الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة:
إن أساس منهج الدعوة إلى الله، وشموليتها لكل إحساس يخطر ببال ابن آدم على وجه الأرض، وبأي لغة يتحدث، متوفر في كتاب الله جل وعلا، لأن فيه الهدي والنور، وفيه الكمال، وراحة البال:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (1). فما ترك خيرا فيه مصلحة للثقلين - الجن والإنس - إلا وأرشد إليه، وما ترك شرا إلا وحذر الناس منه، سواء في أمور الدنيا، أو لما فيه السعادة الأخروية، سواء بالعبارة الواضحة أو بالمثل الذي يقرب الأمر المراد إلى الأذهان لتتفكر وتدرك حكمة الله:{وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (2). {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (3).
ولأن اللغة العربية، هي أبلغ اللغات البشرية، ومعانيها لا تحتمل دلالات متباينة، فقد خص الله هذه اللغة بمميزات عديدة ومنها: أنها لغة أهل الجنة، ونزل بها القرآن الكريم، ومعانيها ودلالة لفظها تصل إلى أعماق القلوب، وقد دخل بسبب ذلك
(1) سورة الإسراء الآية 9
(2)
سورة العنكبوت الآية 43
(3)
سورة الرعد الآية 4
كثير ممن أراد الله هدايتهم.
نموذج ذلك الطبيب الفرنسي، موريس بو كاي الذي جعل من نفسه داعية للنصرانية، لكل من يأتي إليه للعلاج، مستغلا بعض الحجج والشبهات، التي تثار ضد الإسلام، ومشككا في دلالة بعض المعاني في آيات القرآن الكريم، وأنه ليس من كلام الله صارفا لها عن دلالتها. مستغلا حالتي الجهل عند البعض، والضعف بالمرض لمن يأتونه للعلاج.
وقد هداه الله للإسلام بفضل الله ثم بحكمة وفهم الملك فيصل رحمه الله عندما أراد طرح شبهاته عليه، وكان لسان حاله يقول: إذا شكك الملك فيصل في بعض ما أقول له، فهذا أكبر: نصر للتبشير، وبعد علاجه له بدأ يطرح شبهاته المعتادة مستدلا بأن القرآن جاء فيه كذا وكذا، وأنه من كلام البشر وليس من كلام الله. وبهدوء الملك فيصل رحمه الله سأله بدل أن يكون مسئولا:
هل قرأت القرآن باللغة التي نزل بها وهي اللغة العربية؟ {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1). ويقول سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (2). فرد عليه بأنني قرأته مترجما إلى اللغات الأوروبية، قال له الملك فيصل: لم تقرأه ولم تفهمه، اقرأه باللغة التي نزل بها ثم ناقشني بعد ذلك؛ لأنك لم تقرأ كلام الله
(1) سورة يوسف الآية 2
(2)
سورة النحل الآية 103
وإنما قرأت كلام المترجم. ذهب لتعلم العربية بجد، ساعة يوميا لمدة عامين، ثم قرأه باللغة العربية بعد إجادتها فلم يسعه إلا الإسلام، وتغير فهمه للقرآن أخذا من الآية الكريمة:{الم} (1){ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ،} (2). وألف كتابه: (التوراة والإنجيل والقرآن في نظر العلم العصري) الذي بين فيه أن القرآن العظيم هو الكتاب الوحيد الذي يستطيع المثقف ثقافة عصرية أن يعتقد أنه حق منزل من الله تعالى، ليس فيه حرف زائد ولا ناقص.
فكل آية من كتاب الله الكريم تشتمل على الدعوة والحكمة والعظة.
ومنهج الدعوة في كل آية ينبني أساسا على الإقرار بوحدانية الله، وإخلاص العمل له، والتصديق بأن القرآن حق من الله، والإيمان بالرسل كلهم؛ لأن دين الله واحد {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} (3). والقرآن كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: فيه نبأ
(1) سورة البقرة الآية 1
(2)
سورة البقرة الآية 2
(3)
سورة الشورى الآية 13
ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وهو المعجزة الخالدة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يخاطب العقول على اختلاف مستوياتها، بحجج وبراهين، لتعود إلى الحق، ببراهينه العقلية، وتتبصر في عمق ما يدل عليه بحججه اليقينية.
وإن استقصاء ما في آي الذكر الحكيم في القرآن العظيم من دلائل منهجية لكل أمر لمما يعود الناس المنهج السليم للدعوة الإسلامية، مقرونا بالشواهد والوقائع، وبسط ذلك يقتضي تأليفا مطولا يضيق به وقت المؤتمرات المعدة لإبراز هذا الجانب في مكانة الدعوة الإسلامية.
