الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، بُدِئَ بِهَا، فَإِذَا زَنَى وَشَرِبَ وَقَذَفَ وَقَطَعَ يَدًا، قُطِعَتْ يَدُهُ أوَّلًا، ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ، ثُمَّ لِلشُّرْبِ، ثُمَّ لِلزِّنَى. وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الَّذِى قَبْلَهُ.
ــ
وقِياسًا على الحُدودِ الخالِصَةِ للَّهِ تعالى. ولَنا، أنَّ ما دُونَ القَتْلِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلم يَسْقُطْ به، كدُيُونِهِم، وفارَقَ حَقَّ اللَّهِ تعالى، فإنَّه مَبْنِىٌّ على المُسامَحَةِ.
4395 - مسألة: (فإنِ اجْتَمَعَتْ مع حُدُودِ اللَّهِ تعالى، بُدِئَ بِها)
إذا اجتمعت حُدودُ اللَّهِ تعالى وحُدودُ الآدَمِيِّين، فهذه ثلاثةُ أنْواع؛ أحدُها، أن لا يكونَ فيها قتلٌ، فهذه تُسْتَوْفَى كلُّها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وعن (1) مالكٍ أنَّ حَدَّ الشُّرْبِ والقَذْفِ يَتَداخلانِ؛ لاسْتوائِهما، فهما كالقَتْلَيْن والقَطْعَيْن. ولَنا، أنَّهما حَدَّان مِن جنْسَيْن، لا يَفُوتُ بهما المَحَلُّ، فلم يَتَداخَلَا، كحَدِّ الزِّنى والشُّرْبِ، ولا نُسَلِّمُ اسْتواءَهما، فإنَّ حَدَّ الشُّرْبِ أربعون، وحَدَّ القَذْفِ ثمانون، وإن سُلِّمَ اسْتِواؤهما، لم يَلْزَمْ تَداخُلُهما؛ لأَنَّ ذلك لو اقْتَضَى تَداخُلَهما، لَوجَبَ
(1) في الأصل، تش:«قال» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دُخُولُهما في حَدِّ الزِّنَى؛ لأَنَّ الأقَلَّ ممّا يَتَداخَلُ يَدْخُلُ في الأكْثَرِ، وفارَقَ القَتْلَيْن والقَطْعَيْن؛ لأَنَّ المَحَلَّ يَفوتُ بالأوَّلِ، فيَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ الثانى، فهذا بخِلافِه. فعلى هذا، يُبْدأُ بحَدِّ القَذْفِ؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه معنيان؛ خِفَّتُه، وكَوْنُه حَقًّا لآدَمِىٍّ شحيحٍ (1)، إلَّا إذا قُلْنا: حَدُّ الشُّرْبِ أربعون. فإنَّه يُبْدأُ به؛ لخِفَّتِه، ثمِ بحَدِّ القَذْفِ، وأيُّهما قُدِّمَ، فالآخَرُ يلِيه، ثم بحَدِّ الزِّنى؛ لأنَّه لا إتْلاف فيه، ثم بالقَطْعِ. هكذا ذَكَرَه القاضى. وقال أبو الخَطَّابِ: يُبْدَأُ بالقَطْعِ قصاصًا؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِىٍّ مُتَمَحِّضٌ، فإذا بَرَأِ حُدَّ للقَذْفِ، إذا قُلْنا: هو حَقُّ آدَمىٍّ. ثم بحَدِّ الشُّرْبِ، فإذا بَرَأ حُدَّ للزِّنى؛ لأَنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ يَجِبُ تَقْدِيمُه لتَأكُّدِه.
النَّوعُ الثانى، أن تَجْتَمِعَ حُدودٌ للَّهِ تعالى وحُدودٌ لآدمِىٍّ، وفيها قَتْلٌ، فإنَّ حُدودَ اللَّهِ تعالى تَدْخُلُ في القتلِ، سواءٌ كان مِن حُدودِ اللَّهِ تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنى، والقَتْلِ في المُحارَبةِ أو الرِّدَّةِ، أو لحَقِّ آدَمِىٍّ،
(1) في م: «صحيح» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالقِصاصِ؛ لِما قَدَّمْنا. وأمَّا حُقوقُ الآدَمِىِّ، فتُسْتَوْفَى كلُّها. ثم إن كان القَتْلُ حَقًّا للَّهِ تعالى، اسْتُوفِيَتِ الحُقوقُ كلُّها مُتَوالِيَةً؛ لأنَّه لا بُدَّ مِن فَواتِ نفْسِه، فلا فائِدَةَ في التَّأخِيرِ، وإن كان القَتْلُ حَقًّا لآدَمِىٍّ، انْتُظِرَ باسْتِيفاءِ الثانى بُرْؤُه مِن الأَوَّلِ؛ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ المُوالاةَ بينَهما يَحْتَمِلُ أن تُفَوِّتَ نفسَه قبلَ القِصاصِ، فيَفُوتَ حَقُّ الآدَمِىِّ. والثانى، أنَّ العَفْوَ جائِزٌ، فتَأْخِيرُه يَحْتَملُ أن يَعْفُوَ الوَلِىُّ فيَحْيَا، بخِلافِ القَتْلِ حَقًّا للَّهِ سبحانَه.
