الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الثاني: الحكمة من خلق آدم على عدة مراحل
.
قال الرازي: والأقرب أنه تعالى خلق آدم أولًا من تراب، ثم من طين، ثم من حمأ مسنون، ثم من صلصال كالفخار، ولا شك أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان، بل هو قادر على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة ومصلحتهم ومصلحة الجن، لأن خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلق الشيء من شكله وجنسه (1).
الوجه الثالث: خلق سلالة آدم عليه السلام تم أيضًا على عدة مراحل
.
وكذلك الحال والمنهاج مع المصطلحات التي وردت بالآيات القرآنية التي تحدثت عن خلق سلالة آدم عليه السلام، فكما تدرج خلق الإنسان الأول آدم من التراب إلى الطين. . . إلى الحمأ المسنون. . . إلى الصلصال. . . حتى نفخ اللَّه فيه من روحه. . . كذلك تدرج خلق السلالة والذرية بدءًا من (النطفة) -التي هي الماء الصافي- ويُعَبَّرُ بها عن ماء الرجل (المنىّ). . . إلى (العَلَقَة) التي هي الدم الجامد، الذي يكون منه الولد؛ لأنه يعلق ويتعلق بجدار الرحم إلى (المضغة) وهى قطعة اللحم التي لم تنضج، والمماثلة لما يمضغ بالفم. . . إلى (العظام). . . إلى (اللحم) الذي يكسو العظام. . . إلى (الخلق الآخر) الذي أصبح بقدرة اللَّه في أحسن تقويم (2).
ومن الآيات التي تحدثت عن توالى وتكامل هذه المراحل في خلق وتكوين نسل الإنسان الأول وسلالته قول اللَّه سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)} (الحج: 5).
(1) تفسير الفخر الرازي 1/ 2672.
(2)
انظر معاني هذه المصطلحات في (المفردات في غريب القرآن).
وإذا كانت (النطفة) هي ماء الرجل. . فإنها عندما تختلط بماء المرأة، توصف بأنها (أمشاج) -أي مختلطة- كما جاء في قوله تعالى:{إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)} (الإنسان: 2).
كما توصف هذه (النطفة) بأنها (ماء مهين) لقلته وضعفه. . وإلى ذلك تشير الآيات الكريمة: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} (السجدة: 7 - 9)، {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (المرسلات: 20 - 23).
وكذلك وصفت (النطفة) -أي: ماء الرجل- بأنه (دافق) لتدفقه واندفاعه. . كما جاء في الآية الكريمة: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (الطارق 5: 7).
هكذا عبر القرآن الكريم عن مراحل الخلق. . خلق الإنسان الأول. . وخلق سلالات وزريات هذا الإنسان. . وهكذا قامت مراحل الخلق، ومصطلحات هذه المراحل شواهد على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم عندما جاء العلم الحديث ليصدق على هذه المراحل ومصطلحاتها؛ حتى لقد انبهر بذلك علماء عظام فاهتدوا إلى الإسلام (1).
فكيف يجوز -بعد ذلك ومعه- أن يتحدث إنسان عن وجود تناقضات بين هذه المصطلحات. . لقد صدق اللَّه العظيم إذ يقول: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
(1) ومن هؤلاء موريس بوكاي صاحب كتاب (التوراة والإنجيل والقرآن والعلم الحديث).
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)} (النساء: 82)(1).
{ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ} ، ذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوما كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن اللَّه، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط- ثم يشرع قي التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس، ويدان، وصدر، وبطن، وفخذان، ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى:{ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} (الحج: 5) أي: كما تشاهدونها، {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى:{مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق (2).
فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل اللَّه تعالى إليها ملكًا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء اللَّه عز وجل؛ من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها، وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق-: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّه مَلكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ"(3).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه قال: النطفة إذا استقرت
(1) حقائق الإسلام في رد شبهات المشككين صـ 267: 263.
(2)
تفسير الطبري 17/ 117.
(3)
رواه البخاري (3154)، ومسلم (2643).
في الرحم، أخذها ملك بكفه قال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل:"غير مخلقة" لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل:(مخلقة)، قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: اللَّه. فيقال: من رازقك؟ فتقول: اللَّه. فيقال له: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي:{يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق (1).
وروى ابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين؛ فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول اللَّه، ويكتبان. فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول اللَّه، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص" ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، ومن طرق أُخَرَ، عن أبي الطُّفَيل، بنحو معناه (2).
وقوله: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي: ضعيفًا في بدنه، وسمعه، وبصره، وحواسه، وبطشه، وعقله، ثم يعطيه اللَّه القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به، ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولهذا قال:{ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى} أي: في حال شبابه وقواه، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر} ، وهو الشيخوخة، والهَرَم، وضعف
(1) تفسير الطبري 17/ 117.
(2)
رواه مسلم (2644).
القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخَرَف وضعف الفكر؛ ولهذا قال:{لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} ، كما قال تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)} (الروم: 54). وقال اللَّه تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)} (المؤمنون: 12 - 16).
قال ابن كثير: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى:{وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)} (السجدة: 7 - 8) أي: ضعيف، كما قال:{أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)} يعني: الرحمُ مُعَد لذلك مهيأ له {إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)} (المرسلات: 22 - 23) أي: إلى مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنَقَّل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا:{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي: ثم صَيَّرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره- وترائب المرأة -وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة- فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم.
{فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} وهي قطعة كالبَضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا} قال ابن عباس: وهو عظم الصلب.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلَّا