الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ.
ــ
4435 - مسألة: (وقَذْف غيرِ المُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ)
فإذا قَذَف مُشْرِكًا، أو عَبْدًا، أو مسلمًا له دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أو مسلمةً لها دُونَ تِسْعِ سِنِينَ (1)، أو مَن ليس بعَفِيفٍ، فعليه التَّعْزِيرُ؛ لأنَّه لَمَّا انْتَفَى وُجوبُ الحَدِّ عن القاذِفِ، وَجَب التَّأْدِيبُ رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِينَ، وكَفًّا له عن أذَاهم.
(1) سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويجبُ الحَدُّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، والمَجْبُوبِ، والمَرِيضِ المُدْنَفِ، والرَّتْقاءِ، والقَرْنَاءِ. وقال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ على قاذِفِ مَجْبُوبٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ (1): وكذلك الرَّتْقاءُ. وقال الحسنُ: لا حَدَّ على قاذِفِ الخَصِىِّ، لأَنَّ العارَ مُنْتَفٍ عن المَقْذُوفِ بدونِ الحَدِّ؛ للعِلْمِ بكَذِب القاذِفِ، والحَدُّ إنَّما يجبُ لنَفْىِ العارِ. ولَنا، عمُومُ قولِه تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} (2). والرَّتْقاءُ دَاخِلَةٌ في عُمومِ الآيةِ، ولأنَّه قاذِف مُحْصَنًا، فيَلْزَمُه الحَدُّ، كالقاذِفِ للقادرِ على الوَطْءِ، ولأَنَّ إمْكانَ الوَطْءِ أمْر خَفِىٌّ، لا يَعْلَمُه كثيرٌ مِن النَّاسِ، فلا يَنْتَفِى العارُ عندَ مَن لم يَعْلَمْه بدُونِ الحَدِّ، فيجبُ، كقَذْفِ المريضِ.
فصل: ويجبُ الحَدُّ على القاذِفِ في غيرِ دارِ الإِسْلامِ. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أصحابُ الرَّأْى: لا حَدَّ عليه؛ لأنَّه في دارٍ لا حَدَّ على أهْلِها. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، ولأنَّه مسلمٌ مُكَلَّفٌ حُرٌ، قَذَف مُحْصَنًا، فأشْبَهَ مَن في دارِ الإِسْلامِ.
فصل: ويُشْتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ على القاذِفِ شَرْطانِ؛ أحدُهما، مُطالبَةُ المَقْذُوفِ؛ لأنَّه حَقٌّ له، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ طَلَبِه، كسائرِ حُقوقِه. الثانى؛
(1) انظر: الإشراف 3/ 49.
(2)
سورة النور 4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن لا يَأْتِىَ ببَيِّنَةٍ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} . الآية. ولذلك يُشْتَرَطُ عَدَمُ إقْرار المَقْذُوفِ؛ لأنَّه في معنى البَيِّنَةِ. وإن كان القاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ شَرْط آخَرُ، وهو امْتِناعُه مِن اللِّعانِ. ولا نعلمُ في هذا كلِّه خِلافًا. ويُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامةِ الحَدِّ، فلو طَلَب ثم عَفَا عن الحَدِّ، سَقَط. وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الحسنُ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يَسْقُطُ بعَفْوِه؛ لأنَّه حَد، فلم يَسْقُطْ بالعَفْوِ، كسائرِ الحُدودِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ (1) لا يُسْتَوْفَى إلَّا بعدَ مُطالَبَةِ الآدَمِىِّ باسْتِيفائِه، فسَقَط بعَفْوِه، كالقِصاصِ، وفارَقَ سائرَ الحُدُودِ، فإنَّه لا (2) يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ باسْتيفائِها، فأمَّا حَدُّ السَّرِقَةِ، فإنَّما يُعْتَبَرُ فيه المُطالبةُ بالمَسْرُوقِ، لا باسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولأنَّهم قالوا: تَصِحُّ دَعْواه، ويُسْتَحْلَف فيه، ويَحْكُمُ الحاكمُ فيه بعِلْمِه، ولا يُقْبَلُ رُجوعُه عنه بعدَ الاعْترافِ. فدَلَّ على أنَّه حَقٌّ لآدَمِىٍّ.
