المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الخاتمة: إن أساس منهج الدعوة إلى الله، وشموليتها لكل إحساس يخطر - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٦٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌ دم الإحصار والفوات

- ‌ فدية الأذى وفدية ترك الواجب

- ‌ جزاء الصيد

- ‌ ما لزم بالنذر

- ‌ الأضحية:

- ‌ العقيقة

- ‌ هدي التطوع

- ‌ الصدقة المطلقة

- ‌ ذبيحة وليمة العرس

- ‌ ما ذكر عليه غير اسم الله

- ‌ الفرع والعتيرة:

- ‌حكم إدخال اليدينفي الإناء قبل غسلهما

- ‌حكم افتتاح الجرائد بالبسملة

- ‌حكم البول واقفا

- ‌هل يجوز إبقاء الصبيغير مختون إلى عشر سنوات

- ‌حكم القزع " التواليت

- ‌كيفية تسريح الشعر للرجل والمرأة

- ‌تحريم حلق اللحى وتعريف اللحية

- ‌حكم التقصير من اللحية

- ‌خضب الشعر بالحناء

- ‌الكتب التي بينت أحكام الحج

- ‌العمرة واجبة في العمر مرة

- ‌من اعتمر مع حجهفلا يلزمه عمرة أخرى

- ‌الحج مع القدرة واجب على الفور

- ‌حكم تأخير الحج إلى ما بعد الزواج

- ‌حكم تكرار الحج للرجال والنساء

- ‌العمرة مشروعة في كل وقت

- ‌مدى صحة قول العوام" من حج فرضه يقضب أرضه

- ‌حكم من نوى الحج كل عام ولم يستطع

- ‌الحج والعمرةأفضل من الصدقة بنفقتها

- ‌الأفضل لمن حج الفريضةأن يتبرع بنفقة حج التطوع في سبيل الله

- ‌تصرف نفقة حج التطوع فيعمارة المسجد إذا كانت الحاجة إليه ماسة

- ‌من مات على الإسلامفله ما أسلف من خير

- ‌تارك الصلاة لا يصح حجه

- ‌حج الصبي لا يجزئه عن حجة الإسلام

- ‌كيفية إحرام الصبي ولوازمه

- ‌أعمال الصبي لهويؤجر والده على تعليمه

- ‌ أولياء أمور الزوجات قد لا يوجدون عند كتابة عقود الأنكحة

- ‌ زواج المسيار

- ‌ عقوق الأبناء والبنات للآباء والأمهات

- ‌ عقيدة المرجئة

- ‌ سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدرك عقلي معناه

- ‌من فتاوى اللجنة الدائمةللبحوث العلمية والإفتاء

- ‌ حكم جوائز المسابقات التي يمنحهامهرجان (تسوق في وطني)

- ‌ حكم الجوائز المرتبة علىالمسابقات في الألعاب

- ‌ الوضوء من ألبان الإبل

- ‌ هل يكون لحم البقر من ضمن لحم الجزور

- ‌لا ينتقض الوضوء بالانتشار للذكر

- ‌العمل وأحكامه

- ‌الافتتاحية:

- ‌ موضوع البحث

- ‌ سبب بحث هذا الموضوع:

- ‌ منهج هذا البحث:

- ‌التمهيد: أهمية العمل عند المسلمين:

- ‌الباب الأول: حقيقة العمل، وضمان كفايته واستمراره بقدرة عالية عند المسلمين:

- ‌الفصل الأول: دواعي العمل عند المسلمين

- ‌المبحث الثاني: مشروعية العمل:

- ‌المبحث الثالث: حكمة مشروعية العمل:

- ‌المبحث الرابع: مفاسد ترك العمل عند المسلمين:

- ‌المبحث الخامس: ثمرات عمل المسلم:

- ‌المطلب الأول: العبادة المحضة:

- ‌المطلب الثاني: عمل العادة والعبادة:

- ‌الفصل الثاني: الموازنة في العمل بما يضمن جميع الكفايات:

- ‌المبحث الأول: العمل عند المسلمين وسيلة لا غاية:

