الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ الْجَمِيعَ، فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا كَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا أَخذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
ــ
لأنَّه ليس بمُسْلِمٍ فيَعْقِلَ عنه المسلمون، ولا ذِمِّىٍّ فيَعْقِلَ عنه أهلُ الذِّمَّةِ، فتكون جِنايَتُه في مالِه. وكذلك كلُّ مَن لا تَحْمِلُ عاقِلَتُه جِنايَتَه، يكونُ مُوجَبُها في مالِه، كسائرِ الجِناياتِ التى لا (1) تَحْمِلُها العاقِلَةُ.
4336 - مسألة: (ومَن لا عاقِلَةَ له، أو لم تَكُنْ له عاقِلَةٌ تَحْمِلُ الجَمِيعَ، فالدِّيَةُ أو باقِيها عليه إن كان ذِمِّيًّا)
لأَنَّ بيتَ المالِ لا يَعْقِلُ عنه (وإن كان مُسْلِمًا) ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يُؤَدَّى عنه مِن بَيْتِ المالِ. وهو مذهَبُ الزُّهْرِىِّ، والشافعىِّ؛ لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم وَدَى الأنْصارِىَّ الذى قُتِلَ بخَيْبَرَ مِن بيتِ المالِ (2). ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا قُتِلَ في زِحام في زَمَنِ عمرَ، فلم يُعْرَفْ قاتِلُه، فقال علىٌّ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، لا يُطَلُّ (3) دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. فأدَّى دِيَتَه مِن بَيْتِ المالِ (4). ولأَنَّ المُسْلمين يَرِثُونَ مَن لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه عندَ عَدَمِ عاقِلَتِه، كعَصَباتِه ومَوالِيه. والثانيةُ، لا يجبُ ذلك؛ لأَنَّ بَيْتَ المالِ فيه حَقٌّ للنِّساءِ والصِّبْيانِ والمَجانِين
(1) سقط من: الأصل.
(2)
تقدم تخريجه في 25/ 378.
(3)
في الأصل: «تبطل» .
(4)
أخرجه عبد الرزاق، في: باب من قتل في زحام، من كتاب العقول. المصنف 10/ 51. وابن أبى شيبة، في: باب الرجل يقتل في الزحام، من كتاب الديات. المصنف 9/ 395.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والفُقَراءِ ومَن لا عَقْلَ عليه، فلا يَجُوز (1) صَرْفُه فيما لا يجبُ عليهم، ولأَنَّ العَقْلَ على العَصَباتِ، وليس بيتُ المالِ عَصبةً، ولا هو كعَصَبَةٍ، هذا فأمَّا قَتِيلُ الأنْصارِ، فغيرُ لازِم، لأَنَّ ذلك [قَتِيلُ اليَهُودِ](2)، وبَيْتُ المالِ لا يَعْقِلُ عن الكُفَّارِ بحالٍ، وإنَّما النبىُّ صلى الله عليه وسلم تَفَضَّلَ بذلك عليهم. وقولُهم: إنَّهم يَرِثُونه. قُلْنا: ليس صَرْفُه إلى بَيْتِ المالِ مِيراثًا، بل هو (3) فَىْءٌ، ولهذا يُؤْخَذُ مالُ مَن لا وارِثَ له مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ إلى بَيْتِ المالِ، ولا يَرِثُه المسلمون، ثم إنَّ العَقْلَ لا يجبُ على الوارِثِ إذا لم يَكُنْ عَصبَةٌ، ويجبُ على (4) العَصَبةِ وإن لم يَكُنْ وارِثًا. فعلى الرِّوايةِ الأُولَى، إذا لم يَكُنْ له عاقلةٌ، أُديتِ الدِّيَةُ كلُّها عنه مِن بيتِ المالِ، وإن كان له عاقلةٌ لا تَحْمِلُ الجَميعَ، أُخِذَ الباقى مِن بَيْتِ المالِ. وهل يُؤدَّى مِن بيتِ المالِ دَفْعَةً واحدةً، أو [في ثلاثِ سِنِينَ؟ على وَجْهَيْن، أحَدُهما](5)، في ثلاثِ سِنِينَ، كما
(1) في م: «يجب» .
