الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ جَلْدًا، وَخُشِىَ عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ، أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤَخَّرَ في الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ.
ــ
الضّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه (1)، والضّارِبُ بثَوْبِه. رَواه أبو داودَ (2).
4386 - مسألة: (قال أصحابُنا: ولا يُؤَخَّرُ الحَدُّ للمَرَضِ، فإن كان جَلْدًا، وخُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بأطْرافِ الثِّيابِ والعُثْكُولِ
(3). ويَحْتَمِلُ أن يُؤَخَّرَ للمَرَضِ المرْجُوِّ زَوالُه) أمّا إذا كان الحدُّ رَجْمًا، لم يُؤَخَّرْ؛ لأنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وإذا كان جَلْدًا،
(1) في م: «بنعلين» .
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 185.
(3)
العثكول: العذق من أعذاق النخل الذى يكون فيه الرطب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالمريضُ على ضَرْبَيْن؛ أحدُهما، يُرْجَى بُرْؤُه، فقال أصحابُنا: يُقامُ عليه الحَدُّ، ولا يُؤَخَّرُ، فإن خُشِىَ عليه مِن السَّوْطِ، ضُرِبَ بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ. وهذا قولُ أبى بكرٍ. وبه قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأَنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أقامَ الحَدَّ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ في مَرَضِه، ولم يُؤَخِّرْه (1)، وانْتَشَرَ ذلك في الصَّحابةِ، ولم يُنْكِروه، فكان إجْماعًا. ولأَنَّ الحَدَّ واجبٌ على الفَوْرِ فلا يُؤَخَّرُ ما أوْجَبَه اللَّهُ تعالى بغيرِ حُجَّةٍ. قال القاضى: ظاهِرُ قول الخِرَقِىِّ تأخيرُه؛ لقولِه في (2) مَن يجبُ عليه الحَدُّ: وهو صَحِيحٌ عاقلٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لحديثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، في التى هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ (3)، ولأَنَّ في تأْخِيرِه إقامةَ الحَدِّ على الكَمالِ مِن غيرِ
(1) تقدم تخريجه في صفحة 186.
(2)
تكملة من المغنى 12/ 329، وانظر متن الخرقى بالمغنى 12/ 357.
(3)
انظر ما تقدم تخريجه في صفحة 174.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إتْلافٍ، فكان أوْلَى. وأمّا حديثُ عمرَ في جَلْدِ قُدامةَ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان مَرَضًا خَفِيفًا، لا يَمْنَعُ مِن إقامةِ الحَدِّ على الكَمالِ، ولهذا لم يُنْقَلْ عنه أنَّه خَفَّفَ عنه في السَّوْطِ، وإنَّما اخْتارَ له سَوْطًا وَسَطًا، كالذى يُضْرَبُ به الصَّحِيحُ، ثم إنَّ فِعْلَ النبىِّ صلى الله عليه وسلم يُقَدَّمُ على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ علىٍّ وفِعْلُه، وكذلك الحكمُ في تأْخِيرِه في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطِ. الضَّرْبُ الثَّانِى، المريضُ الذى لا (1) يُرْجَى بُرْؤُه. فهذا يُقامُ عليه الحَدُّ في الحالِ، ولا يؤَخَّرُ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، كالقَضِيبِ الصَّغِيرِ، وشِمْراخٍ النَّخْلِ، فإن خِيفَ عليه مِن ذلك، جُمِعَ ضِغْثٌ فيه مائةُ شِمْراخٍ [فضُرِبَ به](2) ضَرْبَةً واحدةً. وبهذا قال الشافعىُّ. وأنْكَرَ مالكٌ هذا، وقال: قد قال اللَّه تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (3). وهذا جَلْدَةٌ واحدةٌ. ولَنا، ما روَى أبو أُمامةَ بنُ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أنَّ رجلًا اشْتَكَى حتى ضَنِىَ، فدخَلَتْ عليه امرأةٌ، فهَشَّ لها، فوقَعَ بها (4)، فسُئِلَ له (4) رسولُ
(1) سقط من: الأصل، تش.
(2)
في م: «فضربه» .
(3)
سورة النور 2.
(4)
سقط من: م.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فأمَرَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن يأْخُذوا مائةَ شِمْراخٍ فيَضْرِبُوه ضَرْبةً واحدةً. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ (1). وقال ابنُ المُنْذِرِ (2): في إسْنادِه مَقالٌ. ولأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يُقامَ عليه الحَدُّ على ما ذَكَرْنا، أو لا يُقامَ أصْلًا، أو يُضْرَبَ ضَرْبًا كامِلًا، لا يجوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا أن يُجْلَدَ جَلْدًا تامًّا؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إتْلافِه، فتَعَيَّنَ ما ذَكَرْناه. وقولُهم: هذا جَلْدَةٌ واحدةٌ. قُلْنا: يجوزُ أن يُقامَ ذلك في حالِ العُذْرِ، كما قال اللَّهُ تعالى في حَقِّ أيوبَ:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} (3). وهذا أوْلَى مِن تَرْكِ حَدِّه بالكُلِّيَّةِ، أو قَتْلِه بما لا يُوجِبُ القَتْلَ.
