الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أنواع العمل، وأفضل الأعمال:
يختلف العمل في نوعه اختلافا واسعا، فلا حصر لاشتغالات الإنسان. فمن الأعمال ما هو جد ومنها ما هو عبث {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} (1) ومنها ما هو فردي ومنها ما هو جماعي، ومنها ما هو بدني، ومنها ما هو فكري، ومنها ما هو يدوي، ومنها ما هو آلي، ومنها ما هو خطير، ومنها ما هو يسير، ومنها ما هو غير ذلك. ورغم تشعب العمل في أنواعه، فإنه يمكننا حصر أهم أنواع العمل، وهي التي تعمل في كل نوع منها أعداد كبيرة من الناس، يمكننا حصرها في أنواع ستة:
1 -
العمل الزراعي.
2 -
العمل الصناعي.
3 -
العمل التجاري.
4 -
العمل على الخدمة العامة.
5 -
العمل في تنمية الحيوان.
6 -
العمل الحرفي.
وسأتكلم عن كل واحد من هذه الأنواع الستة بشيء من التفصيل غير المستطرد.
النوع الأول: العمل الزراعي:
العمل الزراعي من أقدم وأوسع اشتغالات الإنسان الباحث عن الرزق. والزراعة تعامل مع الأرض التي هي أقرب وألصق ما يكون بالإنسان. وقد أودع الله
(1) سورة الشعراء الآية 128
تعالى في الأرض لعباده كثيرا من المعايش والخيرات، وأنزل لهم من السماء ماء فسلكه في الأرض ينابيع، وأنهارا، وآبارا؛ لينبت لهم به الزرع ومن كل الثمرات. فاستغلت أعداد هائلة من الناس هذه المسخرات، فحرثوا الأرض وعمروها وبذروها، فأنتجت لهم بإذن الله تعالى ألوانا شتى من الحبوب، والثمار، والفواكه، والخضروات، والأعلاف، فأكل الناس والأنعام، قال الله تعالى:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (1){أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} (2){ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} (3){فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا} (4){وَعِنَبًا وَقَضْبًا} (5){وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا} (6){وَحَدَائِقَ غُلْبًا} (7){وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (8){مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} (9).
وإن من خصائص العمل الزراعي أنه لا يتوقف أبدا مهما كانت الظروف والأحوال، نظرا لسعة مجاله، ويسر أعماله، وقرب ثمراته، ولا يسابق ميدان الزراعة الفسيح ميدان في سد حاجة الناس واشتغالاتهم. وقد وردت آيات كثيرة في الزراعة تذكر الناس بنعمة الله عليهم؟ ليحمدوه على هذه النعمة، من ذلك قول الله تعالى:{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} (10){أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} (11)، وقوله تعالى:{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} (12){وَلَا يَسْتَثْنُونَ} (13){فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ} (14){فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (15){فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} (16){أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} (17) وقوله تعالى. {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} (18){كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} (19){وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} (20)،
(1) سورة عبس الآية 24
(2)
سورة عبس الآية 25
(3)
سورة عبس الآية 26
(4)
سورة عبس الآية 27
(5)
سورة عبس الآية 28
(6)
سورة عبس الآية 29
(7)
سورة عبس الآية 30
(8)
سورة عبس الآية 31
(9)
سورة عبس الآية 32
(10)
سورة الواقعة الآية 63
(11)
سورة الواقعة الآية 64
(12)
سورة القلم الآية 17
(13)
سورة القلم الآية 18
(14)
سورة القلم الآية 19
(15)
سورة القلم الآية 20
(16)
سورة القلم الآية 21
(17)
سورة القلم الآية 22
(18)
سورة الكهف الآية 32
(19)
سورة الكهف الآية 33
(20)
سورة الكهف الآية 34
وقوله تعالى: {وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} (1). وآيات أخرى كثيرة تتحدث عن نعمة الله في إنبات الزرع، وإنزال المطر، وإخراج الثمرات المختلفة من الأرض.
كما جاءت أحاديث كثيرة من السنة تثني على الزراعة وتبشر الزارعين بالأجر على ما يخسرونه في مزارعهم وثمارهم، من ذلك:
1 -
حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة (2)» .
2 -
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة (3)» .
(1) سورة النمل الآية 60
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحرث والمزارعة) باب (1) فضل الزرع والغرس إذا أكل منه (3/ 66).
(3)
أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب المساقاة) باب (2) فضل الغرس والزرع، حديث (1552).
3 -
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها (1)» . وغير ذلك من الأحاديث الحاثة على الزرع والغرس.
وقد يلتبس على بعض الناس ما جاء من أحاديث تذم الزراعة، كحديث أبي أمامة الباهلي حين رأى سكة (2). وشيئا من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل (3)» . وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم (4)» .
فلا تعارض بين ما سبق ذكره من أحاديث الحث على الزراعة وبين هذين الحديثين وأمثالهما مما يبدو أنه ذم للزراعة. فالزراعة مذمومة إذا انصرف الناس إليها طلبا للترف والنعيم وتركوا الفروسية والجهاد في سبيل الله (5). وقد صرح في الحديث
(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (97) وأحمد في مسنده (3/ 183).
(2)
سكة: حديدة تحرث بها الأرض. (مختار الصحاح) للرازي (230).
(3)
أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحرث والمزارعة) باب (2) ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع أو مجاوزة الحد الذي أمر به (3/ 66).
(4)
أخرجه أبو داود (بذل المجهود) باب في النهي عن العينة (15/ 137).
(5)
في مأساة الأندلس خير مثال لذلك.