الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - شبهة: نصب الفاعل
.
نص الشبهة:
قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)} (البقرة: 124).
فيه خطأ نحوي هو: نصب الفاعل (الظَّالمِينَ)؛ لأن: (الظَّالمِينَ) فاعل، والفاعل حكمه الرفع أبدا، فكان حقه أن يكون هكذا: لا ينال عهدي الظالمون؛ لأنه جمع مذكر سالم وعلامة رفعه "الواو".
والرد على الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: الفعل: (نال) له خواص في اللغة العربية
.
(نول) النون والواو واللام أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على إعطاءٍ، ونَوَّلته: أعطيته، والنَّوال: العَطاء، ونُلْتُه نَولًا مثل أنلته، وقولك: ما نَوْلُكَ أن تفعل كذا؛ فمنه أيضًا أي: ليس ينبغي أن يكون ما تُعطِيناهُ مِنْ نوالِك هذا، وقولُ لبيد:
وقفتُ بهنَّ حتَّى قال صحبي
…
جَزِعتَ وليس ذلك بالنَّوالِ
قالوا: النّوال: الصَّواب، وتلخيصه: ليس ذلك بالعطاء الذي [إن] أعطيتَناه كنتَ فيه مصيبًا. وكذا قوله:
فدَعِي الملامةَ ويْبَ غيرِكِ إنَّه
…
ليس النّوال بلوم كلِّ كريم
والقياس في كلِّه واحد. (1)
ونص العلماء على أن من خواص الفعل "نال" أن فاعله يجوز أن يكون مفعولًا، ومفعوله يجوز أن يكون فاعلًا على التبادل بينهما:"لا ينال عهدي الظالمين" هذا هو المشهور على جعل العهد هو الفاعل، ويقرأ الظالمون على العكس، والمعنيان متقاربان لأن ما نلته فقد نالك. (2)
الوجه الثاني: توجيه النصب لقوله: (الظالمين)
.
أما في قوله تعالى: "لا ينال عهدي الظالمين" فالفاعل هو: "عهدي" مرفوع بضمة مقدرة
(1) معجم مقاييس اللغة لابن فارس مادة نول.
(2)
التبيان في إعراب القرآن للعكبري 1/ 112.
منع من ظهورها اشتغال المحل (1) بحركة المناسبة لـ "ياء" المتكلم، والمفعول به هو:"الظالمين" والمعنى: لا ينفع عهدي الظالمين، ومجيء "الظالمين" منصوبًا هو قراءة الجمهور من القراء. (2)
وليس في مجيء "الظالمين" منصوبًا على المفعولية خلاف بين العلماء، ومعناه: أي لا يصل عهدي إلى الظالمين فيدركهم. (3)
وذكر أنه في قراءة ابن مسعود: "لا ينال عهدي الظالمون"، بمعنى: أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد اللَّه، وإنما جاز الرفع في:"الظالمين" والنصب، وكذلك في "العهد"؛ لأن كل ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ، كما يقال:"نالني خيرُ فلان، ونلتُ خيرَه"، فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه. (4) أي أن العهد يَنال كما يُنال. (5)
واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم اللَّه -جل ثناؤه- الظالمين أن ينالوه فقال بعضهم: ذلك العهد هو النبوة. .، وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه. .، وقال آخرون: معنى العهد في هذا الموضع الأمان. .، وقال آخرون: بل العهد الذي ذكره اللَّه في هذا الموضع دين اللَّه. . (6)
ولا يخفى ما في هذا التعبير القرآني من بلاغة؛ إذ العهد هو الذي يختار مَنْ يُسند إليه في رفعة وشرف، كما أنه لابد أن يقدم هنا، لأنه مضاف إلى اللَّه تعالى فهل يُستساغ أن يُقدم الظالمون عليه؟ !
* * *
(1) المحل هنا هو حرف الدال من "عهدي".
(2)
وانظر: معجم القراءات (1/ 189). وذكر أن أبا رجاء وقتادة والأعمش وابن مسعود وطلحة بن مصرف يقرؤون بالرفع.
(3)
الفتوحات الإلهية للجمل 1/ 103.
(4)
تفسير الطبري 1/ 532.
(5)
المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 207.
(6)
تفسير الطبري 1/ 530 وما بعدها.