الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَمْ يُقْطَعْ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى في الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى في الرَّابِعَةِ.
ــ
ورِجْلُه دَفْعَةً واحدةً، وقد قُلْتُمْ في المريضِ الذى وَجَب عليه الحَدُّ: لا يُنْتَظَرُ بُرْؤُه. فلِمَ خَالَفْتُمْ ذلك ههُنا؟ قُلْنا: القِصاصُ حَقُّ آدَمِىٍّ، يُخافُ فَوْتُه، وهو مَبْنِىٌّ على الضِّيقِ لحاجَتِه إليه، ولأَنَّ القِصاصَ قد يَجِبُ في يَدٍ، ويجب في يَدَيْن وأكثرَ في حالةٍ واحِدَةٍ، فلهذا جازَ أن يُوالَى بينَ قِصاصَيْن، بخِلافِ الحَدِّ، فإنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ لها حَدٌّ مقَدَّر، لا تجوز الزِّيادَةُ عليه، فإذا والَى بينَ حَدَّيْن، صارَ كالزِّيادَةِ على الحَدِّ، فلم يَجُزْ. فأمَّا قطَّاع الطَّريقِ، فإنَّ قَطْعَ اليَدِ والرِّجْلِ حَدٌّ واحِدٌ، بخِلافِ ما نحن فيه. وأمَّا تأخير الحَدِّ للمَرَضِ، فمَمْنوع، وإن سلِّمَ، فإنَّ الجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُه، فيَأتِى به في المرَضِ على وَجْهٍ يُؤْمَن معه التَّلَفُ، والقَطْع لا يُمْكِن تخْفِيفُه.
4527 - مسألة: (فإن عاد، حُبِسَ، ولم يقْطَعْ. وعنه، أنَّه تقْطَع يَده اليُسْرَى في الثالِثَةِ والرِّجل اليُمْنَى في الرّابِعَةِ)
وجملة ذلك، أنَّه إذا سَرَق بعدَ قَطْعِ [يَدِه ورِجْلِه](1)، لم يُقْطَعْ منه شئٌ آخَر وحُبِسَ.
(1) في م: «يديه ورجليه» .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبهذا قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِى، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وعن أحمدَ، أنَّه تُقْطَعُ في الثالِثَةِ يَدُه اليُسْرَى، وفى الرّابعَةِ رِجْلُه اليُمْنَى، وفى الخامِسَةِ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ. ورُوِىَ عن أبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّهما قَطَعا يَدَ أقْطَعِ اليَدِ والرِّجْلِ (1). وهو قولُ قَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن عثمانَ، وعمرِو بنِ العاصِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنَّه تُقْطَعُ يدُه السرَى في الثالثةِ، والرِّجْلُ اليُمْنَى في الرَّابِعَةِ، ويُقْتَلُ في الخامِسَةِ؛ لأَنَّ جابِرًا قال: جئَ إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلم بسارِقٍ، فقال:«اقْتُلُوهُ» . فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنما سَرَقَ. فقال:«اقْطَعُوهُ» . قال: فَقُطِعَ، ثم جِئَ به الثَّانِيَةَ، فقال:«اقْتُلُوهُ» . فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق. فقال:«اقْطَعُوهُ» . قال: فقُطِعَ، ثم جِئَ به الثالثَةَ، فقال:«اقْتُلُوهُ» . فقالوا: يارَسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق. قال:«اقْطَعُوهُ» . قال: ثم أتِىَ به الرَّابِعَةَ، فقال:«اقْتُلُوهُ» . قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما سَرَق.
(1) أخرجه عبد الرزاق، في: باب قطع السارق، من كتاب اللقطة. المصنف 10/ 187. وابن أبى شيبة، في: باب في السارق يسرق تقطع يده. . .، من كتاب الحدود. المصنف 9/ 511. والدارقطنى، في: كتاب الحدود والديات وغيره. سنن الدارقطنى 3/ 181، 212. والبيهقى، في: باب السارق يعود فيسرق ثانيا، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 273، 274. وهو أثر صحيح. انظر الإرواء 8/ 91.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: «اقْطَعُوهُ» . ثم أتِىَ به الخامِسَةَ، فقال:«اقْتُلُوهُ» . قال: فانْطَلَقْنا به، فَقَتَلْناه، ثم اجْتَرَرْنَاه فألْقَيْناه في بئرٍ. رَواه أبو داودَ، والنَّسَائىُّ (1). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال في السَّارِقِ:«إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ (2)، [ثمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إن سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ] (3)» (4). ولأَنَّ اليَسارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فجازَ قَطْعُها في السَّرقَةِ، كاليُمْنَى، ولأنَّه فِعْلُ أبى بكرٍ، وعمرَ (5)، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وقد قال النبىُّ صلى الله عليه وسلم:«اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ» (6). ولَنا، ما روَى سعيدٌ، ثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، قال: حضرتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أتِىَ بِرَجُل مَقْطُوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قد سَرَق،
(1) أخرجه أبو داود، في: باب في السارق سرق مرارًا، من كتاب الحدود. سنن أبى داود 2/ 454. والنسائى، في: باب قطع اليدين والرجلين من السارق، من كتاب قطع السارق. المجتبى 8/ 83، 84. وهو حديث منكر. انظر تلخيص الحبير 68/ 4، 69.
(2)
في الأصل: «رجله» .
(3)
سقط من: الأصل.
(4)
تقدم تخريجه في صفحة 567.
(5)
سقط من: م.
(6)
أخرجه الترمذى، في: باب في مناقب أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما كليهما، من أبواب المناقب. عارضة الأحوذى 3/ 129. وابن ماجه، في: باب في فضائل أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، من المقدمة. سنن ابن ماجه 1/ 37. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 382، 385، 399، 402. وهو حديث صحيح. وانظر تلخيص الحبير 4/ 190. والإحسان 15/ 327، 328.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فقال لأصحابِه: ما تَرَوْنَ في هذا؟ قالوا: اقْطَعْهُ يا أميرَ المُؤْمِنين. قال: قَتَلْتُه إذًا، وما عليه القَتْلُ، بأىِّ شئٍ يَأْكُلُ الطَّعامَ؟ بأىِّ شئٍ يَتَوَضَّأُ للصلاةِ؟ بأىِّ شئٍ يَغْتَسِلُ مِن جَنابَتِه؟ بأىِّ شئٍ يقومُ على حاجَتِه؟ فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثم أخْرَجَه فاسْتَشارَ أصحابَه، فقالوا مثلَ قولِهم الأَوَّلِ، وقال مثلَ ما قالَ أوَّلَ مَرَّةٍ (1)، فجَلَدَه جَلْدًا شديدًا، ثم أرْسَلَه (2). ورُوِىَ عنه، أنَّه قال: إنِّى لأسْتَحِى مِن اللَّه أِن لا أدَعَ له يَدًا يَبْطِشُ بها، ولا رِجْلًا يَمْشِى عليها (2). ولأَنَّ في قَطْعِ اليدَيْن تَفوِيتَ مَنْفَعَةِ الجِنْسِ، فلم يُشْرَعْ في حَدٍّ، كالقَتْلِ، ولأنَّه لو جازَ قطعُ اليَدَيْن، لقُطِعَتِ اليُسْرَى في المرَّةِ الثَّانيةِ (3)، لأنَّها آلةُ البَطْشِ كاليُمْنَى، وإنَّما لم تُقْطَعْ للمَفْسَدَةِ في قَطْعِها، لأَنَّ ذلك بمَنْزِلَةِ الإِهْلاكِ، فإنَّه لا يُمْكِنُه أن يَتَوَضَّأ، ولا يَغْتَسِلِ، ولا يَسْتَنْجِى، ولا يَحْتَرِزَ مِن نَجاسةٍ، ولا يُزِيلَها عنه، ولا يَدْفَعَ عن نفْسِه، ولا يأكلَ، ولا يَبْطِشَ، وهذه المَفْسَدَةُ حاصِلَةٌ بقَطْعِها في المرَّةِ الثالِثَةِ. فأمَّا حديثُ جابرٍ، ففى حَقِّ رجل اسْتَحَقَّ القَتْلَ،
(1) في الأصل: «أمره» .
(2)
وأخرجه عبد الرزاق، في: باب قطع السارق، من كتاب اللقطة. المصنف 10/ 186. وابن أبى شيبة، في: باب في السارق يسرق فتقطع يده. . .، من كتاب الحدود. المصنف 9/ 512. والبيهقى، في: باب السارق يعود فيسرق ثانيا، من كتاب السرقة. السنن الكبرى 8/ 275. وانظر الإرواء 8/ 90.
(3)
في الأصل، ر 3، ق، م:«الثالثة» . وانظر المغنى 12/ 448.