الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ
ــ
مُتَناقِضًا، وإذا ثَبَت أنَّه مُقَيَّدٌ بالمجلسِ؛ لأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ الحالةِ الواحدةِ، ولهذا ثَبَت فيه خِيارُ المجلس، واكْتُفِىَ فيه بالقَبْضِ فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُشْتَرَطُ اجْتماعُهم حالَ مجِيئِهم، ولو جاءُوا مُتَفَرِّقِينَ واحدًا بعدَ واحدٍ، في مجلسٍ واحدٍ، قَبِلَ شَهادَتَهم. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إن جاءوا مُتَفَرِّقِينَ، فهم قَذَفَة؛ لأنَّهم لم يَجْتَمِعُوا في مجِيئهم، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُهم، كالذين لم يَشهَدُوا في مجلسٍ واحدٍ. ولَنا، قِصَّةُ المُغيرَةِ، فإنَّ الشُّهُودَ جاءوا واحدًا بعدَ واحدٍ، وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لعَدَمِ كَمالِها في المجلسِ. وفى حديثِه، أنَّ أبا بَكْرَةَ قال: أرأيتَ لو جاءَ آخَرُ يَشْهَدُ، أكنتَ تَرْجُمُه؛ قال عمرُ (1): إىْ، والذى نفسِى بيدِه. ولأنَّهم اجْتَمَعُوا في مجلسٍ واحدٍ، أشْبَهَ ما لو جاءوا مُجْتَمِعِين، ولأَنَّ المجلسَ كلَّه بمَنْزِلَةِ ابْتِدائِه؛ لِما ذَكَرْنا. وإذا تَفَرَّقُوا في مجالسَ، فعليهم الحَدُّ؛ لأَنَّ مَن شَهِدَ بالزِّنَى، ولم تَكْمُلِ الشَّهادةُ، يَلْزَمُه الحَدُّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (2).
4421 - مسألة: (فإن جاء بعضُهم بعد أن قام الحاكمُ، أو شَهِد
(1) سقط من: الأصل.
(2)
سورة النور 4.
الرَّابعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِم الْحَدُّ،
ــ
ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرَّابعُ مِن الشَّهادَةِ، أو لم يُكْمِلْهَا، فهم قَذَفَةُ، وعليهم الحَدُّ) إذا لم (1) يَكْمُلْ شهودُ الزِّنَى، فعليهم الحَدُّ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وذَكَرَ أبو الخَطابِ فيهم رِوايَتَيْن. وحُكِىَ عن الشافعىِّ فيهم قَوْلان؛ أحَدُهما، لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يجبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربعةً أحدُهم فاسِقٌ. ولَنا، قَولُ اللَّهِ تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} . وهذا يُوجِبُ الحَد (2) على كلّ رامٍ لم يَشْهَدْ بما قال أرْبَعةٌ، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، [فإنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وأصحابَه حينَ لم يُكْمِلِ الرَّابعُ شهادَتَه، بمَحْضرٍ مِن الصَّحابَةِ](3)، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ. وروَى صالِحٌ (4) بإسْنادِه، عن أبى عثمانَ النَّهْدِىِّ، قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ، فشَهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فتَغَيَّرَ لونُ عمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشَهِدَ، فاسْتَنْكَرَ ذلك عمرُ، ثم جاءَ شابٌّ يَخْطُرُ بيَدَيْه، فقال عمرُ: ما عندَكَ يا سَلْحَ العُقابِ؟
(1) سقط من: الأصل.
(2)
في م: «الجلد» .
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
وأخرجه الطحاوى، في: شرح معانى الآثار 4/ 153.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصاحَ به عمرُ صَيْحَةً، فقال أبو عثمانَ: واللَّهِ لقد كِدْتُ يُغْشَى علىَّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، رَأْيتُ أمْرًا قَبِيحًا. فقال: الحمدُ للَّه الذى لم يُشْمِتِ الشَّيْطانَ بأصحابِ محمدٍ. قال: فأمَرَ بأولئِك النَّفَرِ، فجُلِدُوا. وفى رِوايةٍ، أنَّ عمرَ لَمَّا شُهِدَ عندَه على المُغيرةِ، شَهِد ثلاثة، وبَقِىَ زِيادٌ، فقال عمرُ: أرى شابًّا حَسنًا، وأرْجُو ألَّا يَفْضَحَ اللَّهُ على لِسانِه رجُلًا مِن أصحابِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم: فقال: يا أميرَ المؤمنين، رأيتُ اسْتًا تَنْبُو، ونَفَسًا يَعْلُو، ورأيتُ رِجْلَيْها فوقَ عُنُقِه، كأنَّهما أُذُنا حِمارٍ، ولا أدْرِى ما وراءَ ذلك؟ فقال عمرُ: اللَّه أكبرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبُوا. قولُ عمرَ: يا سَلْحَ العُقابِ. معناه أنَّه يُشْبِهُ سَلْحَ العُقابِ (1)، الذى يَحْرِقُ كلَّ شئٍ أصابَه، كذلك هو، يُوقِعُ العُقوبَةَ بأحَدِ الفَرِيقَيْن لا مَحَالَةَ، إن كَمَلَتْ شَهادَتُه حُدَّ المَشْهُودُ عليه، وإن لم (1) تَكْمُلْ، حُدَّ أصحابُه. فإن قيلَ: فقد خالَفَهم أبو بَكْرَةَ (2) وأصحابُه الذين شَهِدُوا. قُلْنا: لم يُخالِفُوا في وُجوِبِ الحَدِّ عليهم، إنَّما خَالَفُوهم في صِحَّةِ ما شَهِدُوا به. ولأنَّه رامٍ بالزِّنى لم يَأْتِ بأربَعةِ شُهَداءَ، فيجبُ عليه الحَدُّ، كما لو لم يَأْتِ بأحَدٍ.
(1) سقط من: الأصل.
(2)
في الأصل: «بكر» .