الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ:
وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ، قُطعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَحُسِمتْ؛ وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ في زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فَإِنْ عَاَد،
ــ
كالتى قَبلَها، وِإن وَافَقاه جميعًا، قُطِعَ. وإن حَضَر أحدُهما، فطالَبَ، ولم يَحْضُرِ الآخرُ، لم يُقْطَعْ؛ لأَنَّ ما حَصَلَتِ المُطالَبَةُ به لا يُوجِبُ القَطْعَ بمُفْرَدِه. وإن أقَرَّ أنَّه سَرَق مِن رجلٍ شيئًا، فقال الرجلُ: قد فَقدْتُه مِن مالِى. فيَنْبَغِى أن يُقْطَعَ؛ لِما رُوِى عن عبدِ الرحمنِ (1) بنِ ثَعْلَبَةَ الأنْصارِىِّ، عن أبيه، أنَّ عمرَو بنَ سَمُرَةَ بنِ حَبِيبِ (2) بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّه إنِّى سَرَقْتُ جَمَلًا لبَنِى فُلانٍ، فطَهِّرْنِى. فأرسَلَ إليهم النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنَّا افْتَقَدْنا جملًا لنا. فأمَرَ به النبىُّ صلى الله عليه وسلم، فقُطِعَتْ يَدُه. قال ثَعْلَبَةُ: أنا أنْظُرُ إليه حين وَقَعَتْ يدُه، وهو يقولُ: الحمدُ للَّه الذى طَهَّرَنِى منكِ، أردتِ أن تدْخِلِى جَسَدِىَ النَّارَ. رَواه ابنُ ماجَه (3).
4526 - مسألة: (وإذا وَجَب القَطْعُ، قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وحُسِمَتْ؛ وهو أن تُغْمَسَ فِى زَيْتٍ مَغْلِىٍّ، فإن عاد
،
(1) في الأصل، تش، ق:«عبد اللَّه» .
(2)
في الأصل: «جندب» .
(3)
في: باب السارق يعترف، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 863. وهو حديث ضعيف. انظر ضعيف سنن ابن ماجه 205.
قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ،
ــ
قُطِعَتْ رِجْلُه الْيُسْرَى مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ، وحُسِمْت) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ السَّارِقَ أولُ ما يُقْطَعُ منه يدُه اليُمْنَى، مِن مَفْصِلِ الكَفِّ، وهو الكُوعُ. وفى قِراءةِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ:(فَاقْطَعُوَاْ أَيْمانَهُمَا)(1). وهذا إن كان قراءةً وإلَّا فهو تَفْسِيرٌ. وقد رُوِى عن أبى بكر، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قالا: إذا سَرَقَ السَّارِقُ فاقْطَعُوا يَمِينَه مِن الكوعِ (2). ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأَنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانتِ البَداءَةُ بها أرْدَعَ، ولأنَّها آلةُ السَّرِقَةِ غالبًا (3)، فناسَبَتْ عُقُوبَته بإعْدامِ آلَتِها. وإذا سَرَق ثانيًا، قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى. وبذلك قال الجماعةُ إلَّا عطاءً، حُكِىَ عنه، أنَّه تُقْطَعُ يدُه اليُسْرَى؛ لقَوْلِه سبحانَه:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (4). ولأنَّها آلةُ السَّرقَةِ والبَطْشِ، فكانتِ العُقُوبةُ بقَطْعِها أوْلَى. ورُوِىَ ذلك عن رَبِيعَةَ، وداودَ. وهذا شُذُوذٌ يخالِفُ قولَ (5) جماعةِ [فُقَهاءِ الأمصارِ مِن أهلِ الفِقْهِ والأثَرِ](6)، مِن الصَّحابةِ
(1) أخرجه البيهقى: باب السارق يسرق أولا. . .، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 270.
(2)
من قول عمر أخرجه عبد الرزاق، في: باب قطع السارق، من كتاب اللقطة. المصنف 10/ 185 وابن أبى شيبة، في: باب في الرجل تقطع. . .، من كتاب الحدود. المصنف 10/ 29. والبيهقى، في: باب السارق يسرق أولا. . .، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 271. ولم نجده عن أبى بكر. وانظر تلخيص الحبير 4/ 71، والإرواء 8/ 81.
(3)
سقط من: ق، م.
(4)
سورة المائدة 38.
(5)
سقط من: الأصل.
(6)
في ق، م:«الفقهاء» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتابِعِين، ومَن بعدَهم، وقولَ أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال في السَّارِقِ:«إِذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه» (1). ولأنَّه في المُحارَبَةِ المُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّما تُقْطَعُ يَدُه ورِجْلُه، ولا تُقْطَعُ يَداه، فنقولُ: جنايةٌ أوْجَبَت قَطْعَ عُضْوَيْن، فكانا يَدًا ورِجْلًا، كالمُحارَبَةِ، ولأَنَّ قَطْعَ يَدَيْه يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الجِنْسِ، فلا تَبْقَى له يدٌ يَأْكُلُ بها، ولا يتوضَّأ، ولا يَسْتَطِيبُ، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه، فيصيرُ كالهالِكِ، فكان قَطْعُ الرِّجْلِ الذى لا يَشْتَمِلُ على هذه المَفْسَدَةِ أوْلَى. وأمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها قَطْعُ يَدِ كل واحدٍ منهما؛ بدليلِ أنَّه لا تُقْطَعُ اليدَان في المَرَّةِ الأُولَى. وفى قراءةِ عبدِ اللَّهِ:(فَاقْطَعُوَا أَيْمانَهُمَا). وإنَّما ذُكِرَ بلفظِ الجمعِ، لأَنَّ المُثَنَّى إذا أضِيفَ إلى المُثَنَّى ذُكِرَ بلفظِ الجمع، كقولِه تعالى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (2). إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تُقْطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} (3). ولأَنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أرْفقُ به، لأنَّه يُمْكِنُه المَشْىُ على خَشَبَةٍ، ولو قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمْنَى
(1) أخرجه الدارقطنى، في: كتاب الحدود والديات وغيره. سنن الدارقطنى 3/ 181. وهو حديث صحيح بشواهده. انظر الإرواء 8/ 85 - 89.