فصل: وإذا وَجب الحَدُّ على حامِلٍ، لم يُقَمْ عليها حتى تَضَعَ، سَواءٌ كان الحمْلُ مِن زِنًى أو غيرِه. [لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا] (4). قال ابنُ المُنْذِرِ (5): أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ الحامِلَ لا تُرْجَمُ حتى تَضَعَ. وروَى
(1) أخرجه أبو داود، في: باب في إقامة الحد على المريض، من كتاب الحدود. سنن أبى داود 2/ 470، 471. والنسائى، في: باب توجيه الحاكم إلى من أخبر أنه زنى، من كتاب القضاة. المجتبى 8/ 212، 213.
كما أخرجه ابن ماجه، في: باب الكبير والمريض يجب عليه الحد، من كتاب الحدود. سنن ابن ماجه 2/ 859. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 222.
(2)
انظر: الإشراف 3/ 21.
(3)
سورة ص 44.
(4)
سقط من: م.
(5)
انظر: الإشراف 3/ 12، الإجماع 69.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بُرَيْدَةُ، أنَّ امرأةً مِن بَنِى غامِدٍ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِى. قال:«وَمَا ذَاكَ؟» . قالتْ: إنَّها حُبْلَى مِن زِنًى. قال: «آنْتِ؟» . قالت: نعم. فقال لها: «ارْجِعِى حَتَّى تَضَعِى مَا فِى بَطْنِكِ» . قال: فَكَفَلَها رَجُلٌ مِن الأنْصارِ حتى وَضَعَت، قال: فأتَى النبىَّ صلى الله عليه وسلم، قال: قد وضَعَتِ الغامِدِيَّةُ. فقال: «إِذًا لَا [نَرْجُمُهَا، وَنَدَعَ] (1) وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ» . فقامَ رجلٌ مِن الأنْصارِ، فقال: إلىَّ رَضاعُه يا نَبِىَّ اللَّهِ. قال: فَرَجَمَها. رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ (2). ورُوِىَ أنَّ امرأةً زَنتْ في أيَّامِ عُمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فهَمَّ عمرُ برَجْمِها وهى حامِلٌ، فقال له (3) مُعاذٌ: إن كان لك سَبِيلٌ عليها، فليس لك سَبِيلٌ على حَمْلِها. فقال: عَجَزَ (4) النِّساءُ أن يَلِدْنَ مِثْلَك. ولم يَرْجُمْها. وعن علىٍّ مِثْلُه (5). ولأَنَّ في إقامةِ الحَدِّ عليها في حالِ حَمْلِها إتْلافًا لمَعْصُومٍ، ولا سَبيلَ إليه. وسَواءٌ كان
(1) في م: «ترجمها وتدع» .
(2)
أخرجه مسلم، في: باب من اعترف على نفسه بالزنى، من كتاب الحدود. صحيح مسلم 3/ 1322 - 1324. وأبو داود، في: باب في المرأة التى أمر النبى صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة، من كتاب الحدود. سنن أبى داود 2/ 462.
كما أخرجه الدارمى، في: باب الحامل إذا اعترفت بالزنى، من كتاب الحدود. سنن الدارمى 2/ 179، 180. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 348.
(3)
سقط من: م.
(4)
في الأصل: «عجل» .