(2)
في الأصل: «قتل يهودى» .
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
بعده في تش: «أهل» .
(5)
سقط من: الأصل.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَلَا شَىْءَ عَلَى الْقَاتِلِ.
ــ
يُؤْخَذُ مِن العاقلةِ. والثانى، يُؤدَّى دَفْعَةً وِاحدة. وهو الصَّحِيحُ؛ لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أدَّى دِيَةَ الأنْصارِىِّ دَفْعَةً واحدةَ، وكذلك عمرُ، ولأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتْلَفٍ لا تُؤدِّيه العاقلةُ، فيَجبُ كلُّه في الحالِ، كسائرِ أبْدالِ المُتْلَفاتِ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقلةِ تَخْفِيفًا عنهما، ولا حاجَةَ إلى ذلك في بيتِ المالِ، ولهذا يُؤدِّى الجَمِيعَ.
فصل: (فإن لم يُمْكنِ) الأخذُ من بيتِ المال (فليس على القاتل شئٌ) وهذا أحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ ولأَنَّ الدِّيَةَ لَزِمَتِ العاقلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَبُ بها غيرُهم، ولا يُعْتَبَرُ تَحَمُّلُهم ولا رِضَاهما بها (1)، ولا تَجِبُ على غيرِ مَن وجَبَتْ عليه، كما لو عُدِمَ القاتِل، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحَدٍ،
(1) سقط من: م.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَجِبَ في مَالِ الْقَاتِلِ. وَهُوَ أَوْلَى، كَمَا قَالُوا في
ــ
كذا ههُنا. فعلى هذا، إن وُجِدَ بعضُ العاقلةِ، حُمِّلُوا بقِسْطِهم، وسَقَطَ الباقى، فلا يَجِبُ على أحدٍ. قال شيْخُنا:(ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ في مالِ القاتلِ) إذا تَعَذَّرَ حَمْلُها عنه. وهذا القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لعُمومِ قولِه تعالى: {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} (1). ولأَنَّ قَضِيَّةَ الدليلِ وُجُوبُها على الجانِى (2) جَبْرًا للمَحَلِّ الذى فَوَّتَه، وإنَّما سَقَط عن القاتلِ؛ لقِيامِ العاقلةِ مَقامَه في جَبْرِ المَحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، بَقِىَ واجِبًا عليه بمُقْتَضَى
(1) سورة النساء 92.
(2)
في الأصل: «الثانى» .
الْمُرْتَدِّ: يجبُ أَرْشُ خَطَئِهِ في مَالِهِ. وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ
ــ
الدَّليلِ، ولأَنَّ الأمْرَ دائرٌ بينَ أن يُطَلَّ (1) دَمُ المَقْتُولِ وبينَ إيجابِ دِيَتِه على المُتْلِفِ، لا يجوزُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّ فيه مُخالَفَةَ الكتابِ والسُّنَّة وقِياسِ أُصُولِ الشَّريعةِ، فتَعَيَّنَ الثانى، ولأَنَّ إهْدارَ الدَّمِ المَضْمُونِ لا نظِيرَ له، وإيجابُ الدِّيَةِ على قاتلِ الخَطَأ له نَظائِرُ، وقد قالُوا في المُرْتَدِّ: تَجِبُ الدِّيَة في مالِه لَمَّا لم يَكُنْ له (2) عاقلةٌ، والذِّمِّىُّ الذى لا عاقِلَةَ له، تَلْزَمُه الدِّيَةُ، ومَن رَمَى سَهْمًا ثم أسْلَم، أو كان مُسْلِمًا فارْتَدَّ، أو كان عليه الوَلاءُ لمَوالِى
(1) في الأصل: «يبطل» .
(2)
سقط من: م.
يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ، كَانَ عَلَيْهِ في مَالِهِ. ولَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ قَتَلَ السَّهْمُ إِنْسَانًا، فَدِيَتُهُ في مَالِهِ، وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ، فَأرْشُ الْجِنَايَةِ في مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ. فَكَذا هَذَا.
