الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني: أحكام العمل:
من الأعمال ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب إليه، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم. ثم هل يكون العمل سببا في ترخص بعض العاملين في بعض الفرائض؟ هذا ما أتكلم عنه في تمهيد، وستة فصول:
التمهيد: هل يلزم العلماء بيان أحكام كل شيء
.
الفصل الأول: العمل الواجب.
الفصل الثاني: العمل المندوب إليه.
الفصل الثالث: العمل المباح.
الفصل الرابع: العمل المكروه.
الفصل الخامس: العمل المحرم.
الفصل السادس: هل يترخص العاملون بالعمل في شيء من الفرائض.
التمهيد: هل يلزم العلماء بيان أحكام كل شيء:
ليس هناك قضية ولا مسألة صغيرة ولا كبيرة في أمر دين أو دنيا، إلا ولها حكم في شرع الله، فشرع الله محيط بأحكام الحوادث إلى أن تقوم الساعة (1). وقد بذل العلماء جهودا عظيمة لاستخراج هذه الأحكام من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعموم أدلة الأحكام، ومقاصد الشرع. فعرض الفقهاء المسائل والقضايا الواقعة، وبينوا أحكامها تعميما وتخصيصا.
(1) ينظر: إعلام الموقعين لابن القيم (1/ 337).
ووضعوا مسائل وقضايا متصورة وغير واقعة، وبينوا أحكامها بأدلة الشرع النصية، وغير النصية، من قياس، وقواعد عامة، وغيرها. وعلماء كل عصر مسؤولون عن دراسة ما يجد في عصرهم من مسائل وأحداث، وبيان أحكامها الشرعية، وفقا لهذه الدراسة وما نتج عنها من تصور. ولا يعذرون في عدم التفقه في مسائل عصرهم أيا كانت هذه المسائل: مالية، أو اجتماعية، أو تعليمية، أو إعلامية، أو سياسية، أو غيرها.
ولا يصح ولا يتصور أن يقول أحد: إنه قد تستعصي على الفقهاء بعض المسائل؛ ذلك أنه ما من مسألة يجتمع لها الناس، فيدرسونها، ويعرفون حقيقة أمرها إلا وسيجدون حكمها في كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو القياس الصحيح، أو قواعد الشريعة العامة ومبادئها. فأحكام الشرع محيطة بلا ريب بقضايا كل عصر وأحداثه إحاطة عمومية وتفصيلية، على مر العصور، والدهور، وتجدد الأحداث.
على أنه لا يجوز أن تحمل النصوص، وسائر أدلة الأحكام فوق ما تحتمله، لإقرار حكم في مسألة حادثة، بحيث يتوسع في دلالتها بغير دليل ظاهر، كما أنه لا يجوز أن تضيق دلالتها، فيحجر على بعضها؛ نصرة لمذهب معين، أو رأي معين، أو مصلحة خاصة.
وإنما يجب التعامل مع النصوص ودلائل الأحكام الشرعية بمقتضى الفهم الصحيح المجرد عن أي هدف أو غرض، غير هدف وغرض معرفة حكم الله في المسألة. والخطأ محتمل في آراء العلماء واجتهاداتهم، ولكنه منتف تماما عن أدلة الشرع. فقد يستدل بعض العلماء
لمسألة أو حادثة بدليل شرعي وهو لا يدل عليها، وذلك لأسباب كثيرة بعضها مشروع، فهو معذور في خطئه، وبعضها غير مشروع، فهو غير معذور (1) فالاستدلال بالأدلة الشرعية يحتاج إلى التجرد التام عن أي رغبة في إثبات الحكم أو نفيه، كما يحتاج إلى فقه في النصوص والأدلة الشرعية، إلى فقه جامع غير مبتور، كما يحتاج إلى فقه المسألة التي يراد بيان حكمها، ودراستها من كل جانب؛ ليكون الحكم صادرا عن تصور صحيح متقن.
ويلزم العلماء بيان أحكام الأشياء التي تحتاج إلى بيان، وتبليغها للناس بوسائل التبليغ: من إعلام، وتعليم، ودروس، ومحاضرات، ودورات، وخطب، ومواعظ، وكتب، ونشرات - وليس المقصود الإحاطة بدقائق الأشياء- وإنما ما جاء من أحداث يجهل الناس أحكامها، ويتعاملون معها على جهل وتخرص.
ومن هذه الأمور التي تطورت في العصر الحديث واحتاجت إلى بيان أحكامها المختلفة: العمل. والعمل لا حدود لأنواعه، ويدخله أكثر الناس على جهل بأحكامه، سواء كان يدويا أو غير يدوي، ويعتقدون أن مجرد سكوت العلماء عن أحكام هذه الأعمال إباحة لها، وهو خطأ فادح. فإن من الأعمال ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب إليه، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، ولو سكت عنه العلماء. وهذا ما أسعى لبيانه ما استطعت، إسهاما مني، وخطوة أولى على الطريق، يتبعها- إن شاء الله-
(1) ينظر: رفع الملام عن الأئمه الأعلام لابن تيمية (27، 28).