الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 - شبهة: رفع المعطوف على المنصوب
.
نص الشبهة:
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)} (المائدة: 69).
فهذه الآية بها خطأ نحْوي؛ إذ (الصابئون) معطوفة على منصوب (الذين آمنوا)، فكان حقها أن تنصب؛ فيقال:(والصابئين) ولكنها جاءت مرفوعة.
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: ما جاء عن النحاة والمفسرين في توجيه رفع (الصابئون)
.
للنحاة في هذه الآية تسعة أقوال نذكر منها الآتي:
الأول: قول الخليل وسيبويه وأتباعهما من البصريين، أن (الصابئون) مرفوع على أنه مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه خبر ما بعده:(والنصارى من آمن منهم باللَّه) -أي: أن الواو للاستئناف- قالوا: والنية فيه التأخير، أي: تأخير (والصابئون) إلى ما بعد (والنصارى)، وتقدير النظم والمعنى عندهم:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم باللَّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون كذلك). (1)
ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما
…
عندك راضٍ والرأي مختلف (2)
فقد حذف الخبر من المبتدأ الأول، وتقديره: راضون لدلالة الثاني عليه: راضٍ، والمعنى: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راض، فحذف خبر الأول اكتفاءً بالثاني. (3)
وقول الآخر:
(1) الكتاب لسيبويه 2/ 155، التبيان في إعراب القرآن للعكبري 1/ 221، ومعاني القرآن للزجاج 2/ 193، وشرح كافية ابن الحاجب للرضي 4/ 371، ومغني اللبيب لابن هشام 2/ 168.
(2)
هذا البيت نسبه سيبويه في الكتاب لقيس بن الخطيم، ونسبه صاحب خزانة الأدب لعمرو ابن امريء القيس الخزرجي في قصيدة له. خزانة الأدب 4/ 275.
(3)
الكتاب لسيبويه 1/ 75.
فمن يكُ أمسى بالمدينة رحله
…
فإني وقيَّارًا بها لغريب
والتقدير: فإني لغريب وقيارٌ كذلك. (1)
وهكذا ورد في الاستعمال اللغوي عند العرب؛ أن الجملة الاسمية المؤكدة بـ (إنَّ) يجوز أن يذكر فيها مبتدأ آخر غير اسم (إنَّ) وأن يذكر خبر واحد يكون لاسم (إنَّ)، ويحذف خبر المبتدأ الثاني لدلالة خبر اسم (إنَّ) عليه، أو يحذف خبر اسم (إنَّ)، ويكون الخبر المذكور للمبتدأ الثاني دليلًا على خبر اسم (إنَّ) المحذوف.
وعلى هذا تُخَرَّجُ كَلِمَةُ "الصابئون" في الآية الكريمة.
واختار الزمخشري من المفسرين النحاة هذا المذهب فقال: (والصابئون) رفع على الابتداء، وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز (إنَّ) من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك. (2)
وقد تفيد الواو العطف على محل اسم (إنَّ) الذي حقه الرفع كمبتدأ قبل تمام الخبر. (3)
قال الفراء: فإن رفع (الصابِئين) على أنه عطف على (الذين)، و (الذين) حرف على جهة واحدة في رفعه ونصبه وخفضه، فلمَّا كان إعرابه واحدا وكان نصب (إنّ) نصبًا ضعيفًا -وضعفه أنه يقع على الاسم ولا يقع على خبره- جاز رفع الصابئين. (4)
(1) المصدر السابق.
(2)
الكشاف للزمخشري (1/ 660) وانظر: فتح القدير للشوكاني (2/ 90).
(3)
وهذا مذهب الكوفيين، قال الشاعر:
غداة أحلت لابن أصرم طعنة
…
حصين عبيطات السدائف والخمرُ
فرفع الخمر على الاستئناف، فكأنه قال: والخمر كذلك، وقال آخر:
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
…
من المال إلا مسحتًا أو مجُلفُ
فرفع مجلف على الاستئناف، فكأنه قال: أو مجلف كذلك، وهذا كثير في كلامهم، انظر الإنصاف لابن الأنباري 1/ 185.
(4)
معاني القرآن للفراء 1/ 230، 240.
الثاني: أنَّ (إنَّ) في قوله تعالى: (إنَّ الذين آمنوا) ليست هي (إنَّ) الناسخة، التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر، بل هي بمعنى: نعم؛ يعنى: حرف جواب، فلا تعمل في الجملة الاسمية لا نصبًا ولا رفعًا، وعلى هذا فالذي بعدها مرفوع المحل؛ لأن (الذين) اسم موصول، وهو مبنيٌّ في محل رفع، وكذلك (الصابئون) فإنه مرفوع لفظًا، مفرده (صابئ).
وقد استعملها العرب كذلك؛ قال قيس بن الرقيات:
برز الغواني من الشباب
…
يلمنني، وآلو مُهُنَهْ
ويقلن شيبٌ قد علاك
…
وقد كبرتَ، فقلت إنَّهْ. (1)
أي فقلت: نعم.
وعلى هذا فإن كلا من (الذين) و (الصابئون) و (النصارى) أسماء مرفوعة، فلا خطأ في الآية.
والواقع أن ما ذهب إليه البصريون، هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع:(الصابئون) في هذه الآية الكريمة.
وتبقت آراء دون رأي البصريين في الحجة، منها:
- أن يكون (الصابئون) عطفًا على المضمر المرفوع في (هادوا)، و (هادوا) بمعنى: تابوا. (2)
- أن (الصابئون) عطف على الصلة بحذف الصدر أي: الذين هم الصابئون، ولا يخفى بعده. (3)
- أنه منصوب بفتحة مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه، واعترض بأن لغة بلحارث وغيرهم -الذين جعلوا المثنى دائمًا بالألف نحو: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأعربوه بحركات مقدرة- إنما هي في المثنى خاصة، ولم ينقل نحو ذلك عنهم في الجمع. (4)
(1) الكتاب لسيبويه 1/ 475.
(2)
قال ابن الأنباري: وهذا الوجه ضعيف، لأن العطف على المضمر المرفوع قبيح؛ الإنصاف 1/ 190، وقد نُقل ذلك عن الكسائي، وخطأ الزجاجُ هذا التوجيه.
(3)
روح المعاني للآلوسي 6/ 202، 203.
(4)
المصدر السابق.