الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِمَّا أَن يرجع إِلَى نِكَاح امْرَأَته وَكَانَت زَوجته بعد مُضِيّ الْمدَّة كَمَا كَانَت زَوجته قبلهَا أَو يطلقهَا وَكَانَ لَهُ حكم الْمُطلق لامْرَأَته ابْتِدَاء وَأما إِذا وَقت بِدُونِ أَرْبَعَة أشهر فَإِن أَرَادَ أَن يبر فِي يَمِينه اعتزل امْرَأَته الَّتِي حلف مِنْهَا حَتَّى تَنْقَضِي الْمدَّة كَمَا فعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين إِلَى من نِسَائِهِ شهرا فَإِنَّهُ اعتزلهن حَتَّى مضى الشَّهْر وَإِن أَرَادَ أَن يطَأ امْرَأَته قبل تِلْكَ الْمدَّة الَّتِي هِيَ دون أَرْبَعَة أشهر فِي يَمِينه وَلَزِمتهُ الْكَفَّارَة وَكَانَ ممتثلا لما صَحَّ عَنهُ صلى الله عليه وسلم من قَوْله
من حلف على يَمِين فَرَأى غَيره خيرا مِنْهُ فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه وَالله أعلم
14 -
بَاب مَا نزل فِي عدَّة المطلقات ودرجة الرِّجَال عَلَيْهِنَّ
قَالَ تَعَالَى {والمطلقات} أَي المخليات من حبال أَزوَاجهنَّ والمطلقة هِيَ الَّتِي أوقع الزَّوْج عَلَيْهَا الطَّلَاق {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء} تمْضِي من حِين الطَّلَاق فَتدخل تَحت عُمُومه الْمُطلقَة قبل الدُّخُول ثمَّ خصصت بقوله تَعَالَى {فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها} سُورَة الْأَحْزَاب فَوَجَبَ بِنَاء الْعَام على الْخَاص وَخرجت من هَذَا الْعُمُوم الْمُطلقَة قبل الدُّخُول وَكَذَلِكَ خرجت الْحَامِل بقوله تَعَالَى {وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ} الطَّلَاق 4 وَكَذَلِكَ خرجت الْآيَة بقوله تَعَالَى {فعدتهن ثَلَاثَة أشهر} سُورَة الطَّلَاق
والتربص الِانْتِظَار قيل هُوَ خبر فِي معنى الْأَمر أَن ليتربصن قصد بِإِخْرَاجِهِ مخرج الْخَبَر تَأْكِيد وُقُوعه وزاده تَأْكِيدًا وُقُوعه خَبرا للمبتدأ قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ وَهَذَا بَاطِل وَإِنَّمَا هُوَ خبر عَن حكم الشَّرْع فَإِن وجدت مُطلقَة لَا تَتَرَبَّص فَلَيْسَ ذَلِك من الشَّرْع وَلَا يلْزم من ذَلِك وُقُوع خبر الله سُبْحَانَهُ على خلاف مخبره
والقروء جمع قرء وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْحيض قرءا وَمِنْهُم من يُسَمِّي الطُّهْر قرءا وَمِنْهُم من جَمعهمَا جَمِيعًا فيسمي الْحيض مَعَ الطُّهْر قرءا وَالْحَاصِل أَن الْقُرْء فِي لُغَة الْعَرَب مُشْتَرك بَين الْحيض وَالطُّهْر وَلأَجل ذَلِك الِاشْتِرَاك اخْتلف أهل الْعلم فِي تعْيين مَا هُوَ المُرَاد بالقروء الْمَذْكُورَة فِي الْآيَة فَقَالَ أهل الْكُوفَة هِيَ الْحيض وَقَالَ أهل الْحجاز هِيَ الْأَطْهَار وَاسْتدلَّ كل وَاحِد بأدلة على قَوْله وَعِنْدِي أَنه لَا حجَّة فِي بعض مَا احْتج بِهِ أهل الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا وَيُمكن أَن يُقَال إِن الْعدة تَنْقَضِي بِثَلَاثَة أطهار أَو بِثَلَاث حيض وَلَا مَانع من ذَلِك فقد جوز جمع من أهل الْعلم حمل الْمُشْتَرك على معنييه وَبِذَلِك يجمع بَين الْأَدِلَّة ويرتفع الْخلاف ويندفع النزاع