النَّوْعُ الثالثُ، أن يَتَّفِقَ الحَقَّانِ في مَحَلٍ واحدٍ، كالقَتْلِ والقَطْعِ قِصاصًا وحَدًّا؛ فأمَّا القَتْلُ، فإن كان فيه ما هو خالصٌ لحَقِّ اللَّه تعالى، كالرَّجْمِ في الزِّنَى، وما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ، كالقِصاصِ، قُدِّمَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القِصاصُ، لتَأَكُّدِ حَقِّ الآدَمِىِّ. وإنِ اجْتَمَعَ القَتْلُ للقتلِ (1) في المُحارَبَةِ والقِصاصُ، بُدِئَ بأسْبَقِهما (2)؛ لأَنَّ القَتْلَ في المُحارَبةِ فيه حَقٌّ لآدَمِىٍّ أيضًا، فقُدِّمَ أسْبَقُهُما، فإن سَبَق القَتْلُ في المُحارَبَةِ اسْتُوفِىَ، ووَجَبَ لولِىِّ المَقْتُولِ الآخرِ دِيَتُه في مالِ الجانِى، وإن سَبَق القِصاصُ، قُتِلَ قِصاصًا، ولم يُصْلَبْ؛ لأَنَّ الصَّلْبَ مِن تَمامِ الحَدِّ، وقد سَقَط الحَدُّ بالقِصاصِ، فسَقَط الصَّلْبُ، كما لو مات. ويجبُ لوَلِىِّ المَقْتُولِ في المحارَبةِ دِيَتُه؛ لأَنَّ القَتْلَ تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه وهو قِصاصٌ، فصار الوجوبُ إلى الدِّيَةِ. وهكذا لو مات القاتِلُ في المُحارَبَةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ في تَرِكَتِه، لتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ القَتْلِ مِن القاتلِ. ولو كان القِصاصُ سابِقًا، فعَفَا وَلِىُّ المقْتُولِ، اسْتُوفِىَ القَتْلُ للمُحارَبَةِ، سَواءٌ عفا مُطْلَقًا أو إلى الدِّيَةِ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. وأمَّا القَطْعُ، فإذا اجْتَمَعَ وُجوبُ القَطْعِ في يَدٍ أو رِجْلٍ قِصاصًا وحَدًّا، قُدِّمَ القِصاصُ على الحَدِّ المُتَمَحِّضِ للَّهِ تعالى، لِما ذَكَرْناه. وسَواءٌ تَقَدَّمَ سَبَبُه أو تَأَخَّرَ. وإن عَفا وَلِىُّ الجِنايةِ، اسْتُوفِىَ الحَدُّ، فإذا قَطَع يَدًا وأخَذَ المالَ في المُحارَبَةِ، قُطِعَتْ يَدُه قِصاصًا، ويُنْتَظَرُ بُرْؤُه، فإذا بَرَأ قُطِعَتْ
(1) سقط من: م، وفى الأصل:«المقتل» .
(2)
في الأصل: «استيفائهما» ، وفى تش:«باستيفاء أسبقهما» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رِجْلُه للمُحارَبةِ؛ لأنَّهما (1) حَدَّانِ. وإنَّما قُدِّمَ القِصاصُ في القَطْعِ [دُونَ القتلِ؛ لأَنَّ القَطْعَ في المُحارَبةِ حَدٌّ مَحْضٌ، وليس بقِصاصٍ، القتلُ فيهما يَتَضَمَّنُ القِصاصَ](2)، ولهذا لو فات القَتْلُ في المُحارَبةِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ، ولو فات القَطْعُ، لم يَجِبْ له بَدَلٌ. وإذا ثَبَت أنَّه يُقَدَّمُ القِصاصُ على القَطْعِ في المُحارَبةِ، فقَطَع اليَدَ قِصاصًا، فإنَّ رِجْلَه تُقْطَعُ، وهل تُقْطَعُ يَدُه الأُخْرَى؟ نَظَرْنا؛ فإن كان المَقْطُوعُ بالقِصاصِ قد كان مُسْتَحِقَّ القَطْعِ بالمُحارَبَةِ قبلَ الجِنايةِ المُوجِبَةِ للقِصاصِ فيه، لم يُقْطَعْ أكثرُ مِن العُضْوِ الباقِى فِي العُضْوَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتُحِقَّ قَطْعُهما؛ لأَنَّ مَحَلَّ القَطْعِ ذَهَب بعارِضٍ حادثٍ، فلم يَجِبْ قَطْعُ بَدَلِه، كما لو ذَهَب بعُدْوانٍ أو بمَرَضٍ. وعلى هذا لو ذَهَب العُضْوان جميعًا، سَقَط القَطْعُ عنه بالكُلِّيَّةِ. وإن كان سَبَبُ القَطْعِ قِصاصًا سابِقًا على مُحارَبَتِه، أو كان المَقْطُوعُ غيرَ العُضْوِ الذى وَجَب قَطْعُه في المُحارَبةِ، مثلَ أن وَجَب عليه القِصاصُ في يَسارِه بعدَ وُجُوبِ قَطْعِ يُمْناه في المُحارَبةِ، فهل تُقْطَعُ اليَدُ الأُخْرَى للمُحارَبةِ؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على الرِّوايَتَيْن في قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ بعدَ
(1) في الأصل: «لأنها» .
(2)
سقط من: الأصل، تش.