(2)
سورة التحريم 4.
(3)
سورة المائدة 33.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يُمْكِنْه المَشْىُ بحالٍ. وتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِن مَفْصِلِ الكَعْبِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ، وفَعَل ذلك عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه (1). وكان علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَقْطَعُ مِن نصفِ القَدَمِ مِن مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، ويَدَعُ له عَقِبًا يَمْشِى عليها (2). وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. ولَنا، أنَّه أحَدُ العُضْوَيْن المَقْطُوعَيْن في السَّرِقَةِ، فيُقْطَعُ مِن المَفْصِلِ كاليَدِ، وإذا قُطِعَ حُسِمَ، وهو أن يُغْلَى الزَّيت، فإذا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُه في الزَّيت؛ لتَنْسَدَّ أفْواهُ العُروقِ؛ لئلا يَنْزِفَ الدمُ فيَمُوت. وقد رُوِى أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أتِىَ بسارِقٍ سَرَق شَمْلَةً، فقال:«اقْطَعُوهُ، واحْسِمُوهُ» (3). وهو حديثٌ فيه (4) مَقالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ (5). وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك الشافعىٌّ، وأبو ثَوْرٍ، وغيرُهما مِن أهلِ
العلمَ.
فصل: ويُقْطَعُ السارِقُ (4) بأسْهَلِ ما يُمْكِنُ، فيُجْلَس ويُضْبَطُ؛ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فيَجْنِىَ على نَفْسِه، وتُشَدُّ يَدُه بحَبْلٍ، ويُجَرُّ حتى يَبِينَ مَفْصِلُ
(1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب قطع السارق، من كتاب اللقطة. المصنف 10/ 185.
(2)
أخرجه عبد الرزاق، في: باب قطع السارق، من كتاب اللقطة. المصنف 10/ 185. وابن أبى شيبة، في: باب في الرجل تقطع. . .، من كتاب الحدود. المصنف 10/ 29. والبيهقى، في: باب السارق يسرق أولًا. . .، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 271. وهو حديث حسن. انظر الإرواء 8/ 89.
(3)
أخرجه الدارقطنى، في: كتاب الحدود والديات وغيره. سنن الدارقطنى 3/ 102، 103. والبيهقى، في باب السارق يسرق أولا. . .، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 271.
(4)
سقط من: الأصل.
(5)
في الإشراف 2/ 306.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكَفِّ مِن مَفْصِلِ الذِّراعِ، ثم تُوضَعُ بينَهما سِكِّينٌ حَادَّةٌ، ويُدَقُّ فوقَها بقُوَّةٍ ليُقْطَعَ في مَرَّةٍ واحدةٍ، أو تُوضَعُ (1) السِّكِّينُ على المَفْصِلِ وتُمَدُّ مدَّةً واحدةً. وإن عُلِمَ قَطْعٌ أوْحَى مِن هذا، قُطِعَ به.
فصل: ويُسَنُّ تَعْلِيقُ اليَدِ في عُنُقِه؛ لِما روَى فَضَالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، أنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أتِىَ بسارِقٍ، فقُطِعَتْ يدُه، ثم أَمَرَ بها فعُلِّقَتْ في عُنُقِه. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (2). وفَعَل ذلك علىٌّ (3)، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولأَنَّ فيه رَدْعًا وزَجْرًا.
فصل: ولا يُقطَعُ في شِدَّةِ حَر، ولا بَرْدٍ؛ لأَنَّ الزَّمانَ رُبَّما أعانَ على قَتْلِه، والغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ القَتْلِ. ولا يُقْطَعُ مَرِيض في مَرَضِه؛ لِئلَّا يَأتِىَ ذلك على نَفْسِه. ولو سَرَق فقُطِعَتْ يدُه، ثم سَرَق قبلَ انْدِمالِ يدِه، لم يُقْطَعْ ثانِيًا حتى يَنْدَمِلَ القَطْعُ الأَوَّلُ. وكذلك لو قُطِعَتْ رِجْلُه قِصاصًا، لم تُقْطَعِ اليَدُ في السَّرِقَةِ حتى تَبْرَأ الرِّجْلُ. فإن قِيلَ: أليس لو وَجَب عليه قِصاصٌ في اليدِ الأُخْرَى لَقُطِعَتْ قبلَ الانْدِمالِ، والمُحارِبُ تُقْطَعُ يدُه
(1) في الأصل: «تقطع» .
(2)
أخرجه أبو داود، في: باب في تعليق يد السارق في عنقه، من كتاب الحدود. سنن أبى داود 2/ 454. وابن ماجه، في: باب تعليق اليد في العنق، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 863.
كما أخرجه الترمذى، في: باب ما جاء في تعليق يد السارق، من أبواب السرقة. عارضة الأحوذى 6/ 227، 228. والنسائى، في: باب تعليق يد السارق في عنقه، من كتاب قطع السارق. المجتبى 8/ 85. والإمام أحمد في: المسند 6/ 19. وهو حديث ضعيف. انظر تلخيص الحبير 4/ 69، والإرواء 8/ 84.
(3)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 10/ 191. وابن أبى شيبة، في المصنف 10/ 134. وانظر الإرواء 8/ 85.