- ‌المبحث الثاني: أنواع العمل، وأفضل الأعمال:

- ‌النوع الأول: العمل الزراعي:

- ‌النوع الثاني: العمل الصناعي:

- ‌النوع الثالث: العمل التجاري:

- ‌النوع الرابع: العمل في الخدمة العامة:

- ‌النوع الخامس: العمل في تنمية الحيوان:

- ‌النوع السادس: العمل الحرفي:

- ‌المبحث الثالث: إيجاد العمل ووفاؤه باحتياجات الأمة:

- ‌المطلب الأول: إيجاد الأعمال

- ‌المطلب الثاني: وفاء العمل بالاحتياجات:

- ‌الفصل الثالث: ضمان استمرار العمل ونموه:

- ‌المبحث الأول: تكثير مجالات العمل، وتنميتها

- ‌المبحث الثاني: تذليل معوقات العمل ومحاربة البطالة:

- ‌المطلب الأول: تذليل معوقات العمل

- ‌أولا: المعوقات البشرية:

- ‌ثانيا: المعوقات النفسية:

- ‌ثالثا: المعوقات الآلية:

- ‌رابعا: المعوقات المالية:

- ‌المطلب الثاني: محاربة البطالة:

- ‌المبحث الثالث: توفير المواد اللازمة لمختلف الأعمال والصناعات والتوسع فيها:

- ‌المبحث الرابع: تحسن نوعية الإنتاج:

- ‌الفصل الرابع: رفع قدرات أدوات الإنتاج الآلية والبشرية:

- ‌المبحث الأول: وسائل رفع الكفاءات العمالية

- ‌المبحث الثاني: الصبر على العمل وحوافزه ومغرياته:

- ‌المبحث الثالث: ضمان الإنتاج الكامل لكل عامل:

- ‌المبحث الرابع: تطوير ورفع قدرات آلات الإنتاج:

- ‌الباب الثاني: أحكام العمل:

- ‌التمهيد: هل يلزم العلماء بيان أحكام كل شيء

- ‌الفصل الأول: العمل الواجب:

- ‌الضرب الأول: العمل الواجب على كل قادر عليه من الناس:

- ‌الضرب الثاني: أعمال الواجب الكفائي:

- ‌الضرب الثالث: العمل الواجب على أشخاص بأعيانهم:

- ‌الفصل الثاني: العمل المندوب إليه:

- ‌الفصل الثالث: العمل المباح:

- ‌الفصل الرابع: العمل المكروه:

- ‌الفصل الخامس: الأعمال المحرمة:

- ‌الفصل السادس: هل يترخص العمال في شيء من الفرائض بسبب العمل

- ‌الخاتمة:

- ‌الدعوة الإسلامية ومنهجها القرآني

- ‌المقدمة:

- ‌المنهج القرآني:

- ‌مكانة الدعوة:

- ‌مراحل الدعوة:

- ‌شمولية الدعوة:

- ‌الخاتمة:

- ‌تمهيد في تعريف العيد والحكمة من تشريعه في الإسلام:

- ‌الفصل الأول في صلاة العيد:

- ‌المبحث الثاني: تحديد أماكن إقامة صلاة العيد:

- ‌المبحث الثالث: ما يشترط لصلاة العيد:

- ‌المبحث الرابع: الخروج لصلاة العيد:

- ‌المبحث الخامس: وقت أداء صلاة العيد:

- ‌المبحث السادس: إمامة الناس في صلاة العيد:

- ‌المبحث السابع: صفة صلاة العيد

- ‌المطلب الأول: قدر صلاة العيد:

- ‌المطلب الثاني: التكبير في صلاة العيد

- ‌المسألة الأولى: في عدد التكبيرات في صلاة العيد:

- ‌المسألة الثانية: استحباب رفع اليدين مع كل تكبيرة:

- ‌المسألة الثالثة: صفة التكبير:

- ‌المسألة الرابعة: حكم التكبير:

- ‌المبحث الثامن: ما يقرأ به في صلاة العيد:

- ‌المبحث التاسع: خطبتا صلاة العيد:

- ‌المبحث العاشر: التنفل قبل صلاة العيد وبعدها:

- ‌المبحث الحادي عشر: حكم من فاتته صلاة العيد:

- ‌المبحث الثاني عشر: صلاة العيد بالنسبة للحاج والمعتمر:

- ‌الفصل الثاني في زكاة الفطر:

- ‌التمهيد في الحكمة من مشروعية زكاة الفطر:

- ‌المبحث الأول: تعريف زكاة الفطر:

- ‌المبحث الثاني: حكم زكاة الفطر:

- ‌المبحث الرابع: من تجب عليهم زكاة الفطر:

- ‌المبحث الخامس سبب وجوب زكاة الفطر ووقته:

- ‌المبحث السادس: وقت وجوب أداء زكاة الفطر:

- ‌المبحث السابع: في جواز أداء زكاة الفطر قبل وجود سببها:

- ‌المبحث الثامن: نوع المخرج في زكاة الفطر ومقداره:

- ‌المبحث التاسع: مصرف زكاة الفطر:

- ‌المبحث العاشر: في نقل زكاة الفطر:

- ‌المبحث الأول: تعريف الأضحية والحكمة من مشروعيتها:

- ‌المبحث الثاني: حكم الأضحية:

- ‌المبحث الثالث: شروط وجوب الأضحية أو سنيتها:

- ‌المبحث الرابع: وقت ابتداء التضحية:

- ‌المبحث الخامس: حكم من ضحى قبل وقت التضحية أو أخرها حتى فواته:

- ‌المبحث السادس: أنواع الضحايا:

- ‌المبحث السابع: صفات الضحايا:

- ‌المبحث الثامن: السن المشترطة في الضحايا:

- ‌المبحث التاسع: عدد ما يجزئ من الضحايا عن المضحين:

- ‌المبحث العاشر: في مستحبات ينبغي للمضحي فعلها ومكروهات يحسن به اجتنابها:

- ‌ المستحبات

- ‌ المكروهات

- ‌المبحث الحادي عشر: في أحكام لحوم الضحايا:

- ‌الخاتمة:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌ ‌الخاتمة: إن أساس منهج الدعوة إلى الله، وشموليتها لكل إحساس يخطر

‌الخاتمة:

إن أساس منهج الدعوة إلى الله، وشموليتها لكل إحساس يخطر ببال ابن آدم على وجه الأرض، وبأي لغة يتحدث، متوفر في كتاب الله جل وعلا، لأن فيه الهدي والنور، وفيه الكمال، وراحة البال:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (1). فما ترك خيرا فيه مصلحة للثقلين - الجن والإنس - إلا وأرشد إليه، وما ترك شرا إلا وحذر الناس منه، سواء في أمور الدنيا، أو لما فيه السعادة الأخروية، سواء بالعبارة الواضحة أو بالمثل الذي يقرب الأمر المراد إلى الأذهان لتتفكر وتدرك حكمة الله:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (2). {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (3).

ولأن اللغة العربية، هي أبلغ اللغات البشرية، ومعانيها لا تحتمل دلالات متباينة، فقد خص الله هذه اللغة بمميزات عديدة ومنها: أنها لغة أهل الجنة، ونزل بها القرآن الكريم، ومعانيها ودلالة لفظها تصل إلى أعماق القلوب، وقد دخل بسبب ذلك

(1) سورة الإسراء الآية 9

(2)

سورة العنكبوت الآية 43

(3)

سورة الرعد الآية 4

ص: 256

كثير ممن أراد الله هدايتهم.

نموذج ذلك الطبيب الفرنسي، موريس بو كاي الذي جعل من نفسه داعية للنصرانية، لكل من يأتي إليه للعلاج، مستغلا بعض الحجج والشبهات، التي تثار ضد الإسلام، ومشككا في دلالة بعض المعاني في آيات القرآن الكريم، وأنه ليس من كلام الله صارفا لها عن دلالتها. مستغلا حالتي الجهل عند البعض، والضعف بالمرض لمن يأتونه للعلاج.