ولكن أبرز ما يجب على كل مسلم الاهتمام بكتاب الله، والرجوع إليه في كل أمر وتطبيقه في العمل، ومخاطبة الآخرين في الدعوة إلى الله، على منهجه المرسوم، بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، سواء كانوا أهل كتاب أو غيرهم من أصحاب المعتقدات، واستمالة قلوبهم بما يؤثر فيها، وتقريب المقارنات بين حالة وحالة بالمثل المضروب، والشاهد المحسوس استيحاء من منهج القرآن، مع نبذ الخلافات، أو العمل خلاف ما يدعو إليه القرآن، والامتثال لأمر الله وأمر رسوله وتحكيمهما في كل أمر يكون فيه خلاف:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (1). ذلك أن الدعوة يختلف
(1) سورة النساء الآية 65
منهجها في القرآن الكريم بين مدعو ومدعو.
فالجاهل يدعا بالرفق واللين، ليوضح له الحق بدلائله وبراهينه:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1). وصاحب الشبهات إذا كان عنده جزء من علم يحاور باللين والرفق ومخاطبة عقله بالأدلة، وفهمه بالبراهين {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (2). وعدم الغضب عند المحاورة معهم، أو تسفيه آرائهم، وشتم ما يعبدون حتى لا تأخذهم الحمية الجاهلية، فيكيلوا الصاع صاعين:{وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (3).
وأن يكون الداعي إلى الحق واسع الصدر، متحملا ما يبدر من تصرفات المدعو، مقربا إليه الأمر المدعو إليه، بما يحفز للتأثير في أحاسيسه، حتى يلين في الاستماع، ولو بعد زمن:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} (4).
أما إذا كان المجادل لديه علم، ولكنه يجادل بالباطل لا للاسترشاد والبحث عن الحقيقة، ويكابر في تلبيس الحق الذي بلغ به، كما هي الحال مع نصارى نجران، الذين حكى الله
(1) سورة النحل الآية 125
(2)
سورة العنكبوت الآية 46
(3)
سورة الأنعام الآية 108
(4)
سورة آل عمران الآية 159
شبهاتهم في سورة آل عمران وعنادهم، فكانت الدعوة للمباهلة هي الفاصلة {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} (1).
وهكذا نجد أن منهج القرآن في إبانة الحق مع المدعوين بأن يأتي مع كل حادثة حديث، ولكل مقام مقال يتلاءم معه، بحسب حالة القلوب ورغبات النفوس: لينا وتأثيرا أو شدة وتعنيفا.
وما أحكم ما قال الأول:
وفي كل شيء له آية
…
تدل على أنه الواحد
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
(1) سورة آل عمران الآية 61
صفحة فارغة
عبادات بدنية ومالية
ذات صلة بالعيد في الإسلام
للدكتور: محمد بن عبد الله بن بطيح الشمراني (1)
المقدمة:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد:
فإن العيد في الإسلام هو من المناسبات التي يجب أن تكون خالصة لله عز وجل، فالمسلم يقوم فيه بعبادات بدنية ومالية لخالقه سبحانه وتعالى. هذه العبادات تعود عليه كلما عاد العيد في كل عام جديد بفرح وغبطة وسعادة وهناء، فهي مما يجدد صلة المسلم بربه، وتكون له مبعث انبساط وانشراح.
فصلاة العيد التي يؤديها المسلمون يوم العيد تكون صلة بين العبد ومولاه، كغيرها من الصلوات، وله فيها راحة في
(1) الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية -جامعة الملك سعود. .
الدنيا، وجائزة له في الآخرة، حيث يخرج المسلمون رجالا ونساء، كبارا وصغارا لأدائها، ومشاهدتها، فيرجعون من مصلياتهم بذنب مغفور وتجارة لن تبور.
فهذه زكاة الفطر التي هي فرض عين على المسلمين، يؤديها كل قادر عليها تكون طهرة لصائم رمضان من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين لإغنائهم بها عن المسألة في يوم العيد، فيشاركون إخوانهم المسلمين في فعل الطاعات، وإشباع الجوانب المادية لدى الإنسان بالتوسع في أكل المباحات، وممارسة بعض الهوايات من الألعاب المباحة، ولبس الجديد من الثياب ومس الطيب غير منشغلين إلا بما ينشغل به بقية إخوانهم المسلمين في عيدهم السعيد.
فالناظر في زكاة الفطر وآثارها الاجتماعية على مجتمعات المسلمين، ومعالجتها لمشكلة الفقر مع بقية الصدقات عند المسلمين، يتجلى له النظام الاجتماعي التكافلي في الإسلام، وواقعية هذا النظام، وأنه يعالج مشكلة الفقر معالجة جذرية لا يسمو إليها أي نظام بشري مهما بدا للناس حسنه وكماله.
وهذه أيضا الأنساك من الأنعام تذبح في يوم عيد الأضحى المبارك، يتقرب بها المضحي إلى الله تعالى فيقع الدم منها عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فيأكل منها ويطعم أهل بيته، ويهدي أصدقاءه ويتصدق على الفقراء، وتكون له مطية يوم القيامة. ولما كانت معرفة العيد والأحكام المتصلة به من الأهمية بمكان للمسلم، وبخاصة بعد أن وقع الابتداع فيها من بعض