فصل: وإذا قُلْنا بوُجوبِ الحَدِّ بقَذْفِ مَن لم يَبْلُغْ، لم تَجُزْ إقامَتُهْ حتى يَبْلُغَ ويطالِبَ به بعدَ بُلوغِه؛ لأَنَّ مُطَالَبَتَه قبلَ البُلوغِ لا تُوجِبُ الحَدَّ؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ كَلامِه، وليس لوَلِيِّه المُطالبَةُ عنه؛ لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ للتَّشَفِّى، فلم يَقُمْ غيرُه مَقَامَه في اسْتِيفائِه، كالقِصاصِ، فإذا بلَغ وطالب، أُقِيمَ حينَئِذٍ. ولو قذَف غائبًا لم يُقَمْ عليه الحَدُّ (2) حتى يَقْدَمَ ويُطالِبَ، إلَّا أن
(1) في م: «حد» .
(2)
سقط من: الأصل، تش.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَثْبُتَ أنَّه طالَب في غَيْبَتِه. ويَحْتَمِلُ أن لا تجوزَ إقامتُه في غَيْبَتِه بحالٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَعْفُوَ بعدَ المُطالبةِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الحَدِّ؛ لكَوْنِه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. ولو جُنَّ المَقْذُوفُ بعدَ قَذْفِه، وقبلَ طَلَبِه، لم تَجُزْ إقامتُه حتى يُفِيقَ ويُطالِبَ، وكذلك إن أُغْمِىَ عليه، فإن كان قد طالَب به قبلَ جُنونِه وإغْمائِه، جازت إقامَتُه، كما لو وَكَّلَ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ، ثم جُنَّ أو أُغْمِىَ عليه قبلَ اسْتِيفائِه.
فصل: وإذا قَذَف ولدَه، لم يَجبْ عليه الحَدُّ، وإن نَزَل، سَواءٌ كان القاذِفُ رجُلًا أو امرأةً. وبهذا قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيز، ومالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآيةِ، ولأنَّه حَدٌ، فلا تَمْنَعُ مِن وُجُوبِه قَرابَةُ الوِلادَة، كالزِّنَى. ولَنا، أنَّه عُقوبة تجبُ حقًّا لآدَمِىٍّ، فلا تجبُ للوَلَدِ على الوالَدِ، كالقِصاصِ، أو نقولُ: إنَّه حَقٌّ لا يُسْتَوْفَى إلَّا بالمُطالَبَةِ باسْتِيفائِه، فأشْبَهَ القِصاصَ. ولأَنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يجبُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، ولأَنَّ الأُبُوَّةَ مَعْنًى يُسْقِطُ القِصاصَ، فمنَعَتِ الحَدَّ، [كالرِّقِّ والكُفْرِ](1). وبهذا يُخَصُّ عُمُومُ الآيةِ. ثم ما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالسَّرِقَةِ، فإنَّ الأبَ لا يُقْطَعُ بالسرقةِ مِن مالِ ابْنِه، والفرقُ بينَ القَذْفِ والزِّنَى، أنَّ حَدَّ الزِّنَى خالِصٌ لحقِّ اللَّهِ تعالى، لا حَقَّ للآدَمِىِّ فيه، وحَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لآدَمِىٍّ، فلا يَثْبُتُ للابنِ على أبِيه، كالقِصاصِ، وعلى أنَّه لو زَنَى بجاريةِ ابنِه، لم يَجِبْ عليه حَدٌّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لو قَذَف أُمَّ ابنِه، وهى أجْنَبِيَّةٌ منه، فماتَتْ قبلَ اسْتِيفائِه، لم يَكُنْ لابنِه المُطالَبَةُ؛ لأَنَّ ما مَنَع ثُبوتَه ابْتِداءً، أسْقَطَه طارِئًا، كالقِصاصِ. فإن كان لها ابنٌ آخرُ مِن غيرِه، كان له اسْتِيفاؤُه إذا ماتَت (2) بعدَ المُطالَبَةِ به؛ لأَنَّ الحَدَّ يَمْلِكُ بعضُ الوَرَثَةِ اسْتيفاءَه كلِّه، بخِلافِ القِصاصِ. وأمَّا قَذْفُ سائرِ الأقارِبِ، فيُوجِبُ الحَدَّ على القاذِفِ، في قَوْلِهم جميعًا.
(1) في م: «كالكفر» .
(2)
في الأصل: «ثبت» .