وقد هداه الله للإسلام بفضل الله ثم بحكمة وفهم الملك فيصل رحمه الله عندما أراد طرح شبهاته عليه، وكان لسان حاله يقول: إذا شكك الملك فيصل في بعض ما أقول له، فهذا أكبر: نصر للتبشير، وبعد علاجه له بدأ يطرح شبهاته المعتادة مستدلا بأن القرآن جاء فيه كذا وكذا، وأنه من كلام البشر وليس من كلام الله. وبهدوء الملك فيصل رحمه الله سأله بدل أن يكون مسئولا:

هل قرأت القرآن باللغة التي نزل بها وهي اللغة العربية؟ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1). ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (2). فرد عليه بأنني قرأته مترجما إلى اللغات الأوروبية، قال له الملك فيصل: لم تقرأه ولم تفهمه، اقرأه باللغة التي نزل بها ثم ناقشني بعد ذلك؛ لأنك لم تقرأ كلام الله

(1) سورة يوسف الآية 2

(2)

سورة النحل الآية 103

ص: 257

وإنما قرأت كلام المترجم. ذهب لتعلم العربية بجد، ساعة يوميا لمدة عامين، ثم قرأه باللغة العربية بعد إجادتها فلم يسعه إلا الإسلام، وتغير فهمه للقرآن أخذا من الآية الكريمة:{الم} (1){ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ،} (2). وألف كتابه: (التوراة والإنجيل والقرآن في نظر العلم العصري) الذي بين فيه أن القرآن العظيم هو الكتاب الوحيد الذي يستطيع المثقف ثقافة عصرية أن يعتقد أنه حق منزل من الله تعالى، ليس فيه حرف زائد ولا ناقص.

فكل آية من كتاب الله الكريم تشتمل على الدعوة والحكمة والعظة.

ومنهج الدعوة في كل آية ينبني أساسا على الإقرار بوحدانية الله، وإخلاص العمل له، والتصديق بأن القرآن حق من الله، والإيمان بالرسل كلهم؛ لأن دين الله واحد {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (3). والقرآن كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فيه نبأ

(1) سورة البقرة الآية 1

(2)

سورة البقرة الآية 2

(3)

سورة الشورى الآية 13

ص: 258

ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وهو المعجزة الخالدة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

يخاطب العقول على اختلاف مستوياتها، بحجج وبراهين، لتعود إلى الحق، ببراهينه العقلية، وتتبصر في عمق ما يدل عليه بحججه اليقينية.

وإن استقصاء ما في آي الذكر الحكيم في القرآن العظيم من دلائل منهجية لكل أمر لمما يعود الناس المنهج السليم للدعوة الإسلامية، مقرونا بالشواهد والوقائع، وبسط ذلك يقتضي تأليفا مطولا يضيق به وقت المؤتمرات المعدة لإبراز هذا الجانب في مكانة الدعوة الإسلامية.

ولكن أبرز ما يجب على كل مسلم الاهتمام بكتاب الله، والرجوع إليه في كل أمر وتطبيقه في العمل، ومخاطبة الآخرين في الدعوة إلى الله، على منهجه المرسوم، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، سواء كانوا أهل كتاب أو غيرهم من أصحاب المعتقدات، واستمالة قلوبهم بما يؤثر فيها، وتقريب المقارنات بين حالة وحالة بالمثل المضروب، والشاهد المحسوس استيحاء من منهج القرآن، مع نبذ الخلافات، أو العمل خلاف ما يدعو إليه القرآن، والامتثال لأمر الله وأمر رسوله وتحكيمهما في كل أمر يكون فيه خلاف:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (1). ذلك أن الدعوة يختلف

(1) سورة النساء الآية 65

ص: 259

منهجها في القرآن الكريم بين مدعو ومدعو.

فالجاهل يدعا بالرفق واللين، ليوضح له الحق بدلائله وبراهينه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1). وصاحب الشبهات إذا كان عنده جزء من علم يحاور باللين والرفق ومخاطبة عقله بالأدلة، وفهمه بالبراهين {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2). وعدم الغضب عند المحاورة معهم، أو تسفيه آرائهم، وشتم ما يعبدون حتى لا تأخذهم الحمية الجاهلية، فيكيلوا الصاع صاعين:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (3).