{وَلَا يحل لَهُنَّ أَن يكتمن مَا خلق الله فِي أرحامهن} قيل المُرَاد بِهِ الْحيض وَقيل الْحمل وَقيل كِلَاهُمَا وَوجه النَّهْي عَن الكتمان مَا فِيهِ فِي بعض الْأَحْوَال من الْإِضْرَار بِالزَّوْجِ وإذهاب حَقه فَإِذا قَالَت الْمَرْأَة إِنَّهَا حَاضَت وَهِي لم تَحض ذهبت بِحقِّهِ من الارتجاع وَإِذا قَالَت إِنَّهَا لم تَحض وَهِي قد حَاضَت ألزمته من النَّفَقَة مَا لم يلْزمه فأضرت بِهِ وَكَذَلِكَ الْحمل رُبمَا تكتمه لتقطع حَقه من الارتجاع وَرُبمَا تدعيه لتوجب عَلَيْهِ النَّفَقَة وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد المستلزمة للإضرار بِالزَّوْجِ وَقد اخْتلفت الْأَقْوَال فِي الْمدَّة الَّتِي تصدق فِيهَا الْمَرْأَة إِذا ادَّعَت انْقِضَاء عدتهَا وَفِيه دَلِيل على قبُول قولهن فِي ذَلِك نفيا وإثباتا
{إِن كن يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر} فِيهِ وَعِيد شَدِيد للكاتمات وَبَيَان أَن من كتمت ذَلِك مِنْهُنَّ لم تسْتَحقّ اسْم الْإِيمَان وَهَذَا الشَّرْط لَيْسَ للتَّقْيِيد بل للتغليظ حَتَّى لَو لم يكن مؤمنات كَانَ عَلَيْهِنَّ الْعدة أَيْضا {وبعولتهن} جمع بعل وَهُوَ الزَّوْج وَهُوَ أَيْضا مصدر من بعل الرجل إِذا صَار بعلا فَهُوَ لفظ مُشْتَرك بَين الْمصدر وَالْجمع {أَحَق بردهن} أَي برجعتهن وَذَلِكَ يخْتَص بِمن كَانَ يجوز للزَّوْج مراجعتها فَيكون فِي حكم التَّخْصِيص لعُمُوم قَوْله {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} لِأَنَّهُ يعم المثلثات وغيرهن وَصِيغَة التَّفْضِيل لإِرَادَة أَن الرجل إِذا أَرَادَ الرّجْعَة وَالْمَرْأَة تأباها وَجب إِيثَار قَوْله على قَوْلهَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَن لَهَا حَقًا فِي الرّجْعَة قَالَه أَبُو السُّعُود {فِي ذَلِك} يَعْنِي فِي مُدَّة التَّرَبُّص فَإِن انْقَضتْ مُدَّة التَّرَبُّص فَهِيَ أَحَق بِنَفسِهَا وَلَا تحل لَهُ إِلَّا بِنِكَاح مُسْتَأْنف بولِي وشهود وَمهر جَدِيد وَلَا خلاف فِي ذَلِك وَالرَّجْعَة تكون بِاللَّفْظِ وَتَكون بِالْوَطْءِ وَلَا يلْزم المراجع شَيْء من أَحْكَام النِّكَاح بِلَا خلاف {إِن أَرَادوا إصلاحا} أَي بالمراجعة أَي إصْلَاح حَاله مَعهَا وحالها مَعَه فَإِن قصد الْإِضْرَار بهَا فَهِيَ مُحرمَة لقَوْله تَعَالَى {وَلَا تمسكوهن ضِرَارًا لتعتدوا} وَقيل إِذا قصد بالرجعة الضرار فَهِيَ صَحِيحَة وَإِن ارْتكب بِهِ محرما وظلم نَفسه وعَلى