(5)
أخرجهما ابن أبى شيبة، في: باب من قال: إذا فجرت وهى حامل انتظر. . .، من كتاب الحدود. المصنف 10/ 88، 89.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَدُّ رَجْمًا أو غيرَه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الوَلَدِ مِن سِرايَةِ الضَّرْبِ، ورُبَّما سَرَى إلى نَفْسِ المَضْرُوبِ، فيَفُوتُ الولدُ بفَواتِه. فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، فإن كان الحَدُّ رَجْمًا، لم تُرْجَمْ حتى تَسْقِيَه اللِّبَأَ؛ لأَنَّ الولدَ لا يَكادُ يَعِيشُ إلَّا به، ثم إن كان له مَن يُرْضِعُه، أو تَكَفَّلَ أحَدٌ برَضَاعِه، رُجِمَتْ، وإلَّا تُرِكَتْ حتى تَفْطِمَه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الغامِدِيَّةِ، ولِما روَى أبو داودَ (1) بإسْنادِه، عن بُرَيْدَةَ، أنَّ امرأةً أتَتِ النبىَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: إنِّى فَجَرْتُ، فواللَّهِ إنِّى لَحُبْلَى. فقال لها:«ارْجِعِى حَتَّى تَلِدِى» . فَرَجَعَتْ، فلمَّا وَلَدَتْ، أتَتْ بالصَّبِىِّ، فقال:«ارْجِعِى فَأرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ» . فجاءَتْ به وقد فَطَمَتْه، وفى يَدِه شئٌ يَأْكُلُه، فأمَرَ بالصَّبِىِّ فدُفِعَ إلى رجلٍ مِن المسلمين، وأمَرَ بها فحُفِرَ لها، وأمَرَ بها فَرُجِمَت، وأمَرَ بها فصُلِّىَ عليها ودُفِنَتْ. وإن لم يَظْهَر حَمْلُها، لم تُؤَخَّرْ، لاحْتِمالِ أن تكونَ حَمَلَتْ مِن الزِّنَى؛ لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم رَجَم اليَهُودِيَّةَ (2) والجُهَنِيَّةَ، ولم يَسْألْ عن اسْتِبْرائِهِما. وقال لأُنَيْسٍ:«اذْهَبْ إلى امْرَأةِ هذَا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (3). ولم يأْمُرْه بسُؤالِها عن اسْتِبْرائِها. ورَجَم علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، شُراحَةَ (4)، ولم يَسْتَبْرِئْها. وإنِ ادَّعَتِ
(1) انظر تخريجه عند أبى داود والإمام أحمد في حاشية 1 في الصفحة السابقة.
(2)
تقدم تخريجه في 10/ 446، 447. ويضاف إليه: والترمذى، في: باب ما جاء في رجم أهل الكتاب، من أبواب الحدود. عارضة الأحوذى 6/ 214. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 7، 62، 63، 76.
(3)
تقدم تخريجه في 13/ 450.
(4)
أخرجه البخارى، في: باب رجم المحصن، من كتاب الحدود. صحيح البخارى 8/ 204. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 107، 116، 121، 141، 153.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَمْلَ قُبِلَ قَوْلُها، كما قُبِلَ قَوْلُ الغامِدِيَّةِ. فإن كان الحَدُّ جَلْدًا، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ، وانْقَطَعَ النِّفاسُ، وكانت قَوِيَّةً يُؤْمَنُ تَلَفُها، أُقِيمَ عليها الحَدُّ، وإن كانت في نِفاسِها، أو ضَعِيفَةً يُخافُ تَلَفُها، لم يُقَمْ عليها الحَدُّ حتى تَطْهُرَ وتَقْوَى. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ. وذَكَر القاضى أنَّه ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقال أبو بكرٍ: يُقامُ عليها الحَدُّ في الحالِ، بسَوْطٍ يُؤْمَنُ معه التَّلَفُ، فإن خِيفَ عليها مِن السَّوْطِ، أُقِيمَ بالعُثْكُولِ، وأطْرَافِ الثِّيابِ؛ لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم أمَر بضَرْبِ المريضِ الذى زَنَى، فقال:«خُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْراخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» (1). ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ أمَةً لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زَنَتْ، فأمَرَنِى أن أجْلِدَها، فإذا هى حَدِيثَةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ، فخَشِيتُ إن أنا جَلَدْتُها أن أقْتُلَها، فذَكرْتُ ذلك لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:«أحْسَنْتَ» . رَواه مسلمٌ، وأبو داودَ (2)، ولَفْظُه، قال: فَأتيْتُه، فقال:«يا عَلِىُّ، أفَرَغْتَ؟» فقُلْتُ: أتَيْتُها ودَمُها يَسِيلُ. فقال: «دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ عَنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ أقِمْ عَلَيْها الحَدَّ» . وفى حديثِ [أبى بَكْرَةَ](3)، أنَّ المرأةَ انْطَلَقَتْ، فوَلَدَتْ غُلامًا، فجاءَتْ به النبىَّ صلى الله عليه وسلم، فقال لها:«انْطَلِقِى فَتَطَهَّرِى مِنَ الدَّمِ» . رَواه أبو داودَ (4). ولأنَّه لو تَوالَى عليه حَدَّان، فاسْتُوفِىَ
(1) تقدم تخريجه في صفحة 195.
(2)
تقدم تخريجه في صفحة 176، 177.
(3)
في الأصل: «أبى بكر» .
(4)
في: باب في المرأة التى أمر النبى صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة، من كتاب الحدود. سنن أبى داود 2/ 462، =