وأن يكون الداعي إلى الحق واسع الصدر، متحملا ما يبدر من تصرفات المدعو، مقربا إليه الأمر المدعو إليه، بما يحفز للتأثير في أحاسيسه، حتى يلين في الاستماع، ولو بعد زمن:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (4).

أما إذا كان المجادل لديه علم، ولكنه يجادل بالباطل لا للاسترشاد والبحث عن الحقيقة، ويكابر في تلبيس الحق الذي بلغ به، كما هي الحال مع نصارى نجران، الذين حكى الله

(1) سورة النحل الآية 125

(2)

سورة العنكبوت الآية 46

(3)

سورة الأنعام الآية 108

(4)

سورة آل عمران الآية 159

ص: 260

شبهاتهم في سورة آل عمران وعنادهم، فكانت الدعوة للمباهلة هي الفاصلة {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (1).

وهكذا نجد أن منهج القرآن في إبانة الحق مع المدعوين بأن يأتي مع كل حادثة حديث، ولكل مقام مقال يتلاءم معه، بحسب حالة القلوب ورغبات النفوس: لينا وتأثيرا أو شدة وتعنيفا.

وما أحكم ما قال الأول:

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد

والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

(1) سورة آل عمران الآية 61

ص: 261

صفحة فارغة

ص: 262

عبادات بدنية ومالية

ذات صلة بالعيد في الإسلام

للدكتور: محمد بن عبد الله بن بطيح الشمراني (1)

المقدمة:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد:

فإن العيد في الإسلام هو من المناسبات التي يجب أن تكون خالصة لله عز وجل، فالمسلم يقوم فيه بعبادات بدنية ومالية لخالقه سبحانه وتعالى. هذه العبادات تعود عليه كلما عاد العيد في كل عام جديد بفرح وغبطة وسعادة وهناء، فهي مما يجدد صلة المسلم بربه، وتكون له مبعث انبساط وانشراح.

فصلاة العيد التي يؤديها المسلمون يوم العيد تكون صلة بين العبد ومولاه، كغيرها من الصلوات، وله فيها راحة في

(1) الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية -جامعة الملك سعود. .

ص: 263

الدنيا، وجائزة له في الآخرة، حيث يخرج المسلمون رجالا ونساء، كبارا وصغارا لأدائها، ومشاهدتها، فيرجعون من مصلياتهم بذنب مغفور وتجارة لن تبور.

فهذه زكاة الفطر التي هي فرض عين على المسلمين، يؤديها كل قادر عليها تكون طهرة لصائم رمضان من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين لإغنائهم بها عن المسألة في يوم العيد، فيشاركون إخوانهم المسلمين في فعل الطاعات، وإشباع الجوانب المادية لدى الإنسان بالتوسع في أكل المباحات، وممارسة بعض الهوايات من الألعاب المباحة، ولبس الجديد من الثياب ومس الطيب غير منشغلين إلا بما ينشغل به بقية إخوانهم المسلمين في عيدهم السعيد.

فالناظر في زكاة الفطر وآثارها الاجتماعية على مجتمعات المسلمين، ومعالجتها لمشكلة الفقر مع بقية الصدقات عند المسلمين، يتجلى له النظام الاجتماعي التكافلي في الإسلام، وواقعية هذا النظام، وأنه يعالج مشكلة الفقر معالجة جذرية لا يسمو إليها أي نظام بشري مهما بدا للناس حسنه وكماله.

وهذه أيضا الأنساك من الأنعام تذبح في يوم عيد الأضحى المبارك، يتقرب بها المضحي إلى الله تعالى فيقع الدم منها عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فيأكل منها ويطعم أهل بيته، ويهدي أصدقاءه ويتصدق على الفقراء، وتكون له مطية يوم القيامة. ولما كانت معرفة العيد والأحكام المتصلة به من الأهمية بمكان للمسلم، وبخاصة بعد أن وقع الابتداع فيها من بعض

ص: 264