الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8 -
وقيل من حذف الوصوف وإقامة الصفة مقامه أي: إن رحمة اللَّه شيء قريب أو لطيف أو بر أو إحسان. (1)
الوجه الثالث: لفظ (قريب) يستخدم لمعنيين: قرابلأ النسب، وقرابة المكان
.
فإذا استخدم لقرابة المكان كان التذكير والتأنيث فيه سواء، قوله:{إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)} .
قال الفراء: ذُكِّرَت (قريب) لأنه ليس بقرابة في النَّسَب، قال: ورأيت العرب تؤنث القريبة في النسب لا يختلفون فيها، فإذا قالوا: دارك منّا قريب، أو فلانة منك قريب في القرب والبعد ذكَّروا وأنَّثوا، وذلك أن القريب في المعنى وإن كان مرفوعا فكأنه في تأويل: هي من مكان قريب. فجعل القريب خَلَفا من المكان؛ كما قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} وقال: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} ولو أَنَّث ذلك فبنى على بَعُدَتْ منك فهي بعيدة، وقَرُبت فهي قريبة كان صوابًا حسنًا، وقال عروة:
عشِيَّةَ لا عفراءُ مِنك قرِيبة
…
فتدنو ولا عفراء مِنك بعِيد. (2)
= هذا تعطى المضاف تأنيثا لم يكن له فلأن تعطيه تذكيرا لم يكن له كما في الآية الكريمة أحق وأولى؛ لأن التذكير أولى والرجوع إليه أسهل من الخروج عنه.
وقيل: من الاستغناء بأحد المذكورين لكون الآخر تبعًا له ومعنى من معانيه، ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى: فظلت أعناقهم لها خاضعين فاستغنى عن خبر الأعناق بخبر أصحابها، والأصل هنا: إن رحمة اللَّه قريب وهو قريب من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ظهور ذلك المعنى، ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: وما يدريك لعل الساعة قريب، قال البغوي: لم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي ومجازها الوقت، وقال الكسائي: إتيانها قريب. البرهان للزركشي 3/ 360، وانظر تفسير البغوي المسمى: معالم التنزيل 2/ 166.
(1)
البرهان في علوم القرآن للزركشي 3/ 360، وانظر شرح المفصل للزمخشري لابن يعيش: فصل: . . . يجوز تركه -أي: الموصوف- وإقامة الصفة مقامه 3/ 58.
(2)
هذا البيت لعروة بن حزام من قصيدة له أوّلها: (وإني لتعروني لذكراك روعة ** لها بين جلدي والعظام دبيب) انظر: خزانة الأدب 3/ 215، الأغاني للأصفهاني 24/ 129. =