ــ
أُمِّه فانْجَرَّ إلى مَوالِى أبيه، ثم أصابَ سهمُه إنْسانًا، فنقولُ: قَتِيلٌ (1) في دارِ (2) الإِسْلامِ مَعْصَومٌ، تَعَذَّرَ حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، [فوجب على قاتِلِه، كهذه الصُّوَرِ](3). وهذا أوْلَى مِن إهْدارِ دِماءِ الأحْرارِ في أغْلَبِ الأحْوالِ، فإنَّه لا يَكادُ يُوجَدُ عاقلةٌ تَحْمِلُ الدِّيَةَ كلَّها، ولا سبِيلَ إلى الأخْذِ مِن بيتِ المالِ، فتَضيعُ الدِّماءُ، وتَفُوتُ حِكْمَةُ إيجابِ الدِّيَةِ. قولُهم: إنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على العاقلةِ (4) ابْتِداءً. مَمْنُوعٌ، وإنَّما تجبُ على القاتِلِ، ثم تَتَحَمَّلُها العاقلةُ عنه (5)، وإن سَلَّمْنا وُجُوبَها عليهم ابْتِداءً، لكنْ مع
(1) في الأصل: «قتل» .
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في الأصل: «فوجبت على هذه الصورة» .
(4)
بعده في م: «عنه» .
(5)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجُودِهم، أمَّا مع عَدَمِهم، فلا يُمْكِنُ القَوْلُ بوُجُوبِها عليهم. ثم ما ذكَرُوه مَنْقُوضٌ بما أبدَيْنَاه (1) مِن الصُّوَرِ. فعلى هذا، تَجِبُ الدِّيَةُ على القاتلِ إن تَعَذَّرَ حَمْلُ جَمِيعِها، أو باقِيها إن حَمَلَتِ العاقلةُ بعضَها. واللَّهُ أعلمُ.
فصل: ولو رَمَى ذِمِّىٌّ (2) صَيْدًا، ثم أسْلَمَ، ثم أصابَ السَّهْمُ آدَمِيًّا (3) فقَتَلَه، لمِ يَعْقِلْه المسلمون؛ لأنَّه لم يَكُنْ مُسْلِمًا حالَ رَمْيِه، ولا المُعاهِدُون، لأنَّه قَتَلَ مُسْلِمًا، فتكونُ الدِّيَةُ في مالِ الجانِى. وهكذا لو رَمَى وهو مُسْلِمٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم قَتَلَ السَّهْمُ إنْسانًا، لم يَعْقِلْه أحدٌ. ولو جَرَحَ ذِمىٌّ ذِمِّيًّا، ثم أسْلَم الجارِحُ، ومات المجروحُ، وكان أَرْشُ جِراحِه يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فعَقْلُه على عَصَبَتِه مِن أهلِ الذِّمَّةِ، وما زادَ على أَرْشِ الجُرْحِ لا يَحْمِلُه أحدٌ، ويكونُ في مالِ الجانِى؛ لِمَا ذكَرْنا. فإن لم يَكُنْ أَرْشُ الجُرْحِ ممَّا تَحْمِلُه العاقلةُ، فجميعُ الدِّيَةِ على الجانِى. وكذلك الحُكمُ إذا جَرَح مُسْلِمٌ ثم ارْتَدَّ. ويَحْتَمِلُ أن تَحْمِلَ العاقلةُ الدِّيَةَ كلَّها في المَسْألتَيْن؛ لأَنَّ الجِنايةَ وُجِدَتْ وهو ممَّن تَحْمِلُ العاقلةُ جِنايَتَه، ولهذا وجَب القِصاصُ في المَسْألَةِ الأُولَى إذا قَتَلَه عَمْدًا. ويَحْتَمِلُ أن لا تَحْمِلَ
(1) في الأصل، تش:«أثبتناه» .
(2)
سقط من: الأصل.
(3)
في الأصل، تش:«ذميا» .