الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه الآيات مسوقة مساق الامتنان الدال على الإباحة كما هو مقرر في علم الأصول.
وكذلك أيضا غير بهيمة الأنعام مما يحل أكله من الطيور والدجاج ومن غيرها، فالمقدور على تذكيته يذكى، وغير المقدور عليه يكون صيدا، دليل جوازها قوله تعالى:{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} (1) الآية.
(1) سورة الأنعام الآية 119
ومن الذبائح ما يكون مستحبا إراقة دمه، وهذا أنواع:
فمنها
الأضحية:
وهي شعيرة من شعائر الله وأصل مشروعيتها، كانت فداء لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام:{وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (1).
ودليل مشروعيتها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (2) ذكر المفسرون أن المراد بالنحر هنا الأضحية وأن الصلاة هنا هي صلاة العيد.
وأما السنة فحديث أنس رضي الله عنه قال: «ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر، فذبحهما بيده (3)» رواه الجماعة.
(1) سورة الصافات الآية 107
(2)
سورة الكوثر الآية 2
(3)
صحيح البخاري الأضاحي (5558)، صحيح مسلم الأضاحي (1966)، سنن الترمذي الأضاحي (1494)، سنن النسائي الضحايا (4415)، سنن أبو داود الضحايا (2794)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3120)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 268)، سنن الدارمي الأضاحي (1945).
وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها وجابر وأبي رافع وأبي سعيد وابن عمر، رضي الله عنهم، وغيرهم في السنن والمسند.
وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها في الجملة فهي سنة مؤكدة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليها. ولا يجزئ في الأضحية إلا جذع الضأن وهو ما له ستة أشهر، وثني المعز وهو ما له سنة وكذا ثني البقر وهو ما له سنتان، وثني الإبل وهو ما له خمس سنوات. والشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته وعياله؛ لحديث عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس، فصاروا كما ترى (1)» رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
ويجوز أن يشترك جماعة في بدنة أو بقرة، وهما تجزيان عن سبعة فلو اشترك فيها سبعة لكل واحد منهم سبع أجزأت؛ لحديث جابر رضي الله عنه قال:«أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما (2)» أخرجه مسلم وغيره، والشاة أفضل من أن يشترك في بدنة أو بقرة؛ لأن فيها زيادة في العدد، وإراقة الدم في ذلك اليوم مطلوبة مستحبة، وشعيرة ظاهرة.
ولا يجزئ في الأضحية إلا ما كان من بهيمة الأنعام، وكان خاليا من العيوب.
(1) سنن الترمذي الأضاحي (1505)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3147)، موطأ مالك الضحايا (1050).
(2)
صحيح مسلم الحج (1213)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 293).
والعيوب التي تؤثر في إجزاء الأضحية هي ما جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقي (1)» رواه الخمسة، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه النووي أيضا.
وقد جاء النهي عن التضحية بأعضب القرن والأذن والعضب النصف فأكثر، وكذلك جاء النهي عن التضحية بالمقابلة والمدابرة والشرقاء والخرقاء. فعلى المسلم اجتناب هذا كله وما في معناه، وأن يتقرب إلى الله بالطيب فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
ويستحب استسمان الأضاحي واستحسانها؛ لأن ذلك من تعظيم شعائر الله والله تعالى يقول: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (2)، وعن أبي أمامة بن سهل قال:«كنا نسمن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون» أخرجه البخاري. ووقت الذبح يبدأ من بعد صلاة عيد الأضحى فمن ضحى قبله لم تجزئ؛ لحديث البراء بن عازب في تضحية خاله أبي بردة بشاته قبل الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «شاتك شاة لحم (3)» وقد سبق.
ويستمر وقت جواز ذبحها ثلاثة أيام بعد يوم النحر، ويجب
(1) سنن الترمذي الأضاحي (1497)، سنن النسائي الضحايا (4370)، سنن أبو داود الضحايا (2802)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3144)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 301)، موطأ مالك الضحايا (1041)، سنن الدارمي الأضاحي (1950).
(2)
سورة الحج الآية 32
(3)
صحيح البخاري الجمعة (955)، صحيح مسلم الأضاحي (1961)، سنن الترمذي الأضاحي (1508)، سنن النسائي صلاة العيدين (1563)، سنن أبو داود الضحايا (2801)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 287)، سنن الدارمي الأضاحي (1962).
على من أراد أن يضحي أن يتجنب الأخذ من شعره وأظفاره وبشرته، منذ دخول العشر - عشر ذي الحجة - إن كانت نيته للأضحية منذ بداية العشر، وإلا فيجب عليه الإمساك متى نوى أثناء العشرة لحديث أم سلمة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره (1)» أخرجه الجماعة إلا البخاري. والأصل في الأضحية أنها عن الأحياء ويدخل الأموات فيها تبعا.
ويشرع أن يأكل من الأضحية ويطعم منها ويهدي؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على ذلك، ولا يجوز أن يعطي الجزار منها شيئا أجرة على جزارته.
ثم إنه ينبغي لكل مسلم أن يذبح أضحيته في بلده ويتولاها بنفسه؛ لأنها شعيرة ظاهرة يجب علينا المحافظة عليها وأن نعلمها أبناءنا، فيرونها وهي تذبح ثم ينظرون توزيعها وإهداءها والأكل منها، وبهذا تبقى هذه الشعيرة بين المسلمين، إذ ليس المقصود الأول من الأضحية الصدقة على الفقراء والمساكين وإنما تحقيق التقوى بإراقة الدم تقربا إلى الله، يقول الله تعالى:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} (2) فلا يشرع إخراجها من بلد المضحي بحجة أن هناك من هو أحوج لها، فنفع المحاويج له أبواب أخرى من أبواب البر.
(1) صحيح مسلم الأضاحي (1977)، سنن الترمذي الأضاحي (1523)، سنن النسائي الضحايا (4362)، سنن أبو داود الضحايا (2791)، سنن ابن ماجه الأضاحي (3150)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 289)، سنن الدارمي الأضاحي (1947).
(2)
سورة الحج الآية 37