هَذَا فَيكون الشَّرْط الْمَذْكُور فِي الْآيَة لحث الْأزْوَاج على قصد الصّلاح والزجر لَهُم عَن قصد الضرار وَلَيْسَ المُرَاد بِهِ جعل قصد الصّلاح شرطا لصِحَّة الرّجْعَة {ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَي من حُقُوق الزَّوْجَات على الرِّجَال مثل مَا للرِّجَال عَلَيْهِنَّ فَيحسن عشرتها بِمَا هُوَ مَعْرُوف من عَادَة النَّاس أَنهم يَفْعَلُونَهُ لنسائهم وَهِي كَذَلِك تحسن عشرَة زَوجهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوف من عَادَة النِّسَاء أَنَّهُنَّ يفعلنه لِأَزْوَاجِهِنَّ من طَاعَة وتزين وتحبب وَنَحْو ذَلِك
قَالَ أبن عَبَّاس فِي الْآيَة إِنِّي أحب أَن أتزين لامرأتي كَمَا أحب أَن
تتزين لي لِأَن الله تَعَالَى قَالَ ولهن مثل الَّذِي عَلَيْهِنَّ قَالَ الْكَرْخِي أَي فِي الْوُجُوب لَا فِي الْجِنْس فَلَو غسلت ثِيَابه أَو خبزت لَهُ لم يلْزمه أَن يفعل ذَلِك وَقيل فِي مُطلق الْوُجُوب لَا فِي عدد الْأَفْرَاد وَلَا فِي صفة الْوَاجِب {وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة} أَي منزلَة لَيست لَهُنَّ وَهِي قِيَامه عَلَيْهَا فِي الْإِنْفَاق وَكَونه من أهل الْجِهَاد وَالْعقل وَالْقُوَّة وَله من الْمِيرَاث أَكثر مِمَّا لَهَا وَكَونه يجب عَلَيْهَا امْتِثَال أمره وَالْوُقُوف عِنْد رِضَاهُ وَالشَّهَادَة وَالدية وصلاحية الْإِمَامَة وَالْقَضَاء وَله أَن يتَزَوَّج عَلَيْهَا ويتسرى وَلَيْسَ لَهَا ذَلِك وَبِيَدِهِ الطَّلَاق وَالرَّجْعَة وَلَيْسَ شَيْء من ذَلِك بِيَدِهَا وَلَو لم يكن من فَضِيلَة الرِّجَال على النِّسَاء إِلَّا كونهن خُلِقْنَ من الرِّجَال لما ثَبت أَن حَوَّاء خلقت من ضلع آدم لكفي
وَقد أخرج أهل السّنَن عَن عمر بن الْأَحْوَص أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ أَلا إِن لكم على نِسَائِكُم حَقًا ولنسائكم عَلَيْكُم حَقًا أما حقكم على نِسَائِكُم أَن لَا يوطئن فرشكم من تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَن فِي بُيُوتكُمْ لمن تَكْرَهُونَ أَلا وحقهن عَلَيْكُم أَن تحسنوا إلَيْهِنَّ فِي كسوتهن وطعامهن وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَأَصله عِنْد مُسلم فِي الصَّحِيح وَأخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَالْحَاكِم وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ
{وَالله عَزِيز حَكِيم} فِيمَا دبر خلقه وَعَن أبي ظبْيَان أَن معَاذ بن جبل خرج فِي غزَاة بَعثه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِيهَا ثمَّ رَجَعَ فَرَأى رجَالًا يسْجد بَعضهم لبَعض فَذكر ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَو أمرت أحدا أَن يسْجد لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لزَوجهَا