الأهمية، حيث يصح به المسلم، وينشط عقله وفكره، ويكون قادرا على تحمل أعباء الحياة على اختلاف تقلباتها، وقادرا على رد كيد الكائدين عن أمة المسلمين. فبترك المسلمين العمل تنحط قواهم، وتتعطل عقولهم، وتتبلد أفكارهم، وتتسلط عليهم أعداؤهم، وتحل بهم ألوان الأمراض والآفات.