الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - شبهة: نصب المعطوف على المرفوع
الشبهة في آيتين:
الأولى في قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)} (النساء: 162)، فما قبل كلمة (المقيمين) وما بعدها مرفوع، والمعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه، فكان حقها الرفع فتقول: والمقيمون الصلاة.
فكلمة: (الصابرين) جاءت منصوبةً بـ (الياء) بعد: (والموفون)، وكان يجب أن يرفع المعطوف (الصابرين) على المرفوع (الموفون)؛ فيقول: والموفون والصابرون، على حد زعمهم.
ففي الموضعين عُطف على كلمة منصوبة بكلمة مرفوعة، أو جاءت كلمة مرفوعة في سياقٍ كُلُّه منصوب يربط بينه العطف.
الرد على الشبهة في الآية الأولى من وجوه:
الوجه الأول: العرب تخالف الإعراب بالنصب في حالات منها: النصب على الاختصاص بالمدح، وقطع النعوت
.
فالاختصاص: مخالفة إعراب كلمة لإعراب ما قبلها بقصد المدح أو الذم، ويسمى الاختصاص والقطع. (1)
يقول الزمخشري: و (المقيمين) نُصِبَ على المدح لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع،
(1) الاختصاص النحوي هو النصب على المدح، والاختصاص البياني هو النصب بإضمار فعل لائق. كتاب الكليات لأبى البقاء الكفوي ص 59.
وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد، ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة والإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب اللَّه ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقًا يرفه من يلحق بهم.
وقيل: هو عطف على (بما أنزل إليك) أي: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء، وفي مصحف عبد اللَّه:(والمقيمون) بالواو، وهي قراءة مالك بن دينار والجحدري عيسى الثقفي. (1)
قال ابن عطية: وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بـ (أعني)، والرفع بعد ذلك بـ (هم)، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحوي الكوفة والبصرة. (2)
وانتصب (المقيمين) على المدح، وارتفع (والمؤتون) أيضًا على إضمار:(وهم) على سبيل القطع إلى الرفع، ولا يجوز أن يعطف على المرفوع قبله؛ لأنَّ النعت إذا انقطع في شيء منه لم يعد ما بعده إلى إعراب المنعوت، وهذا القطع لبيان فضل الصلاة والزكاة، فكثر الوصف بأن جُعل في جمُل. (3)
وعطفُ (المقيمين) بالنصب ثبتَ في المصحف الإمام، وقرأه المسلمون في الأقطار دون تنكير؛ فعلمنا أنه طريقةٌ عربيةٌ في عَطْفِ الأسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِفَات محامد على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفع على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة سواء كانت بدون عطف أم بعطف كقوله
(1) الكشاف للزمخشري 1/ 588.
(2)
المحرر الوجيز لابن عطية 2/ 135.
(3)
البحر المحيط لأبي حيان 3/ 411، وانظر: فتح القدير للشوكاني 1/ 537.